10 يونيو 2026
أوروبا

البابا من مدريد: الفرح هو الجواب الجماعيّ المشترك على عمل الله في يسوع المسيح!

في ختام اليوم الثّالث من زيارته الرّسوليّة إلى إسبانيا، عقد البابا لاون الرّابع عشر لقاءً رعويًّا مع الجماعة الأبرشيّة في مدريد، احتضنه استاد “سانتياغو برنابيو” في مدريد، في أجواء احتفاليّة مهيبة.

البابا الّذي ركّز في كلمته على مفهوم “الوحدة في التّنوّع”، شدّد على أهمّيّة الإصغاء والسّينودسيّة والانفتاح على الحوار والتّعاون المشترك، وقال نقلًا عن “فاتيكان نيوز”:

“إنّ هذه الأمسية هي نشيد إيمان عظيم، ويسعدني أن أضمّ صوتي إلى أصواتكم لكي نسبّح الله ونوطّد أواصر عائلة كنسيّة جميلة، تتعلّم فنّ التّعدّديّة النّغميّة (البوليفونيّة)، أيّ الوحدة في التّنوّع. وأشكر رئيس أساقفتكم، الكاردينال خوسيه كوبو كانو، على تقديمه مَثَل الأنشودة، الّذي يظهر أنّ الأرقام والبيانات والوقائع ليست كافية وحدها لبناء الجماعة؛ فقلوبنا بحاجة إلى أن ترنّم، أيّ أن تفسّر الأحداث والمواقف محتفلة مع الآخرين بالمعنى الّذي يشعّ منها. وبالنّسبة للكنيسة، يتجلّى هذا بشكل فريد في اللّيتورجيا، التّذكار العظيم للتّاريخ الّذي خلّصنا.

إنّ التّرنيم هو حاجة تتغلغل في العيش المشترك وتسائل الثّقافة، وتحثّها على البقاء منفتحة وفي تطوّر مستمرّ. أنتم الكنيسة الأبرشيّة في وسط شعب يحبّ الموسيقى والرّقص واللّقاء معًا، ولكنّه يعرف أيضًا النّزاعات والاستسلام، وأحيانًا اليأس؛ وهي مواقف يمكن للإنجيل أن يفتح فيها دربًا للرّجاء. إنّكم تشهدون للإنجيل في عاصمة بلد أوروبيّ كبير، يضمّ مؤسّسات ومنظّمات تُتّخذ فيها قرارات مهمّة للحاضر والمستقبل، ولكنّه يمثّل أيضًا وجهة لملايين الزّوّار وللإخوة والأخوات الباحثين عن فرص جديدة. وإنّ فرحكم سيكون معديًا إذا تحوّل من مجرّد عاطفة عابرة إلى أسلوب حياة راسخ، وإلى شعور عميق يجدّد الأشخاص والمجموعات والجماعة الأبرشيّة برمّتها. وليس من قبيل الصّدفة أن يدعو الرّسل في كتاباتهم الكنائس مرارًا وتكرارًا إلى الفرح، ويوصون به وكأنّه وصيّة. إنّه “فرح الإنجيل”، الجواب الجماعيّ المشترك على عمل الله في يسوع المسيح: إنّ حياته وموته وقيامته قد غيّرت إلى الأبد أسلوب فهم التّاريخ لدى الّذين التقوا به وتبعوه، وإن كان ذلك بأشكال ومن خلال طرق مختلفة. واليوم أيضًا، إنّ محبّة المسيح تأخذ بمجامع قلبنا- والفعل الّذي يستخدمه القدّيس بولس، synèchei، يعني أيضًا “تجمعنا” و”تحفظنا معًا” و”تمتلكنا”- وهكذا تدعونا إلى مسؤوليّة العمل والمبادرة.

نعم، أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء، وكما شهد بعضكم اللّيلة، فإنّ المعموديّة تغيّر الحياة حقًّا. إنّ حساسيّتنا وخلفيّاتنا وأولويّاتنا تلتقي في المسيح، ومن حياته تتلقّى العصارة، كأغصان الكرمة. ويعني هذا بشكل ملموس أنّ الكثير ممّا كان موجودًا فينا بالفعل يتغيّر، لأنّه يوجّه نحو الخدمة، ويتوقّف عن كونه عطاءً خاصًّا ليخدم الخير العامّ. ولا ينبغي أن نخاف من كون هذا التّنوّع لا ينتج نمطًا موحّدًا جافًّا؛ وفي هذا الصّدد، يشهد العهد الجديد، في تنوّع أصواته، على الشّركة في التّنوّع، أيّ على الفهم المتبادل الّذي تشتَّت وضاع في بابل، حيث انتهى الأمر بالجميع- وفقًا للرّواية البيبليّة- إلى عدم فهم قريبهم بسبب إجبارهم على مشروع توتالتاريّ وبشريّ محض.

وفي الرّسالة العامّة “الإنسانيّة الرّائعة”، اقترحتُ كبديل للتّماثل الأعمى والتّخبّط شخصيّة نحميا، الّذي أشرك الجماعة بأسرها في إعادة بناء أسوار أورشليم. “إنّ إعادة البناء اليوم تعني الاعتراف بأنّه في تعدّديّة الأصوات والرّؤى، الّتي تذكّرنا أحيانًا بتبلبل الألسنة، تكمن إمكانيّة منيرة: وهي إمكانيّة البناء معًا، وتحويل التّنوّع إلى طاقة ومورد، وجعل الإصغاء والحوار الأرضيّة المشتركة الّتي تنمو عليها العدالة والأخوَّة. وفي هذا العمل المشترك، يجد المسيحيّون طريقتهم الخاصّة في البناء: وهي توجيه العمل نحو الله، لكي لا يتشتَّت التّعدّد في الفوضى تحت نوره، بل يتحوّل، في ممارسة السّينودسيّة، إلى فسحة تستعيد فيها البشريّة أسسها الصّلبة وغايتها الأسمى.

ثمّة إذن علاقة خاصّة بين الكنيسة والمدينة، تكتسب أهمّيّة أكبر في هذا التّحوّل الحقبيّ الّذي نعيشه: علاقة تتجسّد طبعًا بين أشخاص من لحم ودم، في علاقات العمل والقرب، ولكن أيضًا في مختلف الجماعات والجمعيّات وهيئات الأحياء. ويصبح تميّز الرّسالة المسيحيّة وخصوصيّتها أكثر وضوحًا يومًا بعد يوم في قلب الحواضر الكبرى، حيث “تنبض ثقافة جديدة وتتطوّر”. وإنّ الوضوح بشأن هذه النّقطة قد نضج كثيرًا على طول المسيرة السّينودسيّة، ممّا أتاح لنا أن نتعارف ونصغي لبعضنا بعضًا بعمق أكبر في السّياقات الّتي تعيش فيها الجماعة الأبرشيّة وتتشكّل. والسّؤال الّذي يغدو أكثر أهمّيّة هو: هل ما نحن عليه وما نفعله كمسيحيّين يصل “إلى حيث تُصاغ الرّوايات والنّماذج الجديدة”، أيّ إلى “النّويات الأكثر عمقًا في روح المدن؟” صحيح أنّ تقديم إجابة قد يكون أمرًا صعبًا، ولكنّه ممكن إذا بحثنا معًا عن الحقيقة.

لهذا السّبب، من الأهمّيّة بمكان ألّا نتشتَّت وألّا ينغلق كلّ منّا في المجموعة أو البيئة الّتي يشعر فيها بالأمان، بين أشخاص يرتّلون دائمًا النّغمة نفسها. وللوصول إلى قلب المدينة، يجب تغذية الوعي بأنّ الحقيقة هي سمفونيّة وتتجاوزنا دائمًا، وتنمية الرّغبة في لقاء القائم من بين الأموات، الّذي يسير دائمًا أمامنا، يسبقنا وربّما يكون حاضرًا حيث لم نبحث عنه بعد. ولذلك، فإنّ البحث عنه واتّباعه هما الشّرط الأساسيّ للإشارة إليه والدّلالة عليه: وإلّا فلن تكون هناك بشارة، واليوم يمكننا فهم هذا الأمر بشكل أفضل ممّا كان عليه في الماضي. في المدن الكبرى، وأكثر من أيّ مكان آخر، يبدو لنا أحيانًا أنّنا لم نعد نملك الخرائط للتّحرّك بأمان. لذا، يتعيّن علينا إعادة تعلّم الفنّ الرّوحيّ لأن نكون ودودين، والّذي بدونه يواجه إعلان الإنجيل خطر التّحوّل إلى تكرار غير شخصيّ، وإذ يفقد فعاليّته، يترك المكان للإحباط وعدم الثّقة.

أيّها الإخوة الأعزّاء، مدريد هي مدينة كبيرة تتعايش فيها تقاليد و”أرواح” مختلفة. والله يعرف قلوب سكّانها واحدًا واحدًا. يعرفها كما هو وحده يعلم ويقدر، أيّ بالمحبّة وبالتّالي بالحرّيّة. هو رحمة غير متناهية ويريد أن يخلّص الجميع. يشتهي ذلك لدرجة أنّه تجسّد وحمل على عاتقه كلّ الخطيئة والشّرّ والسّلبيّات في العالم. هذا هو يسوع المسيح! هذه هي البشرى السّارّة، النّعمة الّتي نلناها والّتي نحن مدعوّون لمشاركتها مع الجميع! لأنّ الجميع، بلا استثناء، مَخلوقون للحياة وللحياة بملئها. وإنّ حضور الكنيسة في مدينة كبرى هو مَثَل لسرّ الخلاص هذا. ويخطر ببالي سفر يونان، تلك الجوهرة في الكتاب المقدّس الّتي أدعوكم لقراءتها أو إعادة قراءتها، شخصيًّا وفي الجماعة. ولم يكن من قبيل المصادفة أنّ الرّسل غرسوا الكنيسة النّاشئة في المدن بالذّات، مواجهين ليس الرّفض فحسب، بل والقبول أيضًا حيث يواجه الأشخاص، بشكل طبيعيّ، التّنوّع والتّغيير.

لا يضطرب قلبكم ولا يخف! معًا، ككنيسة أبرشيّة، يمكنكم تقديم الشّهادة الإنجيليّة الّتي تحرّر أفضل الطّاقات لإنسانيّة مستهدفة بوابل من الصّور والكلمات، لكنّها جائعة إلى العدالة وظامئة إلى الحقيقة. ثقوا تمامًا بالحقيقة الّتي تزداد وضوحًا، وهي أنّه يمكن للمرء العودة إلى الإيمان أو التّعرّف عليه للمرّة الأولى في سنّ البلوغ. واستعدّوا لاستقبال البدايات الجديدة لا كاستثناء، بل كقاعدة للرّسالة. إنّ الاستثمار في المجالس الرّعويّة والأبرشيّة لا يحمل هدفًا أقلّ من هذا: تعديل حساسيّة كلّ فرد بفضل إصغاء أكثر عمقًا لما يقوله الرّوح للكنيسة. وسيكون من المؤسف اختزالها في مجرّد إجراءات بيروقراطيّة؛ فهي فسحات للإصغاء المتبادل لممارسة التّمييز، وبدونه لا يقتصر الأمر على سعي كلّ فرد في طريقه الخاصّ، بل نواجه خطر عدم فهم أين يريدنا الرّبّ، وماذا ينتظر منّا، وإلى أيّ ارتداد يدعونا. وعندما نعتني بهذه الفسحات، تنعكس العبادة في الحياة وتنشأ بين الأشخاص روابط أخوَّة ومشاريع تضامن.

وإنّني أدعو الكهنة إلى الاعتراف بممارسة التّمييز الجماعيّ كإحدى أعظم الفرص الّتي تقدّمها السّينودسيّة لخدمتهم الرّعويّة. أيّها الإخوة الأعزّاء، دون الابتعاد عمّا هو جوهريّ، فإنّ التّوقّف المنتظم مع شعبكم لتفسير حياة الأحياء، والتّحوّلات الثّقافيّة، والتّوتّرات الاجتماعيّة، والممارسات الكنسيّة على ضوء الإنجيل، سيغني خدمتكم ويعزّيها. كما سيساعد كلّ فرد وكلّ جماعة على الخروج من العزلة واختبار فرح الرّوح القدس. وفي الواقع، عندما نختزل الحياة الكنسيّة في روتين ينغلق فيه كلّ فرد على عاداته ودوره، فإنّ ما ينقصنا هو الرّوح. فالرّوح يحرّك الدّعوات ويجمعها، مسبّبًا أحيانًا حراكًا، ونقاشًا، وبحثًا عن توازنات جديدة. فلا تخافوا من كلّ هذا، بل استفيدوا منه.

إنّ القصص الّتي استمعنا إليها اللّيلة تخبرنا، أو بالأحرى “تنشد لنا”، كم من الحياة يتدفّق في هذه الكنيسة. فقد شهد أحدكم قائلًا: “أستطيع أن أقول دون تردّد إنّني أحبّ بعمق الكنيسة، عائلة الله، حيث يوجد مكان للجميع”. وقال آخر: “شعرت بفرح ومسؤوليّة كبيرين عندما أصبحت عضوًا أكثر نشاطًا في الجماعة ومشاركة وزناتي مع بقيّة أعضاء الكنيسة”. وروى آخرون أيضًا: “بالنّسبة لنا، الخدمة في هذه البرامج ليست مجرّد وسيلة للمساعدة، بل هي أيضًا طريقة لردّ كلّ الحبّ والدّعم الّذي تلقّيناه”. هذه هي الكنيسة، أيّها الإخوة والأخوات الأعزّاء! هذه هي موسيقى الإنجيل بإيقاعها المعدي. عندما تصل إلى القلب، تجعل المرء يقول إنّه شعر بالاستقبال بأذرع مفتوحة، مثل العائلة الّتي جاءت من البيرو إلى مدريد. والكثيرون، مثلها، يشعرون بالخوف في البداية من الاقتراب، لأنّهم سمعوا عن أحكام مسبقة وخيبات أمل. إنّ الصّلاح، حتّى وإن صدر عن قلّة، يمكنه أن يهزم خوف الكثيرين. كونوا للجميع بمثابة كتاب مقدّس مفتوح: لكي يلتقي الآخرون بكلمة الله على وجوهكم وفي حياتكم. فالمحبّة، في الواقع، هي اللّغة الّتي تجعل الجميع يشعرون بأنّهم في بيوتهم. شكرًا جزيلًا لكم.”