في مقرّ البرلمان الإسبانيّ وقف البابا لاون الرّابع عشر مخاطبًا المشرّعين، في إطار زيارته الرّسوليّة إلى إسبانيا، حول كرامة الإنسان وحماية الحياة والأسرة والتّعليم والعدالة الاجتماعيّة، فضلًا عن قضايا الهجرة والسّلام والتّحدّيات الأخلاقيّة المرتبطة بالتّكنولوجيا والذكاء الاصطناعيّ.
وفي خطابه، وبحسب “فاتيكان نيوز”، توقّف البابا بداية عند أهمّيّة الحوار بين المؤسّسات الدّينيّة والسّياسيّة لخدمة الإنسان والصّالح العامّ، مشدّدًا على أنّ الكنيسة لا تسعى إلى تقديم الحلول الّتي هي واجبُ المؤسّسات المدنيّة، بل إلى الإسهام في تعزيز القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة الّتي تجعل التّعايش أكثر عدلًا وإنسانيّة.
البابا ثمّن الإث التّاريخيّ الثّقافيّ الغنيّ لإسبانيا الّذي يجمع بين الإيمان والعقل، وبين القانون والفكر، مستشهدًا بأعمال كبار المفكّرين والأدباء الإسبان، “الّذين أكّدوا في أعمالهم قيمة الحرّيّة والكرامة الإنسانيّة والبحث عن الحقيقة.”
وتوقّف عند الإرث الفكريّ لمدرسة سالامانكا الفلسفيّة والقانونيّة في القرن السّادس عشر، والّتي دافعت عن فكرة أنّ لكلّ إنسان كرامة أصيلة لا يجوز انتهاكُها، وأنّ السّلطة السّياسيّة يجب أن تخضع دائمًا لمعايير العدالة والأخلاق.
وتضمّن خطاب البابا أيضًا دعوة إلى “ضمان أن يبقى الإنسان في مركز كلّ قرار يتعلّق بالتّكنولوجيا والاقتصاد والعمل والسّياسات الاجتماعيّة”، و”إلى حماية الحياة البشريّة في جميع مراحلها”، “مع إيلاء اهتمام خاصّ للفئات الأكثر ضعفًا”.
وتناول البابا الدّور المركزيّ للأسرة باعتبارها “الخليّة الأساسيّة للمجتمع”، ففيها “يتعلّم الإنسان قيم التّعايش والمسؤوليّة والتّضامن”.
كما دعا إلى احترام حقّ الآباء في اختيار نوع التّعليم الّذي يتوافق مع قناعاتهم الأخلاقيّة والثّقافيّة والدّينيّة، مؤكّدًا على أهمّيّة المؤسّسات التّعليميّة في تنمية التّفكير النّقديّ وتعزيز القيم الإنسانيّة لدى الأجيال الجديدة.
ولم ينس البابا قضيّة الهجرة، حاثًّا على اعتماد سياسات تضمن طرقًا آمنة وقانونيّة للهجرة، وتوفّر الاستقبال الكريم وفرص الاندماج للمهاجرين، مع السعي، في الوقت نفسه، إلى معالجة الأسباب الّتي تدفع النّاس إلى مغادرة أوطانهم. كما حذّر من تفاقم ظاهرة الاتجار بالبشر واستغلال المهاجرين، مطالبًا بتعزيز التّعاون الدّوليّ من أجل إنقاذ الضّحايا ومكافحة الشّبكات الإجراميّة.
وجدّد البابا دعوته إلى السّلام، معبّرًا عن قلقه من عودة سباق التّسلّح في عدد من مناطق العالم، بما في ذلك أوروبا، معتبرًا أنّ الأمن الحقيقيّ لا يتحقّق بتكديس الأسلحة، بل بالعدالة واحترام القانون الدّوليّ والحوار الدّبلوماسيّ.
كما دعا إلى فرض ضوابط أخلاقيّة صارمة على استخدام الذّكاء الاصطناعيّ والتّقنيات الحديثة في المجالات العسكريّة، بحيث تبقى القرارات المتعلّقة بالحياة والموت مسؤوليّة بشريّة. كما أكّد على أهمّيّة حرّيّة الفكر والضّمير والدّين.
وأنهى البابا خطابه داعيًا المشرّعين الإسبان إلى رفع مستوى النّقاش العامّ، وتغليب لغة الاحترام والحوار على الانقسام والعداء، والعمل من أجل خدمة الإنسان، مبديًا ثقته بقدرة إسبانيا على مواصلة دورها التّاريخيّ كأرض للثّقافة والتّلاقي والتّضامن.



