اليوم، بعد أسبوع من عيد العنصرة، يصادف صوم الرّسل، وفيه يصوم المسيحيّون عن اللّحم والجبن ومشتقّاتهما حتّى عيد الرّسولين بطرس وبولس، في 29 حزيران/ يونيو. فما هو صوم الرّسل؟ ما هي جذوره؟ ولماذا هذا التّوقيت؟ والإجابات مع خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض.
“بعد تكريم الرّسل في المجمع المسكونيّ الأوّل، سنة ٣٢٥م، على أنّهم معّلموا العبادة الحسنة ورعاة المسكونة كّلها، دعا الآباء المجتمعون الصّوم، “صوم الرّسل”، وحدّدوا أنّه بعد مرور عيد الخمسين “العنصرة” بأسبوع واحد يجب على المسيحيّين أن يصوموا عن اللّحم والجبن وكلّ مشتقاتهما إلى يوم عيد الرّسولين بطرس وبولس في ٢٩ حزيران.
مارسه الرّسل القّديسون الأطهار منذ البداية (وبينما هم يخدمون الرّبّ ويصومون (أعمال الرّسل ٢:١٣). والكنيسة بدورها حافظت عليه، فهو من ضمن تقليدها الشّريف وإيمانها.
اذا أُسِّس صوم الرّسل تكريمًا لهم، وهو حقٌّ، فبواسطتهم حُسِبنا أهلًا لخيراتٍ كثيرة، إذ تجلَّى لنا كممارسين ومعلّمين للصّوم والطّاعة، حتّى الموت نفسه، مُثابرين على ضبط النّفس. نحن، إذ نلتزم بالقوانين الرّسوليّة التي وضعها كليمنت، (الدّساتير الرّسوليّة 5 الفصل 20). فنفرح أسبوعًا بعد حلول الرّوح القدس، ثم نصوم أسبوعًا بعدها مباشرةً، حتّى لا نضعف من العيش المتساهل كما تعلّمنا. وفي الوقت نفسه، نُكرِّم بالصّوم الرّسل الذين أمروا بالصّوم. (القديس سمعان التسالونيكي).
في القرون الأولى، بعد عيد العنصرة كان هناك أسبوع واحد من الفرح، أيّ الأيّام المميّزة، يليه حوالي أسبوع من الصّيام. يذكر القانون التّاسع عشر لنيقفورس، بطريرك القسطنطينية (806-816)، صوم الرّسل: “خلال صوم الرّسل القدّيسين يجب على الرّهبان المقيمين في الدّير أن يأكلوا مرة واحدة يوميًّا، يومي الأربعاء والجمعة. أمّا الرّهبان المنهمكون في العمل أو الشّغل، فيجوز لهم أن يأكلوا مرّتين، بعد السّاعة السّادسة وفي المساء”.
وتتحدث قاعدة القدّيس ثيودور السّتوديت لدير ستوديوس في القسطنطينية عن صوم الرّسل القدّيسين. خلال صوم الرّسل القدّيسين، لا نأكل السّمك أو الجبن أو البيض إلّا في الأيّام التي لا نرنّم فيها الصّلوات. بل نأكل طبقين مطبوخين في السّاعة التّاسعة – طبق خضار بزيت الزّيتون وطبق بقوليّات بدون زيت – وحصّة من النّبيذ في السّاعة التّاسعة مساءً.
أمّا في أيّام الأعياد، التي يُسمح لنا فيها بتناول الجبن وغيره من الأطعمة، فنأكل في السّاعة السّادسة ونشرب النّبيذ وحصّة في المساء.
شهادة آباء الكنيسة عن الصّوم : صوم الرّسل القدّيسين قديمٌ جدًا، يعود تاريخه إلى القرون الأولى للمسيحيّة (كما ذكرنا).
شهادة القدّيس أثناسيوس الكبير، والقدّيس أمبروسيوس الميلاني، والقدّيس ليون الكبير، وثيودوريت القورشي عنه. أمّا أقدم شهادة عن صوم الرّسل، فهي شهادة القدّيس أثناسيوس الكبير (†373).
ففي رسالته إلى الإمبراطور قسطنطين، متحدثًا عن اضطهاد الآريوسيّين، كتب: “خلال الأسبوع الذي تلا عيد العنصرة، خرج المحتفلون بالصّوم إلى المقابر للصّلاة”.
يقول القدّيس أمبروز (†397): “لقد شرّع الرّبّ أن نفرح بقيامته في زمن العنصرة، كما شاركنا في آلامه خلال الأربعين يومًا. لا نصوم في زمن العنصرة، لأنّ ربّنا نفسه كان حاضرًا بيننا في تلك الأيام… كان حضور المسيح بمثابة طعام مغذٍّ للمسيحيّين. كذلك، في زمن العنصرة، نتغذى بالرّبّ الحاضر بيننا. أمّا في الأيّام التي تلي صعوده إلى السّماء، فنصوم مجددًا” (العظة 61).
يقول القدّيس لاون الكبير (†461): “بعد عيد العنصرة الطّويل، يكون الصّوم ضروريًّا بشكل خاصّ لتنقية أفكارنا وجعلنا مستحقّين لتلقي مواهب الرّوح القدس… ولذلك، نشأ التّقليد بالصّوم بعد الأيّام المبهجة التي احتفلنا فيها بقيامة ربّنا وصعوده، ومجيء الرّوح القدس”. وتسجلا لحاجة إيجيريا في مذكّراتها (القرن الرّابع) أنّه في اليوم التّالي لعيد العنصرة، تبدأ فترة صيام.
وتنصّ الدّساتير الرّسوليّة، وهي عمل لا يتجاوز القرن الرّابع ويصف التّقاليد الرّسوليّة، على ما يلي: “بعد عيد العنصرة، احتفل بأسبوع واحد، ثمّ أصوم، لأن العدل يقتضي الفرح بعد تلقّي مواهب الله، والاستمرار بعد انتعاش الجسد”. ومن شهادات القرن الرّابع، تؤكّد أنّ صوم الرّسل القدّيسين في الإسكندريّة والقدس وأنطاكية كان مرتبطًا بعيد العنصرة وليس بالعيد، عيد الرّسولين بطرس وبولس في 29 حزيران.
هذا الصّوم الرّسوليّ قد حفظه القدّيسون سابا المتقدّس، ويوحنا الدّمشقيّ، وثاودورس السّتوديتيّ، وغيرهم من الآباء الأقدمين، كما أنّ القدّيسَين باسيليوس الكبير ويوحنّا الذّهبيّ الفم يعلّمان بشكل كافٍ عن هذا الصّوم، ويتمسّكان به. ففي إحدى عظاته على الرّوح القدس، يذكّر القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم أهل أنطاكية بهذا الصّوم المنسوب إلى الرّسل القدّيسين، ويحثّهم على المحافظة عليه وتطبيقه.
قال ثيودور بلسمون، بطريرك أنطاكية (†1204)، عن صوم الرّسل: “جميع المؤمنين، أيّ العلمانيّين والرّهبان، مُلزمون بالصّوم سبعة أيّام فأكثر، ومن يرفض ذلك يُحرم من الجماعة المسيحيّة”.من كتاب “صيام ثلاثة وأربعين يومًا” ، المنسوب إلى راهب من جماعة القدّيس أنسطاسيوس السّينائي (القرن السّادس أو السّابع)، نتعلّم أنّ صوم الرّسل القدّيسين كان يستمرّ من الأحد الأوّل بعد العنصرة حتّى عيد رقاد والدة الإله الأقدس في 15 آب. ولكن لاحقًا، فُصل صوم الرّقاد عنه، واستُبعد شهر تمّوز من صوم الرّسل. ويتحدّث القدّيس سمعان التسالونيكي عن صوم الرّسل لمدّة أسبوع.
لذا صوم الرّسل كان أوّل صوم تمّ فيه وبواسطته أوّل عمل للكرازة والتّبشير؛ فهو الصّوم الذي وُلدت فيه الكنيسة وظهرت للوجود وتَحَدَّد شكلها في أورشليم وخارجها، أيّ أنّ صوم الرّسل كان، ولا زال وسيظلّ أبدًا، هو صوم الكرازة والخدمة والإرساليّة؛ فهو متعلق أساسًا بالشّهادة للمسيح.
لذلك جاء توقيته بعد حلول الرّوح القدس، باعتبار أنّ حلول الرّوح القدس إشارة لبدء حركة الخدمة: «وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذي سمعتموه مني… ستنالون قوّة متى حلَّ الروح القدس عليكم وتكونون لي شهودًا في أورشليم وفي كلّ اليهوديّة والسّامرة وإلى أقصى الأرض.» (أعمال الرّسل 4:1 ).”



