11 يونيو 2026
لبنان

المطران ابراهيم: نحن بحاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى روح خميس الجسد

داعيًا إلى أن تتحوّل المشاركة في الإفخارستيّا إلى التزام يوميّ بالمحبّة والعطاء وخدمة الآخر، احتفل رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للرّوم الملكيّين الكاثوليك المطران إبراهيم مخايل إبراهيم، صباح الخميس، بالقدّاس الإلهيّ لمناسبة عيد خميس الجسد، في كاتدرائيّة سيّدة النّجاة في زحلة.

شارك في القدّاس رئيس عامّ الرّهبانيّة الباسيليّة الشّويريّة الأرشمندريت جورج النّجّار، رئيس دير القدّيس أنطونيوس الكبير الأب جوزف شربل ولفيف من الكهنة وحشد من المؤمنين يتقدّمهم مدير عامّ وزارة الزّراعة المهندس لويس لحّود.

إبراهيم الّذي شدّد على أنّ زحلة مدعوّة أكثر من أيّ وقت مضى إلى المحافظة على هذا الإرث الرّوحيّ والإيمانيّ لخميس الجسد، قال في عظته بحسب إعلام المطرانيّة: “في هذا الصّباح المبارك نلتقي لنحتفل بعيد خميس الجسد، هذا العيد الّذي ارتبط بتاريخ زحلة وهويّتها الرّوحيّة ارتباطًا وثيقًا، ولنعلن معًا، بحماية وشفاعة ابن زحلة الطّوباويّ الجديد الأب بشارة أبو مراد المخلّصيّ، بداية المئويّة الثّالثة لهذه المسيرة المباركة الّتي لم تنقطع يومًا منذ انطلاقتها قبل مئتين وعام واحد.

اليوم، تقف الكنيسة بخشوعٍ عميق أمام سرّ يفوق العقل ولا يُدرَك إلّا بالمحبّة. إنّه سرّ الجسد المبذول والدّم المسفوك، سرّ الله الّذي لم يكتفِ بأن يكلّم الإنسان عبر الأنبياء، ولا بأن يرافقه عبر التّاريخ، بل أراد أن يبقى فيه ومعه وإلى جانبه، خبزًا حيًّا نازلًا من السّماء، وقلبًا نابضًا على مذابح العالم. ففي هذا العيد لا نحتفل بذكرى بعيدة، بل بحضور حيّ، دائم، متجدّد، حضور المسيح، ملكِ السّلام، الّذي قال: “سلامي أعطيكم”.

ما أعظم هذا السّرّ! الإنسان يتعب من الإنسان، والبشر يتركون بعضهم البعض عند أوّل خيبة أو ألم أو مصلحة، أمّا الله، فبعد أن رأى ضعف الإنسان وخيانته وتقلّباته، لم يبتعد عنه، بل اقترب أكثر، حتّى صار خبزًا يؤكل. أيُّ تواضعٍ هذا؟ أيُّ حبٍّ هذا الّذي يجعل خالق الكون يختبئ في كسرة خبز لكي لا يخافه أحد، ولكي يستطيع كلّ فقير ومتعب ومجروح أن يقترب منه دون رهبة؟

في خميس الجسد نفهم أنّ المسيحيّة ليست فلسفةً ولا فكرةً ولا مجرّد شريعة أخلاقيّة، بل هي لقاء حيّ مع شخصٍ يهب ذاته. فالله عندنا ليس إلهًا بعيدًا في السّماء، بل إلهًا يُكسَر حبًّا بالإنسان. على المذبح لا يعطينا المسيح شيئًا من عنده، بل يعطينا نفسه. يعطي جسده لكي يشفي أجسادنا المتعبة، ويعطي دمه لكي يطهّر قلوبنا العطشى إلى السّلام والغفران والرّجاء.

كم نحن بحاجة اليوم إلى هذا السّرّ في عالمٍ جائعٍ إلى المعنى! الإنسان المعاصر يملك وسائل التّواصل لكنّه يعيش عزلةً قاتلة، يملك التّكنولوجيا لكنّه يخاف المستقبل، يملك الطّعام لكنّه يفتقد الطّمأنينة. لذلك يبقى المسيح الإفخارستيّ الجواب الوحيد على جوع الإنسان العميق، لأنّ القلب البشري لا يشبعه إلّا الله.

إنّ خميس الجسد يذكّرنا أيضًا أنّ المسيح لم يؤسّس سرّ الإفخارستيّا في لحظة مجد أرضيّ، بل في ليلة الآلام، ليلة الخيانة، ليلة الضّعف البشريّ. وكأنّه يقول لنا: حتّى عندما يخون الإنسان، يبقى الله أمينًا؛ وحتّى عندما يهرب الجميع، يبقى المسيح حاضرًا. لذلك فإنّ الإفخارستيّا ليست مكافأة للكاملين، بل دواء للضّعفاء، ليست امتيازًا للأبرار فقط، بل قوّة للخطأة التّائبين، وطريقًا لكلّ من يريد أن يبدأ من جديد.

كم من أشخاص دخلوا الكنيسة محطّمين وخرجوا منها معزّين فقط لأنّهم جلسوا أمام القربان المقدّس! كم من دموعٍ مسحها المسيح بصمته! فالإفخارستيّا ليست صمتًا فارغًا، بل صمت الله الممتلئ حضورًا. أحيانًا لا نحتاج إلى كلمات كثيرة، يكفي أن نجلس أمام الرّبّ ونقول له: “يا ربّ، أنت تعلم كلّ شيء، أنت تعلم أنّني أحبّك رغم ضعفي”. وهناك، في عمق الصّلاة الصّامتة، يبدأ الله بترميم ما تهدّم في داخل الإنسان.”

في هذا العيد أيضًا نتعلّم أنّ من يتناول جسد المسيح لا يستطيع أن يبقى إنسانًا قاسي القلب. من يحمل المسيح في داخله يجب أن يصبح خبزًا مكسورًا للآخرين، رحمةً للفقراء، تعزيةً للحزانى، وغفرانًا للمسيئين. الإفخارستيّا الحقيقيّة لا تنتهي عند باب الكنيسة، بل تبدأ منه.

وفي هذا الشّرق المتألّم، وفي لبنان الجريح، نحن بحاجة أكثر من أيّ وقت مضى إلى روح خميس الجسد. بحاجة إلى قلوب تعرف كيف تنكسر من أجل الآخرين بدل أن تكسر الآخرين، بحاجة إلى محبّة تُرمّم ما دمّرته الحرب والأنانيّات والأحقاد والانقسامات. فالمسيح الإفخارستيّ هو سرّ الوحدة، لأنّنا حين نتناول من الخبز الواحد نصبح جسدًا واحدًا، مهما اختلفت ظروفنا وأوجاعنا وخلفيّاتنا.

فلنقترب اليوم من الرّبّ بقلبٍ متواضع، لا بثقةٍ بأنفسنا بل بثقةٍ برحمته. لنضع على المذبح تعبنا وخوفنا ومرضنا وأحزاننا وأحلامنا، ولنسمح للمسيح أن يدخل من جديد إلى أعماق حياتنا. لأنّ الّذي حوّل الخبز إلى جسده، قادر أيضًا أن يحوّل قلوبنا الحجريّة إلى قلوب حيّة، وقادر أن يحوّل ظلماتنا إلى نور، ويأسنا إلى رجاء.”

وفي ختام القدّاس، أقيمت رتبة السّجود للقربان المقدّس وتبارك منه المؤمنون ورفعت الصّلوات على نيّة المدينة وأهلها وعلى نيّة لبنان.

بعدها انطلق تطواف خميس الجسد من كاتدرائيّة سيّدة النّجاة مباركًا الشّوارع والمنازل والزّحليّين.