في السّبت السّابق لعيد العنصرة، ترفع الكنيسة الصّلاة من أجل نعمة الرّوح القدس للرّاحلين المنتقلين، فتحتفل بسبت الرّاقدين المؤمنين. على هذه المناسبة بالتّحديد، نتعرّف في مقال جديد لخادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض، وفيه يكتب:
“اليوم السّبت الذي يسبق عيد العنصرة، تحيي كنسيتي المقدّسة ذكرى جميع المسيحيّين المؤمنين المنتقلين، إيمانًا منّا بأنّ حلول الرّوح القدس لا يقتصر على تدبير خلاص الإنسان فحسب، بل يشمل أيضًا مشاركة الرّاحلين في هذا الخلاص. ولذلك، فإنّ الكنيسة المقدّسة، إذ ترفع صلواتها في عيد العنصرة من أجل إحياء جميع الأحياء بالرّوح القدس، وتتضرّع أيضًا من أجل نعمة الرّوح القدس للرّاحلين، التي مُنحت لهم في حياتهم، وكانت مصدر سعادتهم الأبديّة، لأنّ “جميع النّفوس تُحيا بالرّوح القدس”.
الموتى، في نظر الكنيسة الأرثوذكسيّة، يشكّلون جزءًا أصيلًا من الكنيسة، أيّ جزءًا من جسد المسيح، لأنّ الموت ليس بابًا يؤدي إلى العدم، بل هو باب يؤدي إلى حضن المسيح. يخبرنا الرّسول بولس بهذا بشكل مباشر، مستندًا بالطّبع إلى قيامة الرّبّ يسوع المسيح نفسه: “سواء كنّا في هذه الحياة أو انتقلنا منها، فنحن للرّبّ”.
الرّبّ القدير، يمنحنا فرصة العيش هنا في هذا العالم بأجسادنا، وكذلك بعد موتنا كأرواح، لاسيّما بعد مجيئه الثّاني الذي سيُحيي أجسادنا لتّتحد من جديد مع أرواحنا، فنحيا حياةً كاملةً في حضرته، إمّا حياةً سعيدة (الفردوس) أو حياةً حزينة (الجحيم). إذا كانت الحياة موجودةً ودائمة، كما هي في الواقع، فذلك بفضل مصدرها، وهو الله نفسه. “لأن عندك ينبوع الحياة”. “أنا الطّريق والحقّ والحياة”. الرّبّ إله الأحياء والأموات.
لذلك، نتذكّر هؤلاء الرّاحلين، ولاسيّما من رحلوا على الإيمان، وبخاصّة سبت الرّاقدين، كما هو الحال اليوم، بهدف الدّعاء لهم بالرّاحة في الرّبّ – فهم بشرٌ ربّما لم يكملوا توبتهم – وحثّنا، نحن الأحياء، على تعميق توبتنا، وأن نستشعر، ونحن على أعتاب الموت، أنّ الحياة الحقيقيّة هي الحياة الأبديّة، وليست تلك التي تُشبع أهواءنا، وبخاصّة الأنانيّة وما يترتّب عليها، وأن نوجّه قلوبنا وأفكارنا إلى وصيّة الرّبّ: “اطلبوا أوّلًا ملكوت الله وبرّه، وهذه كلّها تُزاد لكم”.
ويجب أن نؤكّد أنّ هذين الأمرين: الدّعاء للرّاقدين والدّعوة إلى التّوبة الصّادقة، ليسا مجرّد إضافة، بل هما فرصة للآخر، لأنّ أحدهما شرطٌ أساسيّ للآخر. التّوبة تعني تغيير فكريّ، وتغيير نظرتي للأمور، وتغيير حياتي – أيّ العودة إلى الله بالبقاء على إرادته المقدّسة، المحبّة.
وهذا يعني أنّني سأبدأ، بقدر توبتي، في محبّة الله ومحبّة أخي الإنسان، أيًّا كان مكانه على وجه الأرض وفي أيّ زمان. لأنّ الإنسان المسيحيّ، وفقًا لعقيدته، هو “مقتدى بالمسيح” مخلوقًا على صورته، ولذلك فإنّ فكر المسيح الذي شمل البشريّة جمعاء فيه، يمثّل حدًّا لكلّ مسيحيّ، فالمسيحيّ التّائب يشمل أيّ إنسان، في أيّ مكان وزمان، في وجوده، معتبرًا إيّاه جزءًا لا يتجزّأ منه.
وهكذا، فإنّ صلاته من أجل الموتى ليست مجرّد حالة مرغوبة، بل هي حقيقة بديهيّة في وعيه، وواجبٌ بدونه يكاد ينحرف عن إيمانه. “أحبّ قريبك كنفسك”. وهكذا، تدعونا كنيستنا، بمناسبة اقتراب الموت، كما ذكرنا، إلى التّوبة، إلى هذا العمق من التّجربة في الرّبّ، إلى الحياة الحقيقيّة القائمة على وصايا الله.
هكذا، تدعونا كنيستنا، بمناسبة اقتراب الموت، إلى التّوبة، إلى الحياة الحقيقيّة القائمة على وصايا الله. والتّعلّق بالرّبّ من خلال محبّتنا له. فكثيرًا ما نكون منغمسين في هموم الحياة، أسرى أهوائنا، فننسى ما هو جوهريّ لخلاصنا: الحياة الأبديّة كعلاقة حيّة مع الله. ويأتي هذا اليوم، تذكار سبت الرّاقدين، ليذكّرنا بأنّ كلّ ما نفعله ونسعى إليه في هذه الحياة، إن لم يكن متأثّرًا بالمسيح، فهو باطل.
كم يجب أن نتذكّر كلمات الكتاب المقدّس منذ العهد القديم: “باطل الأباطيل، الكلّ باطل”. و”اذكر نهايتك فلا تخطئ أبدًا”. إن لم تُحرّكنا محبّة الله، فليُحرّكنا على الأقلّ الخوف من الموت. قد لا يكون هذا هو الأفضل، لكنّه على الأقلّ قد يكون خلاصًا.
نسأل الله أن يرحمهم ويرحمنا.”



