يونان في وداع المطران فلابيانوس يوسف ملكي: تخسر كنيستنا شاهدًا أمينًا للرّجاء وسط الألم
وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى البطريرك يونان عظة تأبينيّة بليغة، بعنوان: "أطلِق الآن يا ربّ عبدك بسلام لأنّ عينيّ قد رأتا خلاصك" (لو2: 29)، تحدّث فيها عن سيرة حياة المثلَّث الرّحمات "الّذي اتّخذ شعارًا له قول مار بولس في رسالته الثّانية إلى تلميذه تيموثاوس: "احتمِل المشقّات واعمل عمل المبشّر وتمِّم خدمتك" (2تيم4: 5)"، وقال بحسب إعلام البطريركيّة: "نجتمع اليوم لنودّع المثلَّث الرّحمات مار فلابيانوس يوسف ملكي، بالأسى، ولكن أيضًا بصلاة الرّجاء، وقد خدم الكنيسة بالأمانة، عاملًا بالشّعار الّذي اتّخذه على مدى سنوات خدمته حتّى الرّمق الأخير. فقد شاءت العناية الإلهيّة أن يصادف انتقاله من هذا العالم الفاني ووداعه الأخير في هذا اليوم المبارك، يوم عيد دخول الرّبّ يسوع وتقدمته إلى الهيكل، وكأنّ به يهتف مع شمعون الشّيخ ملتمسًا من الرّبّ أن يطلقه بسلام لأنّ عينيه قد أبصرتا الخلاص، على ما يخبرنا القدّيس لوقا في نصّ الإنجيل المقدّس الّذي سمعناه للتّوّ. نعم، لقد أبصرت عينا المثلَّث الرّحمات الخلاص، وعاش مسيرة حياته وخدمته على رجاء الخلاص بالرّبّ يسوع، معلنًا نوره للعالم، وباثًّا فيهم بشرى الفرح والمحبّة والسّلام في خضمّ التّحدّيات والمصاعب".
وتوقّف يونان عند مراحل حياة المثلَّث الرّحمات المختلفة، من ولادته وطفولته في الحسكة، وانتقاله إلى لبنان، ومتابعته الدّراسة فيه، ثمّ عودته إلى الحسكة، فلبنان مرّة جديدة حيث بدأت ملامح الدّعوة الكهنوتيّة تتبلور في حياته، فانتسابه إلى الإكليريكية في القدس بإدارة الآباء البنديكتيّين، حيث أمضى خمس سنوات من الدّراسة الثّانوية والتّنشئة الرّوحيّة، لينتقل بعدها مع زملائه الإكليريكيّين إلى لبنان ويستقرّوا في دير الشّرفة حيث أنجز تحصيل علومه في الفلسفة واللّاهوت، مسهبًا في الحديث عن خدمته الكهنوتيّة، إذ "سيم كاهنًا في 17 تشرين الأوّل عام 1954 بوضع يد المثلَّث الرّحمات البطريرك الكاردينال مار اغناطيوس جبرائيل الأوّل تبّوني، في كاتدرائيّة مار جرجس في الباشورة- الخندق الغميق- بيروت، والّتي بقيت أكثر من أربعين عامًا مُهمَلة ومهدَّمة، إلى أن أعاننا الرّبّ على ترميمها محافظين على أصالتها. وتمّت سيامته الكهنوتيّة هذه مع تسعة من رفاقه الشّمامسة، تصوّروا في تلك السّنة كان لنا عشرة كهنة جدد! إثنان منهم أصبحا بطريركين (البطريرك داود والبطريرك عبد الأحد)، واثنان مطرانين، وخمسة كهنة، ونذكر منهم صاحب السّيادة مار ربولا أنطوان بيلوني والخوراسقف توما عزيزو، في حين سبقهم السّبعة الآخرون إلى ديار الملكوت.
إنّ الأب يوسف ملكي خدم مساعدًا لأمين سرّ البطريركيّة لمدّة ثلاث سنوات، ثمّ مدرِّسًا في إكليريكيّة دير الشّرفة، ثمّ مديرًا لقسم الشّمامسة، جامعًا بين الإدارة والتّعليم. ولمّا توفّي الأب برنارد مرمرجي، تولّى مع مهامه خدمة رعيّة جونيه".
وأضاف: "المثلَّث الرّحمات كان لي معلّمًا في الإكليريكيّتين الصّغرى والكبرى. كما خدمتُ معه في إدارة الإكليريكيّة عندما كان رئيسًا للإكليريكيّة والدّير. سافر إلى الولايات المتّحدة الأميركيّة لتحسين لغته الإنكليزيّة، ثمّ تعيّن لخدمة رعيّة حمص، ليعود بعدها إلى لبنان حيث تقلّد رئاسة دير الشّرفة، فيسافر بعدئذٍ إلى بلجيكا للتّخصُّص في اللّاهوت والتّاريخ والألسنيّة الشّرقيّة في جامعة لوفان، حيث حصل على شهادة الماجستير. ثمّ عاد إلى بيروت حيث تولّى مهمّة كاهن رعيّة في كاتدرائيّة سيّدة البشارة عوضًا عن عمّه الأب ميخائيل ملكي، ليغادر بيروت من جديد إلى بلجيكا لمتابعة تخصُّصه في ميامر مار أفرام السّريانيّ. ثمّ عاد إلى بيروت، وخدم مجدَّدًا في أمانة سرّ البطريركيّة. ثمّ سلّمه البطريرك حايك رئاسة دير الشّرفة للمرّة الثّانية، فعزّز أوقاف الدّير، واقتنى قطعة أرض كبيرة بجواره، وأشرف على ترميمه، حيث أُنشِئت أجنحة وغرف جديدة. وسيم خوراسقفًا "فثابر بغيرة وإخلاص على أعماله في رئاسة الدّير وإدارة أوقافه والإكليريكيّتين الكبرى والصّغرى والمدرسة وعلى تعليم أصول الألحان الطّقسيّة".
وواصل: "في 23 حزيران 1995 انتخبه السّينودس السّريانيّ المقدّس مطرانًا على دارا شرفًا ومعاونًا بطريركيًّا، ووافق قداسة البابا يوحنّا بولس الثّاني على هذا الانتخاب. وجرت سيامته الأسقفيّة في 31 كانون الأوّل من السّنة عينها بوضع يد البطريرك حايك في كاتدرائيّة سيّدة البشارة في بيروت، حيث اتّخذ الإسم الأبويّ "مار فلابيانوس"، وانتقل بعدئذٍ إلى الخدمة في مقرّ الكرسيّ البطريركيّ في بيروت كمعاون بطريركيّ، إلى أن انتقل في السّنوات الأخيرة إلى دار المسيح الملك لراهبات الصّليب في برمّانا، حيث قضى سنواته الأخيرة بشيخوخة صالحة، بإشراف واهتمام ورعاية مباشرة منّا، وبعناية من الأخوات الرّاهبات، حتّى رقد بالرّبّ مساء يوم الجمعة الماضي في 30 كانون الثّاني المنصرم.
إنّ المثلَّث الرّحمات امتاز بمعرفته وعشقه وتذوُّقه للّغة السّريانيّة والتّراث السّريانيّ واللّيتورجيّة السّريانيّة، فضلًا عن معرفته المتميِّزة بالطّقوس والألحان الكنسيّة الّتي أدّاها بصوته الرّخيم. كما أتقن اللّغتين العربيّة والفرنسيّة، وألمّ بالإنكليزيّة والألمانيّة والإيطاليّة واللّاتينيّة، وله مقالات عدّة في اللّيتورجيا والتّاريخ الكنسيّ نشرَتْها مجلّدات محلّيّة في لبنان. كما أنّ المثلَّث الرّحمات كان في عمر التّسعين موجودًا في دير الشّرفة، ولمحبّته للطّقس السّريانيّ وأناشيده، وهو في ذاك العمر، كان يعلّم ويمرّن الشمّامسة على الألحان الطّقسيّة.
عمل جاهدًا على متابعة ملفّ تطويب المطران الشّهيد مار فلابيانوس ميخائيل ملكي، مطران جزيرة إبن عمر في تركيا، والّذي نال إكليل الشّهادة في 29 آب عام 1915. فحرص على كتابة سيرة حياته، وتابع دعوى التّطويب منذ عهد البطريرك حايك، مرورًا بعهد المثلَّثَي الرّحمات البطريرك الكاردينال مار اغناطيوس موسى الأوّل داود، والبطريرك مار اغناطيوس بطرس الثّامن عبد الأحد، حتّى تسلّمنا نحن بنعمة الله الخدمة البطريركيّة، فتابعنا الجهود إلى أن وصلنا بمعونة الرّبّ إلى إعلان تطويبه ورفعه على مذابح الكنيسة في 29 آب 2015. وهنا لا بدّ أن أذكر أنّني توسّلتُ المثلَّثَ الرّحمات البابا فرنسيس كي ينهي أعمال مجمع دعاوى القدّيسين، لنعلن المطران الشّهيد مار فلابيانوس ميخائيل ملكي طوباويًّا في ذكرى مرور مئة سنة على استشهاده. وأقمنا لهذه الغاية احتفالًا روحيًّا مهيبًا في هذا الدّير المبارك، شارك فيه البطاركة الشّرقيّون والكاردينال رئيس مجمع دعاوى القدّيسين. ونحن نسعى أن نكرّس في الوقت القريب الكابيلا المخصَّصة على اسم هذا الطّوباويّ الشّهيد قرب هذه الكنيسة بدير الشّرفة، بمتابعة وهمّة سيادة أخينا المطران مار غريغوريوس بطرس ملكي، والعائلة.
برحيل هذا الحبر الجليل، تخسر كنيستنا السّريانيّة الكاثوليكيّة حبرًا جليلًا، وراعيًا حكيمًا، ومعلّمًا غيورًا، وشاهدًا أمينًا للرّجاء وسط الألم، وقد تحوّل ضعفه الجسديّ إلى قوّة روحيّة، ومسيرته الكنسيّة إلى شهادة حيّة للدّعوة إلى اتّباع الرّب".
وقدّم يونان "التّعازي القلبيّة إلى المطارنة الحاضرين وعائلة الرّاحل في لبنان والمهجر.
وتضرّع في الختام إلى "الرّبّ يسوع كي يرحم المثلَّث الرّحمات ويمتِّعه بميراث الملكوت السّماويّ مع الرّعاة الصّالحين والوكلاء الأمناء، ويعوّض على الكنيسة برعاة صالحين بحسب قلبه القدّوس. وليكن ذكره مؤبَّدًا".
بدوره شكر الخوراسقف حبيب مراد المشاركين في هذه الرّتبة، كما كلّ المعزّين، سائلًا الله أن يتغمّد المثلَّث الرّحمات في ملكوته السّماويّ مع الرّعاة الصّالحين.
كما كانت كلمة ألقاها شقيقه د. ريمون ملكي، شكر فيها البطريرك يونان ولفيف الإكليروس والحضور، متوقّفًا عند بعض محطّات من سيرة المثلَّث الرّحمات، وسائلًا الجميع أن يصلّوا من أجل راحة نفسه.
وفي نهاية الرّتبة، نُقل جثمانه إلى مثواه الأخير في مدافن الأحبار والكهنة الرّاقدين، في فناء الكنيسة الكبرى في الدّير، ليتقبّل بعدها يونان مع العائلة التّعازي في صالون الدّير طوال اليوم.
