أوروبا
12 أيار 2026, 05:55

يونان ترأّس القدّاس في باريس بختام زيارته الرّسوليّة

تيلي لوميار/ نورسات
ترأّس بطريرك السّريان الكاثوليك مار إغناطيوس يوسف الثّالث يونان قدّاس الأحد الخامس بعد عيد القيامة، في كنيسة مار أفرام السّريانيّ في باريس، وقد عاونه المطران أفرام يوسف عبّا، والخوراسقف أورهان شانلي، والمونسنيور بيار النّادر، بمشاركة الخوراسقف حبيب مراد، والأب مجيد عطالله.

بعد الإنجيل المقدّس، ألقى يونان عظة على مسامع الجمع الغفير من المؤمنين، وقال بحسب إعلام البطريركيّة: "الشّكر للمونسنيور بيار النّادر على كلماته التّرحيبيّة اللّطيفة الّتي عوَّدنا عليها، والموجَّهة إلينا وإلى سيادة أخينا مار أفرام يوسف عبّا رئيس أساقفة بغداد، والخوراسقف أورهان شانلي النّائب البطريركيّ في تركيا، والخوراسقف حبيب مراد أمين سرّ البطريركيّة، والمونسنيور الجديد مجيد عطالله كاهن رعيّتنا في ليون، والشّمّاس بيار عبد الجليل الّذي اصطحبَنا لنتمِّم سفرة ماراتونيّة، أكثر من 3500 كلومترًا، بدأنا من باريس وتور وبواتييه وليون وستراسبورغ وأوكسبورغ في ألمانيا وأرنهم في هولندا، ثمّ العودة إلى باريس، والبارحة مساءً في ليلّ.

إنّ "الأب يبحث عن أبنائه وبناته كالرّاعي الصّالح، ليس فضلًا للبطريرك، لكنّه واجب ومسؤوليّة، مسؤوليّة الرّعاة الصّالحين والكهنة الأفاضل. في هذه الزّيارات أنعمْنا بحمل الصّليب ولبس الخاتم على أربعة من كهنتنا الأعزّاء، وهي ليست قضيّة تكريميّة، إنّما تشجيع لمتابعة الخدمة باندفاع. فمنحنا هذه النّعمة، نعمة الصّليب، للكهنة الرّعاة الصّالحين في رعاياهم. وتعرفون كم هي صعبة الخدمة الكهنوتيّة في كنائس الانتشار، وتحدّياتها كبيرة. وقد اختبرنا الخدمة في كنيسة الانتشار لمدّة 23 سنة في الولايات المتّحدة الأميركيّة وكندا، وسيّدنا المطران يوسف عبّا أيضًا اختبر خدمة كنيسة الانتشار في تورونتو– أونتاريو. ونعلم كم هي صعبة خدمة كنيسة الانتشار، وبخاصّة لدى التّأسيس منذ البدايات، ولذلك ينقصنا رعاة حقيقيّون، لدينا أمكنة حيث يطلب منّا المؤمنون كاهنًا لخدمتهم، لكن لا يمكننا إيجاده بسهولة، بسبب الأوضاع الخاصّة في كلّ مكان، سواء أوروبا أو أميركا أو أستراليا. يجب إذًا على الكهنة أن يكونوا رسلًا، وأن يتكرّسوا لخدمة البشارة، وهذا ليس سهلًا".

وتابع: "في نصّ الإنجيل الّذي سمعناه للتوّ، نجد أنّ يسوع قدّم ذاته بوضوح إلى الذين أرادوا اتّباعه، أحدهم أراد الانتظار ليدفن أباه ثمّ يصبح حرًّا فيتبع يسوع، وآخر أراد الذّهاب ليودِّع أهل بيته. كانوا يعتقدون أنّ يسوع رجل قويّ، رجل سياسيّ، يريد من أتباعه تجميع المال، إلّا أنّ يسوع أكّد لهم أنّهم يضلّون، وأنّ ابن الإنسان ليس له أين يسند رأسه.

إنّنا نحتاج المحبّة الحقيقيّة الّتي ذكرها مار بولس في رسالته إلى تلميذه تيموثاوس، فإنّ غاية الوصيّة هي المحبّة، والمحبّة منتشرة في كلّ مكان وعلى كلّ فم ولسان. نتكلّم كثيرًا عن المحبّة، ونغنّي المحبّة، لكنّ المحبّة الحقيقيّة تتطلّب التّضحية واللّطف والصّبر والطّواعيّة واللّيونة لتفهُّم الآخرين، وإعطاء المثل الصّالح، سواء في العائلة أو المجتمع أو الكنيسة أو الوطن.

إنّ كنيستنا السّريانيّة الكاثوليكيّة، وهي كنيسة صغيرة بين سائر الكنائس، تحتاج إلى رعاة حقيقيّين لا يعملون على فرض ذواتهم ومصلحتهم، بل هم حقيقةً رعاة صالحون يعملون لخير الكنيسة الرّوحيّ. وقد قمنا بهذه الزّيارة أيضًا للمشاركة في احتفالات ذكرى مرور 170 سنة على تأسيس منظَّمة Oeuvre d’Orient، وجميع الّذين يرافقوننا فرحون أن يروا المؤمنين الّذين زرناهم مسرورين، لأنّ أباهم الرّوحيّ يزورهم في محنتهم وألمهم، فجميع الّذين زرناهم هم من الجيل الأوّل الّذي طُرِدَ من أرضه في الشّرق، ولجأ إلى هذا البلد فرنسا الّذي استقبلهم ليعيشوا بالحرّيّة الدّينيّة الحقيقيّة والكرامة الإنسانيّة."

وإختتم عظته قائلًا: "علينا أن نتذكّر على الدّوام ما قاله بولس لتلميذه تيموثاوس: غاية الوصيّة هي المحبّة. نسأل الرّبّ، بشفاعة أمّنا مريم العذراء في هذا الشّهر المبارك، شهر أيّار، ونصلّي إليه كي يجعلنا حقيقةً أبناء وبنات الله، والّذين يعيشون المحبّة الحقيقيّة، ويعطون مثالًا للآخرين، بالمحبّة الحقيقيّة والشّهادة للرّبّ يسوع".

وكان المونسنيور بيار النّادر قد ألقى كلمة رحّب فيها بالبطريرك يونان وقال: "بروح فرح بنويّ وامتنان عميق، نستقبلكم اليوم في رعيّة مار أفرام هذه في باريس. وجودكم بيننا هو شرف استثنائيّ ونعمة خاصّة لرعيّتنا بأسرها، فهو يُظهِر التّضامن الرّعويّ لخليفة الرّسل مع أبنائه المشتَّتين في العالم، ويذكِّرنا بقوّة بتجذُّرنا في الكنيسة الأنطاكيّة العريقة، الّتي تحفظ الإيمان الحيّ، بتقليد يعود إلى آلاف السّنين، وإرث روحيّ بغنى ملحوظ. واليوم، تحمل زيارتكم طابعًا خاصًّا، إذ أنّها تأتي في ختام جولتكم التّفقّديّة لجميع الرّعايا والإرساليّات السّريانيّة الكاثوليكيّة في فرنسا، هولندا وألمانيا. فبعد أن زرتم المؤمنين، وشاركتموهم أفراحهم، واستمعتم إلى آمالهم، وثبّتّم إيمانهم، تنهون هنا، في كنيسة مار أفرام، هذه الجولة الرّائعة كعلامة وحدة وشراكة وتعزية لكلّ كنيستنا في بلاد الإنتشار.

كم هو جميلٌ أن تكتمل هذه المرحلة الأخيرة في هذا المكان الّذي يحمل اسم مار أفرام السّريانيّ. فبه، نلمس واحدة من أعظم صور تقليدنا، قدّيس تُظهِر حياته وصلاته وتعليمه القوّة الرّوحيّة لشعبنا. فمار أفرام لم يترك الأثر في التّاريخ بقوّة الأسلحة، بل بقوّة الإيمان، والحكمة، والوداعة، والأمانة للمسيح. من خلاله، نتأمّل عظمة السّريان: شعب ممتحَن، لكنّه غير مهزوم أبدًا، شعب مجروح أحيانًا، لكنّه ثابت دائمًا، شعب ثروته الأعمق هي الإيمان المنقول بمحبّة، واللّيتورجية المرنَّمة ببهاء، والرّجاء المحفوظ بالمثابرة. ويعلّمنا مار أفرام أنّ القوّة الحقيقيّة لا تكمن بالسّيطرة، إنّما بالأمانة. وهي لا تحلّ في ضجيج العالم، بل بنور الإنجيل. لا تسكن في الصّخب، إنّما هي ثابتة في القلب المتّجه نحو الله. هي بالتّحديد تلك القوّة الرّوحيّة الّتي يذكِّرنا بها حضوركم اليوم: قوّة شعب يصلّي، يثابر، يرجو وينقل الإيمان رغم التّجارب المتأتّية من التّاريخ.

نشكركم شكرًا جزيلًا، صاحب الغبطة، لأنّكم اخترتم أن تحتفلوا بالذّبيحة الإلهيّة معنا في هذه الكنيسة. ونودّ أن نكل إلى الرّبّ كنيستنا، وعائلاتنا، وصغارنا، وأطفالنا، وشيوخنا، وكذلك جميع الّذين يحملون في داخلهم الرّغبة أن يظلّوا أوفياء لأصلهم المسيحيّ والسّريانيّ. فليبارككم الرّبّ بفيضٍ منه، وليمنحكم الصّحّة والحكمة والحقيقة، وليجعل خدمتكم مثمرة لأجل خير الكنيسة كلّها. فليوقظ فينا، من خلال مثالكم، الإيمان والرّجاء والمحبّة. إقبلوا، يا سيّدنا، التّعبير عن احترامي البنويّ، واحترامي العميق، وصلاتي الحارّة. أهلًا وسهلًا بكم بيننا، هنا، في كنيسة مار أفرام، في بيتكم".

بعد القدّاس، التقى يونان المؤمنين ونالوا بركته الأبويّة واستمعوا إلى توجيهاته، في جوّ عائليّ مميّز.