ماذا يقول ساكو للمتزوّجين والمكرّسين؟
"سابقًا كانت الزّيجات مُرتَّبة بين الأهل والعشيرة والقرية، وكان الزّوجان بسيطين قَنوعين، صَبورين يتحمَّلان الصّعوبات، خصوصًا الزّوجة القابعة في البيت في مجتمعنا الشّرقيّ. أمّا اليوم فإنّ كلّ شيء تغيَّر. هذا النّوع من الارتباط باتَ نادرًا وغير مقبول. كما أنّ الدّخول إلى الدّير أو الكهنوت كان نوعًا من امتياز اجتماعيّ. وكان منذ الصّغر، في معاهد للصّغار. كلّ هذا تغيَّر مع تراجع القيَم في الحالتين، وعمل الزّوجين خارج البيت بسبب المعيشة، و تغيير الثّقافة، وتأثير وسائل التّواصل الاجتماعيّ.
الحبّ ينبع من اللّقاء الشّخصيّ لاكتشاف الآخر في عمقِه، والتّعرُّف عليه في حقيقته، والانجذاب إليه بانبهار، والتّحرُّك نحوه بقناعة (بإيمان)، ذلك أنّ اللّقاء هو أساسُ كلِّ شيء.
اُدرك أنّ الموضوع الّذي أطرحه ليس سهلًا وإنّما يحتاج إلى التّفكير بهدوء ومشاركة.
في هذه الخاطرة، اُعبّر عن ذاتي كمكرَّس للمسيح بفرح وحماسة في خدمة النّاس وجذبهم إليه كما جذبني. أكتبها أيضًا كأب وراعٍ للمتزوّجين والمكرَّسين لاسيّما ونحن نعاني، في عالم اليوم من ارتفاع في بطلان الزّواجات، وتحديد الإنجاب بولد أو إثنين في معظم الحالات، وظاهرة عزوف الشّباب المسيحيّ عن الزّواج، وتراجع الدّعوات الكهنوتيّة والرّهبانيّة. وهذا أمر مقلق.
الحبّ أعمق وأصدق مشاعرنا
الحبّ ليس عاطفة عابرة أو نزوة مضلّلة أو قوالب جاهزة، بل هو أعمق مشاعرنا. إنّه يلمس بديناميّة قلبنا وفكرنا، وكياننا. إنّه يسكننا.
القلب في الكتاب المقدّس هو مركز التّفكير، وليس مركز العواطف فحسب. وقد أجاد اﻷديب الفرنسيّ بول كلوديل، في وصف المفارقة بين القلب والفكربقوله: "للقلب أفكار مسبّبة ﻻ يعرفها الفكر نفسه".
الحبّ يُساعدنا على الإصغاء والحوار للاستماع إلى اﻵخر والتّعبير عن النّفس ببساطة وتلقائيّة ومن دون تعقيد، بالأفعال وليس بالاقوال. وهذا يتطلّب من المتزوّج والمكرَّس أن يكونَ حُرًّا، لَطيفًا، مستقيمًا، وذا عمق إنسانيّ وروحيّ يُعزّز الارتباط.
فرحُ الحُبّ
ما يمنحنا الفرح هو الحبّ الّذي يجمع الزّوجين ببعضهما والمكرّس/ة بالمسيح.
الحبّ يجعلنا نشعر بالاستقرار والبهجة. إنّه يطرح علينا السّؤال الآتي: هل أنظر إلى الّذي أحبّه وأهتمّ به بشغف، أمّ انتظر فقط أن آخذ منه "الأنانيّة؟" يقول يسوع: "ما من حُبٌّ أَعظمُ مِن أَن يَبذِلَ الإنسان نَفَسَه في سَبيلِ أَحِبَّائِه (يوحنا 15/ 13).الحبّ ليس كلّه عسلًا، بل يتطلّب التّضحيات ويمرّ بضيقات أحيانًا، لكن لا ينبغي أن ننغلق على ذاتنا إذ قد يتعمّق الجرح! عندها، لنسال أنفسنا لمَن أحيا؟
الحبّ يجعلنا نفهم دورنا في الحياة، وبه تبدأ مسيرتنا إلى الأبديّة: "المحبّة/ الحبّ، وحدها تبقى"(1 قورنثية 13/ 13). إنّه مشروع حياة يشكّل تاريخنا.
لذا علينا أن ندرك معنى الحبّ، ونفهم النّداءات الّتي يوجّهها الله إلينا (الدّعوة)، سواءٌ في الزّواج أو في الحياة المكرّسة. أجل إنّ كلّ شيء يتغيّر عندما يكون الله حاضرًا. ومن ثمّ نحتاج إلى الإيمان والشّجاعة والرّجاء.
في اختبار حضور الله فينا نتعلّم قبول محدوديّتنا وضعفنا، ونعيش علاقة صافية مع بعضنا باحترام وحرّيّة وروح الاتّحاد للمتزوّجين والأخوّة عند المكرّسين، بعيدًا عمّا يمليه المجتمع الشّرقيّ خاصّة من نزعة التّسلّط على الآخر وتطويعه لرغاباتنا ومسح شخصيّته. هذه النّزعة موجودة عند الرّجل والمرأة وأحيانًا عندها هي أقوى!
حتميّة حرّيّة القرار
الإنسان رجل وامرأة مخلوقان من أجل بعضهما البعض. والارتباط الزّوجيّ هو من أجل الإنجاب ونموّ البشريّة واستمرارها. في المسيحيّة يُعدُّ الزّواج، ثمرة الحبّ الصّادق، سرًّا من أسرار الكنيسة.
التّكريس في الرّهبنة، الرّهبان والرّاهبات مدعوّون إلى الحقيقة نفسها بحبّ المسيح الّذي أسرهم وكرّسوا له ذاتهم. إنّه تكريس اختياريّ ناضج في البتوليّة، للارتباط المباشر بشخص المسيح بفرح وعطاء، كونه حقيقة حياتهم. على الرّاهب أن يكون على مثال بولس:"الحَياةُ عِندي هي المسيح" (فيلبي 1/ 21)و"فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ"(غلاطية 2/ 20).ولهذا ينذر الطّاعة والعفّة والفقر.
ينبغي أن يروّض المكرّس ويطوّع غرائزه من أجل تكريسه، من خلال الصّلاة والتّأمّل. يذكر البطريرك طيمثاوس الثّاني(† 1332) في قائمة أسرار كنيسة المشرق إنّ النّذور الرّهبانيّة هي سرّ مقدّس، Sacrament (ساكو مدخل إلى لاهوت كنيسة المشرق، بغداد 2024 ص 70)، أيّ المكرّس/ة مدعوّ إلى أن يصير سرًّا مقدّسًا يعكس المسيح.
بعد ما لمسناه من إرهاصات في داخل المرء، نحو ما يسكنه من دعوة في أعماقه، لا بدّ أن يأتي القرار بالزّواج ممّن اخترناه بصفة شريك حياتنا، أو الانخراط في الحياة المكرّسة بوضوح وخدمة الإخوة بسخاء: السّؤال الّذي ينبغي طرحه هوما الّذي أبحث عنه في الزّواج؟ ما الهدف الّذي أسعى له في الحياة المكرّسة؟ ماذا اُقدّم وماذا أتلقّى؟ وما هي الأولويّات؟ بل ما هي المتطلّبات بمَن التزمتُ معه مدى العمر في الصّحّة والمرض والغِنى والفقر والشّباب والشّيخوخة؟
"الزّواج سرّ عظيم" يشير إلى معانٍ روحيّة عميقة، خاصّة في السّياق المسيحيّ حيث يُنظر إليه كسرّ sacrement يرمز لاتّحاد المسيح بالكنيسة، "إِنَّ هذا السِّرَّ لَعَظيم"(أفسس 5/ 32)، ويتضمن تضحية ودعمًا متبادلًا، وهو نعمة إلهيّة يباركها الله لإقامة حياة مشتركة مليئة بالفضيلة والموَدّة بين الزّوجين، وليس مجرّد ارتباط جسديّ.
"إِذًا لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ". (متى19/ 6). ما أعظم هذا السّرّ.إنّه عهدٌ وليس مجرّد عقد اجتماعيّ وقانونيّ!
حادثة معبّرة للشّاعر والمتصوّف المسلم جلال الرّومي. يروي ما يأتي: راح خطيب إلى بيت خطيبته وقرع الباب فاتت الخطيبة وسألت:من أنت؟ فأجاب:أنا.. فلم تفتح الباب. استغرب وقرع ثانية فأتاه الجواب عينه.. ففكّر في نفسه وقرع الباب ثالثةً، فقالت:من أنت، فقال: أنتِ! فانفتح الباب!!
الحبّ يتطلّب الحرّيّة: في رتبة تكليل العريسين في الزّواج نسأل: هل تقبل فلانًا أو فلانة قرينًا أو قرينة لك من دون فرض ولا إكراه وبرضاك التّامّ؟ من هذا المنطلق فإنّ الحرّيّة والاحترام أساس العطاء وهو هديّة الحبّ الأكبر.هديّة تجعلنا نتحمّل مسؤوليّة قرارنا وحياتنا وما نعيشه من مساندة ومشاركة… من هنا لا يمكن خنق الحرّيّة وتجاهل الاحترام، فأفعالنا تبقى بلا قيمة، نحن لسنا عبيدًا. أكيدًا يمكن استشارة الأخرين لبلورة قرارنا الّذي يملأنا فرحًا وسلامًا.
المحبّ ﻻ يهتمّ بحياته الشّخصيّة أكثر ممّا يهتمّ بحياة الشّريك مثل الأمّ والأب اللّذين تبقى أنظارهما منصبّة على أولادهما .
هذا لا يعني أنّ مشوارنا ورد وعسل، بل يمرّ هذا المشوار بالحضور والقرب وأحيانًا بالبعد والغياب والمعاودة.. هذه طبيعة البشر.. لأنّ لكلّ واحد مساحته وطبعه الّذي عليه أن يصقله، هذا ما يجعلني أقول دومًا للمكرّسين تدرّبوا على صقل طبعكم…
1. يجب أن نعترف أنّ ثمّة أوقات قوّة وأوقات ضعف وعدم اليقين. لا ينبغي أن نستسلم للإحباط ونطلب الانفصال أو البطلان. ينبغي التّحلّي بالصّبر وعدم الانجراف مع مفاهيم عالم اليوم. ليفكّرا بالأبوّة والأمومة لخير أولادهما. إستمرار الحبّ فينا يتطلّب تغذية الرّغبة والعلاقة وتجديد المسيرة بوفاء، ما يفتح الأفق على الرّجاء.
2. هذا يقودنا إلى نقطة مهمّة في مراحل العمر أﻻ وهي:التّجديد لحبّنا، بحضور الشّريك، والمكرّسين، بحضور الرّبّ الحيّ. تجديد يومي يتخطّى المشاكل، وينير لنا الطّريق ويعزّز البقاء والسّير معًا بثقة إلى النّهاية.
أختم هذه الخاطرة بهذه الآيات من الرّسالة الأولى ليوحنّا: "أيُّها الأحِبَّاء، فلْيُحِبَّ بَعضُنا بَعضًا لأَنَّ المَحَبَّةَ مِنَ الله، وكُلَّ مُحِبٍّ مَولودٌ لله وعارفٌ بِالله.. مَن لا يُحِبّ لم يَعرِفِ الله لأَنَّ اللّهَ مَحبَّة (1يوحنا 4/ 7، 8).وقال يوحنّا الحبيب في هذه الرّسالة عينها: "إِذا قالَ أَحَد: إِنِّي أُحِبُّ الله وهو يُبغِضُ أَخاه كانَ كاذِبًا"(1يوحنا 4/ 20)."
