ماذا حدث في عيد صعود الرّبّ؟
وفي هذا السّياق، يقول بيستابالا بحسب إعلام البطريركيّة:
"في الكلمات الّتي ينطق بها الرّبّ القائم من بين الأموات، فيما يودّع تلاميذه ويعود إلى الآب، تبرز أداةُ ربطٍ صغيرة تحمل معنى حاسمًا وعميقًا.
فنحن أمام الآيات الأخيرة من الفصل الأخير في إنجيل متّى، حيث يقول يسوع: "إِنِّي أُوليتُ كُلَّ سُلطانٍ في السَّمَاءِ وَالأَرضِ. فَاذْهَبُوا إِذًا وَتَلْمِذوا جَمِيعَ الأُمَمِ…" (متّى 28: 18-19).
هناك كلمة "إذًا"، وهي تدلّ على النّتيجة، أيّ إنّ هناك حدثًا جديدًا قد وقع، وبالتّالي يترتّب عليه أثرٌ جديد.
فما الّذي حدث؟
يُعيد يسوع قراءة أحداث الفصح باعتبارها اللّحظة الّتي أُعطي فيها كلّ سلطان، في السّماء وعلى الأرض.
أوّلًا، هذا السّلطان قد أُعطي له: فالقائم من بين الأموات لا يعلن نفسه ربًّا من تلقاء ذاته، بل الآب هو الّذي جعله "كيريوس"، أيّ ربّ التّاريخ والكون. إنّه سلطان ينبع من العلاقة، لا من إنجاز شخصيّ.
وهو أيضًا سلطان فصحيّ: ليس سلطان ممالك هذا العالم (راجع متّى 20: 25)، بل سلطان من انتصر على الموت بإعطاء الحياة، ولهذا فإنّ سلطته تتّسم بطابع المحبّة الباذلة الّتي تهب ذاتها بالكامل.
وأخيرًا، إنّه سلطان يوحِّد السّماء والأرض: فما من مكان يبقى خارج دائرة حضوره وعمله، لذلك لا مسافة، ولا ظُلمة، ولا هامش من هوامش الحياة يبقى بعيدًا عن حضرته.
إنّ سلطان القائم من بين الأموات هو سيادة المحبّة الّتي عبرت الموت، وأصبحت الآن قادرة على الوصول إلى كلّ خليقة.
وتظهر هذه السّيادة في النّصّ من خلال كلمة تتكرّر أربع مرّات في اللّغة الأصليّة، وهي كلمة تعني "الكلّ" أو "بأكمله":
"دُفِعَ إليَّ كُلُّ سُلْطَانٍ" (متّى 28: 18)، "تَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ" (متّى 28: 19)، "كُلَّ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ" (متّى 28: 20)، "هاءنذا معكم طوال الأيّام" (متّى 28: 20).
هذا التّكرار الرّباعيّ لا يصف سلطانًا مهيمنًا، بل سلطانًا يملأ: إنّه ملء الحياة الفصحيّة الّتي تحتضن الكون بأسره، وتصل إلى كلّ شعب، وتنير كلّ كلمة نطق بها يسوع، وترافق كلّ يوم من أيّام التّاريخ.
إنّ "الكلّ"لدى القائم من بين الأموات هو الحياة وقد بلغت كمالها: سيادة لا تسحقّ بل تلد، لا تستبعد بل تحتضن، لا تُقيّد بل تفتح الآفاق.
وهنا بالتّحديد تبرز كلمة "إذًا" الّتي تحدّثنا عنها في البداية.
وبما أنّ سيادة القائم من الموت هي سيادة شاملة، وبما أنّ عطيّة محبّته موجّهة إلى الجميع، إذًا يستطيع التّلاميذ أن ينطلقوا ليحملوا إلى الجميع عطيّة هذه البداية الجديدة.
إنّ رسالتهم تنبع من هذا الملء: فالتّلاميذ لا يحملون سلطانًا خاصًّا بهم، بل يشاركون في فائض الحياة الّذي بدأ الآن ينتشر إلى جميع الأمم.
ومن المهمّ التّأكيد على هذا الأمر: فالإرساليّة ("فاذهبوا إذًا…") ليست مهمّة بشريّة فحسب، بل فعل يتحقّق داخل السّيادة الأخروية للمسيح.
بمعنى آخر، لا يذهب التّلاميذ قبل أن يملك المسيح، بل يذهبون لأنّه يملك بالفعل؛
إنّهم لا يهيّئون الملكوت، بل يعملون داخل الملكوت الّذي افتتحه فصح المسيح.
وإذا كان الملكوت قد بدأ بالفعل بقيامة الرّبّ، فإنّ الرّسالة تتمثّل في إظهاره، والشّهادة له، وجعله في متناول الجميع. ويعبّر متّى عن ذلك بثلاثة أفعال: التّلمذة، والتّعميد، والتّعليم (راجع متّى 28: 19).
"تلمذة جميع الأمم" هو الفعل الرّئيسيّ في العبارة. وهو لا يعني "الإقناع" أو "فرض فكرة"، بل إدخالهم في مسيرة. فالتّلميذ هو من يدخل في علاقة مع المعلّم، لا من يتبع نظامًا ما. لذلك، فإنّ إعداد التّلاميذ لا يخلق الملكوت، بل يفتح الطّريق إلى الحياة الّتي يهبها القائم من بين الأموات منذ الآن.
ثمّ إنّ المرسلين مدعوّون إلى "التّعميد"، وهذا لا يعني فقط إقامة الطّقوس، بل أن يغمُروا كلّ شخص باستمرار في شركة الثّالوث، وأن يُبقوا الباب مفتوحًا أمام تدفّق المحبّة الّذي يوحِّد الآب والابن والرّوح القدس.
إنّه الدّخول إلى قلب الملكوت نفسه، لأنّ الملكوت هو الحياة الثّالوثيّة الّتي فتحها لنا القائم من الموت.
وأخيرًا، يتحدّث متّى عن "التّعليم": لا يتعلّق الأمر بتعليم عقائديّ مجرّد، بل بتعليم النّاس أن يحفظوا، أيّ "يراعوا" كلّ ما أوصى به يسوع. إنّه تعليم يُشكّل حياة الإنسان، لا الفكر فحسب. فالتّعليم يعني مساعدة الإنسان على أن يعيش بحسب منطق القائم من بين الأموات.
إنّها حياة تنبع من ملء المسيح القائم، الّذي أُعطي له كلّ شيء، والّذي تصل من خلاله البشارة إلى جميع الأمم، والّذي صار إنجيله كلّه طريقًا للحياة، وصارت كلّ الأيّام عامرة بحضوره."
