في ختام يوبيلهما التّأسيسيّ، هذا ما قاله الرّاعي عن الرّهبانيّتين اللّبنانيّة المارونيّة والمارونيّة المريميّة!
وللمناسبة، ألقى الرّاعي عظة تحت عنوان "أحمدك يا أبي، يا ربّ السّماء والأرض" (متّى 11: 25)، قال فيها:
"1. في صلاة ربّنا يسوع هذه تنكشف العلاقة بين أبوّة الله وجميع النّاس، وبين بنوّة كلّ إنسان والله. أمّا نحن الّذين دعانا للتّكرّس بنظرة حبّ خاصّة، له فتركنا آباء وأمّهات وإخوة وأخوات، ودخلنا في هذه العلاقة المميّزة مع الله بالمسيح، الإبن الإلهيّ الوحيد الّذي أشركنا ببنوّته لأب واحد في السّماء. وهكذا أضحت حياتنا كلّها "صلاة حمد لله أبينا، ربّ السّماء والأرض" (متّى 11: 25).
2. يسعدنا اليوم أن نرفع هذه اللّيتورجيا الإلهيّة صلاة حمد وشكر لله على عنايته القدّوسة بمسيرة رهبانيّتينا: اللّبنانيّة المارونيّة، والمارونيّة المريميّة، على مدى ثلاثماية وخمس وعشرين سنة. وها نحن نحتفل بختام يوبيل التّأسيس، مستشفعين أمّنا وسيّدتنا مريم العذراء وأبانا القدّيس أنطونيوس، وملتمسين صلاة الآباء المؤسّسين المطران عبدالله قراعلي، والمطران جبرايل حوّا، والأب يوسف البتن، والمطران جرمانوس فرحات. وتعود بنا الذّاكرة إلى 10 تشرين الثّاني 1695 حين ألبس المكرّم البطريرك إسطفان الدّويهيّ هؤلاء الثّلاثة الإسكيم الرّهبانيّ، وأسكنهم دير مورت مورا في إهدن، بينما كان يعيش البطريرك في كرسيّ قنّوبين. وكثيرًا ما لجأوا إليه في المحن. ثمّ سكنوا دير مار اليشاع في وادي قاديشا بعد أن رمّموه وأضافوا عليه غرفًا، ودير مار أنطونيوس قزحيّا، فكان هذا التّأسيس إصلاحًا للحالة الرّهبانيّة، جعله المجمع اللّبنانيّ المنعقد في دير سيّدة اللّويزة (1736) شاملًا الكنيسة المارونيّة بكاملها. هؤلاء المؤسّسون أتوا من مدينة حلب، مدينة العلم والثّقافة والتّراث المسيحيّ، مزيّنين بموهبة الإصلاح الرّهبانيّ في الكنيسة المارونيّة وهي موهبة اكتشفها فيهم المكرّم البطريرك إسطفان الدّويهيّ.
3. وتوسّعت الأديار وازدادت عددًا مع المؤسسّين. وواصل توسّعها الرّعيل الأوّل من المنتمين إليها وخلفائهم حتّى يومنا، في لبنان والنّطاق البطريركيّ وبلدان الانتشار. فكانت الرّسالات والرّعايا والأبرشيّات. وأسّسوا المدارس والجامعات والمستشفيات والمراكز الاجتماعيّة والإنسانيّة، وفرضوا وجودهم البنّاء في الحياة العامّة. فكانت الأديار والمؤسّسات، وحضور الرّهبان قلعةَ صمودٍ في مختلف العهود الصّعبة والظّروف الخانقة. وها هي مدعوّة اليوم لتواصل هذه الرّسالة وتشدّد شعبنا في الرّجاء، وتنتزع الخوف من القلوب.
4. يطيب لي أن أهنّئ الرّهبانيّتين بشخص قدس الرّئيسين العامّين ومجلسيهما وجميع إخوتنا الرّهبان بختام هذا يوبيل 325 سنة الّذي أُفيضت فيه النّعم والبركات وهي لا تحصى. فكان القدّيسون والأبرار والبطاركة والكرادلة، والأساقفة والرّهبان الأنقياء. وكانت المؤسّسات التّربويّة والاستشفائيّة والاجتماعيّة والإنسانيّة. وكانت الرّعايا والأبرشيّات في لبنان والنّطاق البطريركيّ وبلدان الانتشار. وبالنّعمة تسير الرّهبانيّتان نحو يوبيل جديد.
5. لا بدّ في ختام اليوبيل من أن نستلهم روحانيّة المؤسّسين: روح التّجرّد، والتّقشّف والنّسك والصّلاة وقداسة السّيرة وحسن الإدارة من عبدالله قراعلي؛ والغيرة على الرّسالة والنّشاط الخلّاق والقدرة على القرار من جبرايل حوّا؛ والتّواضع العميق والطّاعة الكاملة والتّفاني في الخدمة وروح السّلام في حياة الجماعة من يوسف البتن؛ والحكمة والفطنة وسداد الرّأي وغزارة العلم من جرمانوس فرحات.
كلّهم ساسوا الرّهبانيّة قبل قسمتها سنة 1770، وأرسوا أساستها متينة. ثلاثة منهم ساسوها كرؤساء عامّين ما عدا الأب يوسف البتن الّذي شارك في إدارتها مدبّرًا لأكثر من مرّة، وتوفّي بوقوع صخر سقط من الجبل على دير مار أنطونيوس قزحيّا، وهو في الخامسة والخمسين من العمر. ويجدر التّذكير بأنّ الأب عبدالله قراعلي انتُخب رئيسًا عامًّا لست مرّات متتالية لغنى فضائله وروحانيّته وحسن تدبيره، قبل انتخابه مطرانًا لأبرشيّة بيروت سنة 1716.
إنّ عين الله السّاهرة على رهبانيّتينا هي الدّليل لرضاه عن وجودهما ورسالتهما، والضمانة لإستمراريّتهما.
6. كلّ يوبيل هو عودة إلى الجذور، وتصحيح للحاضر، وخريطة تجدّد للمستقبل. ذكّرنا المجمع البطريركيّ (2003-2006) بالأسس الّتي بُنيت عليها حياتنا الرّهبانيّة، وهي:
-تجذّر إنجيليّ قائم على قراءة لاهوتيّة للكتاب المقدّس كمنبعٍ لحياتنا الرّوحيّة ومصدرها،
- حبّ المسيح المتوحّد بامتياز والتّشبّه به وبنمط حياته،
- نسك وحياة جماعيّة. فالنّسّاك الّذين توالوا في رهبانيّتينا سندوا بصلواتهم وتقشّفاتهم حياة الجماعة،
- السّعي الدّائم إلى الاتّحاد بالله بصراع الجسد والنّفس والرّوح،
- الصّلاة والعمل بالتزام الجماعة الدّيريّة يوميًّا،
- حياة رهبانيّة منفتحة على كلّ جديد إيجابيّ ينمّي ميزتها وموهبتها. (راجع النّصّ المجمعيّ: الحياة الرّهبانيّة في الكنيسة المريميّة، 24-30).
7. بالعودة إلى صلاة يسوع في إنجيل اليوم، نجدها مؤلّفة من ثلاثة أقسام تشكّل البُعد اللّاهوتيّ والرّوحيّ لنذورنا الرّهبانيّة الثّلاثة:
أ- الشّكر للآب على الوحي، وعلى قبوله من المتواضعين الّذين يقرّون بضعفهم وافتقارهم إلى نعمة كلمته، ويبحثون عن شخص أو شيء يملأ حياتهم، ويجدونه في الله أبي الجميع. هذا هو البعد اللّاهوتيّ لنذر الفقر. إنّ الاكتفاء الذّاتيّ يشكّل حاجزًا لهذا الانفتاح على الله. وتصميم الله إمّا يُقبل، وإمّا يُرفض، ولكنّه لا يَقبل الجدال، كما كانت الحال مع الفرّيسيّين والكتبة وعلماء الشّريعة.
ب- مضمون هذا الوحي هو أنّ المسيح وحده يكشف عن وجه الآب، وأنّ فيه حلّ الوحي كلّه، بداعي علاقة البنوّة للآب منذ الأزل. وهذا ما قاله يسوع لنيقوديموس: "الحقّ الحقّ أقول لك: نحن نتكلّم عمّا نعلم، ونشهد بما رأينا" (يو 3: 11). وقال في مناسبة أخرى: "من أرسله الله، بكلام الله يتكلّم... فالآب يحبّ الإبن، وبه أعطى كلّ شيء" (يو 3: 34-35). لقد أحبّنا وكشف لنا سرَّه، وسمّانا "أحبّاءه لا عبيده"، لكي نعلن سرّه بالطّاعة الرّسوليّة.
ج- الدّعوة إلى حمل نير المسيح لأنّه طيّب وخفيف، فهو يعطي من يأتي إليه الرّوح الّذي يعضد في الضّعف، ويحرّره من حرف الشّريعة، ويعلّمه الوداعة وتواضع القلب. لهذه الغاية تكرّسنا بالبتوليّة لنشهد لمحبّته بحياتنا ورسالتنا.
8. إنّ حياتنا الرّهبانيّة قائمة على هذه الثّلاثة، التي تذكّرنا بأساس نذورنا الرّهبانيّة الثّلاثة. فلتكن ثمار هذا اليوبيل التزامًا بها في طريق اتّباع المسيح والسّعي إلى المحبّة الكاملة، لمجد الله الآب والإبن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين."