"في البرّيّة نحو النّور" رسالة المطران قصارجي الرّاعويّة لزمن الصّوم
"عقب الخلوة الرّوحيّة الّتي عشناها أمس مع الجماعات الرّسوليّة في الأبرشيّة في دير مار أنطونيوس الكبير في كفرشيما، في أجواء من الصّلاة والصّمت والتّأمّل العميق في كلمة الله، رأيت أن أوجّه إليكم هذه الرّسالة الرّاعويّة في بدايات الصّوم الكبير لعام 2026، لكي نسير معًا في درب التّوبة والنّور .
لقد دخلنا زمن الأربعين المقدّسة، زمن البرّيّة الرّوحيّة، سائرين على خطى الرّبّ يسوع الّذي كان في البرّيّة أربعين يومًا يُجرَّب من الشّيطان (مرقس 1: 13). فالبرّيّة ليست مكان
قفر وحسب، بل هي موضع لقاء حميم بين الإنسان والله، حيث يمحّص القلب، ويتطهّر الفكر، وتتجدّد العزيمة.
أوّلًا: لاهوت الصّوم- عبور من الموت إلى الحياة
الصّوم في جوهره اشتراك في سرّ المسيح الفصحيّ. إنّه مسيرة عبور من الإنسان العتيق إلى الإنسان الجديد. كما يقول الرّسول بولس: "نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا" (1 كورنثوس
1: 23).
إنّه زمن التّوبة الصّادقة: "ارجعوا إليَّ بكلّ قلوبكم بالصّوم والبكاء والنّوح (يوئيل2: 12).وهو زمن الرّجاء أيضًا، لأنّ "حبّة الحنطة إن لم تقع في الأرض وتمت تبق وحدها، ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير" (يوحنّا 12: 24).
لقد أكّد الآباء القدّيسون هذه الحقيقة الرّوحيّة. يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ: "الصّوم دواء النّفس."
ويعلّم القدّيس أفرام السّريانيّ أنّ الدّموع في زمن التّوبة تصير نورًا للقيامة. ويذكّرنا القدّيس باسيليوس الكبير بأنّ الصّوم الحقيقيّ هو الابتعاد عن الشّرّ وممارسة الرّحمة. فالصّوم ليس امتناعًا جسديًّا فحسب، بل تحوّل عميق في الفكر والإرادة والسّلوك."
