لبنان
04 أيار 2026, 06:30

عوده: وطننا يشبه المخلّع ونريد أن ننتشله من هاويته

تيلي لوميار/ نورسات
إحتفل متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس الياس عوده بقدّاس الأحد في كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس- وسط بيروت.

وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى عوده عظة قال فيها: "المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للّذين في القبور.

أحبّائي، تضع الكنيسة أمامنا اليوم، من خلال القراءة من إنجيل يوحنّا ، إنسانًا مطروحًا عند بركة بيت حسدا منذ ثمان وثلاثين سنةً، كما تحدّثنا الرّسالة من أعمال الرّسل عن إنسان آخر في لدّة إسمه أينياس كان "مضطجعًا على سرير منذ ثماني سنين وهو مخلّع". بين هذين المشهدين يمتدّ خيط واحد يكشف سرّ الإنسان في ضعفه، وسرّ الله في خلاصه، لأنّ المخلّع في الحالتين ليس مجرّد مريض جسديّ، بل هو أيقونة لحالة البشريّة جمعاء، حين تفقد الرّجاء وقوّة القيام.

عند البركة، نرى إنسانًا إستهلكه الزّمن، فصار المرض جزءًا من تاريخه، وربّما من هويّته. لم يعد ينتظر الشّفاء بقدر ما اعتاد الإنتظار. لذلك، يأتيه الرّبّ يسوع لا كمن يقدّم له علاجًا فوريًّا، بل كمن يدخل إلى عمق إنسانيّته بسؤال يهزّ كيانه: "أتريد أن تبرأ؟". إنّه سؤال يكشف أنّ المشكلة ليست في غياب القدرة الإلهيّة، بل في انطفاء الإرادة البشريّة. فالإنسان قد يطول به المرض الرّوحيّ حتّى يفقد الرّغبة في النّهوض منه، ويستبدل الرّجاء بالتّأقلم مع السّقوط. هنا، كما يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم، يوقظ المسيح الإرادة النّائمة، لأنّه لا يخلّص الإنسان من دون مشاركته الحرّة، بل يدعوه إلى أن يفتح قلبه لعمل النّعمة.

جواب المخلّع يكشف عمق الجرح إذ يقول: "ليس لي إنسان متى حرّك الماء يلقيني في البركة". إنّه لا يتكلّم فقط على عجزه، بل على وحدته. لقد فقد الشّركة مع الآخرين، وصار وجوده محصورًا في ذاته العاجزة. هذا المخلّع صورة للبشريّة الّتي، بانفصالها عن الله، فقدت أيضًا إنسانيّتها ومعنى وجودها. لكنّ المسيح لا يترك المخلّع في هذا المنطق الأعوج، بل يكسر انتظار البركة، ويتجاوز الوسائط، ويخاطبه قائلًا: "قم، إحمل سريرك وامش. فللوقت برئ الرّجل وحمل سريره ومشى". في تلك اللّحظة، لم يحدث مجرّد شفاء، بل تمّت ولادة جديدة، إذ تحوّلت الكلمة الإلهيّة إلى قوّة تقيم الإنسان من شلله، وتعيد إليه العافية والحياة.

السّرير الّذي كان يحمل الإنسان صار الإنسان يحمله. يقول القدّيس كيرلّس الإسكندريّ إنّ ما كان يثقل الإنسان ويقيّده، يصير بعد عمل النّعمة الإلهيّة مجالًا لسلطانه وجهاده. غير أنّ المسيح لا يكتفي بإقامة الجسد، بل يلتقي بالمخلّع في الهيكل ليكشف له البعد الأعمق لفعله قائلًا: "لا تعد تخطئ لئلّا يصيبك أشرّ". المشكلة الجذريّة ليست في المرض، بل في الخطيئة الّتي تشلّ الإنسان من الدّاخل. لذلك، كلّ شفاء حقيقيّ هو عودة إلى الله، واستعادة للحياة الّتي فقدها الإنسان بسقوطه.

من هذا المشهد الإنجيليّ، ننتقل إلى ما حدث في الكنيسة الأولى، حيث الحدث امتداد حيّ لعمل المسيح نفسه.فبطرس، حين التقى أينياس "المضطجع على سرير منذ ثماني سنين وهو مخلّع" لم يتكلّم باسمه الشّخصيّ، بل قال له: "يشفيك يسوع المسيح. قم وافترش لنفسك". إنّها الكلمة نفسها، والقوّة نفسها، إنّما بواسطة بطرس، أحد أعضاء جسد الكنيسة. هنا يتجلّى بوضوح أنّ الشّفاء ليس حدثًا فرديًّا معزولًا، بل عمل كنسيّ، لأنّ المسيح الحاضر في كنيسته يواصل إقامة الإنسان من سقطته في كلّ زمان ومكان. يؤكّد المغبوط أغسطينوس على أنّ الرّسل لا ينسبون قوّة الشّفاء إلى أنفسهم، لكيما يبقى القلب متّجهًا نحو الله وحده، مصدر كلّ شفاء.

إذا جمعنا المشهدين، نكتشف أنّ المخلّع ليس شخصًا من الماضي، بل هو كلّ إنسان يفقد القدرة على القيام. إنسان هذا العصر قد لا يكون مخلّعًا جسديًّا، لكنّه كثيرًا ما يكون مفلوجًا في إرادته ورجائه ومحبّته، يعيش بين النّاس إنّما وحيدًا، يردّد في داخله: "ليس لي إنسان". هو يمتلك الوسائل، لكنّه يفتقر إلى القوّة الدّاخليّة، إلى الإرادة الّتي تغيّر حياته. هنا يرنّ صوت المسيح مجدّدًا، كحضور حيّ، قائلًا لكلّ منّا: "أتريد أن تبرأ؟".

يا أحبّة، يضعنا هذا السّؤال أمام حقيقتنا. هل نريد فعلًا أن نتغيّر، أم نكتفي بتبرير ضعفنا وسقوطنا؟ هل نجرؤ على النّهوض، أم نفضّل البقاء في حالة السّقوط والانتظار؟ كلمة "قم" الّتي ينطق بها الرّبّ ليست أمرًا، بل دعوة إلى قيامة يوميّة، إلى خروج من شلل الخطيئة واستعباد الأنا للكبرياء والمال والسّلطة والمجد. إنّها دعوة إلى عدم الوقوع في الخطأ مجدّدًا لئلّا يصيب الإنسان أشرّ. دعوة إلى حركة مستمرّة نحو الله لا تتمّ بقوّتنا، بل بقوّة الله وبإرادتنا ومساندة الإخوة، في حضن الكنيسة، حيث نلتقي بالمسيح في كلمته، وفي أسراره، وفي الشّركة مع الإخوة، فنكتشف أنّنا لم نعد وحدنا، وأنّ الإنسان المخلّع الّذي افتقده الله قد صار حاضرًا في جسد المسيح الحيّ.

هنا يتحقّق ما يقوله القدّيس مكسيموس المعترف عن أنّ النّعمة لا تلغي طبيعة الإنسان، بل تشفيها وتكمّلها، فتعيد إليها قدرتها على الحركة نحو الخير. لذلك، الدّعوة اليوم ليست فقط إلى التّأمّل في معجزة حصلت، بل إلى الدّخول فيها، وفهم كنهها وإدراك حقيقة أنّ كلمة المسيح تعمل فينا، تقيمنا من كلّ شلل ويأس، وتوجّهنا نحو طريق الحياة الجديدة.

يا أحبّة، ألا يشبه بلدنا مخلّع الإنجيل الّذي ينتظر من يمدّ له يد العون؟ فما بال زعمائه وقادته وأبنائه لا يقومون بما يؤدّي إلى خلاصه؟ الرّبّ حاضر دائمًا، وهو يقرع أبواب القلوب وينتظر. هو لا يقتحم حياتنا لأنّه خلقنا أحرارًا، بل ينتظر استجابتنا لدعوته، لذا علينا وحدنا تقرير مصيرنا بإرادتنا الحرّة، وسلوكنا المستقيم الّذي يرضي الله.

فلنستجب إذًا لهذا الصّوت الإلهيّ، ولنقل من أعماقنا: "نعم، يا ربّ، نريد أن نبرأ" من أمراضنا. نريد أن نغيّر سلوكنا ونتخلّى عن أنانيّتنا ومصالحنا. نريد أن ننتشل وطننا من هاويته. حينئذ، لن تبقى حياتنا مطروحةً عند مياه هذا العالم، بل تصير مسيرةً حيّةً في نور القيامة، حيث يمشي الإنسان بقوّة الله، ويصير شاهدًا لعمل نعمته، ممجّدًا اسمه إلى الأبد، آمين."