عوده: ليحوّل الرّبّ شكوكنا طريقًا نحو الإيمان وليفتح أعيننا لنراه حاضرًا في حياتنا
وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى عوده عظة جاء فيها:
"المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للّذين في القبور.
أحبّائي، اليوم، في أحد الرّسول توما، تدعونا الكنيسة للدّخول إلى سرّ الإيمان من باب قد يبدو غريبًا للوهلة الأولى، هو باب الشّكّ. نقرأ في هذا اليوم إنجيل القيامة بحسب يوحنّا (20: 19-31)، حيث يظهر الرّبّ القائم من بين الأموات لتلاميذه، فيما توما غائب، ثمّ يأتي ثانيةً ويدعو توما إلى لمس جراحه فيصبح توما شاهدًا حيًّا على القيامة.
نقرأ أيضًا من سفر أعمال الرّسل (5: 12-20) أنّ يد الرّبّ كانت تعمل في الكنيسة الأولى، حتّى إنّ ظلّ بطرس كان يشفي المرضى، وقد بقي الرّسل، رغم الإضطهاد والسّجن، شهودًا للقيامة، دون أيّ خوف.
يبدأ المشهد الإنجيليّ في مساء يوم القيامة، والتّلاميذ مجتمعون والأبواب مغلقة "خوفًا من اليهود". الخوف يملأ القلوب، والارتباك يخيّم على الجماعة. لكنّ المسيح يأتي ويقف في الوسط، رغم الأبواب المغلقة، ويقول: "السّلام لكم". إنّه سلام ليس من هذا العالم، سلام القيامة الّذي يخترق الخوف ويبدّد القلق ويحوّل الضّعف إلى قوّة.
توما لم يكن حاضرًا، وعندما أخبره التّلاميذ: "قد رأينا الرّبّ"، لم يكتف بشهادتهم، بل قال: "إن لم أعاين أثر المسامير في يديه، وأضع إصبعي في أثر المسامير، وأضع يدي في جنبه لا أؤمن."
بعد ثمانية أيّام، أتى الرّبّ مجدّدًا، والأبواب مغلقة، ووقف في الوسط. لم يوبّخ توما أو يرفضه، بل دعاه برفق قائلًا: "هات إصبعك إلى ههنا وعاين يديّ وهات يدك وضعها في جنبي ولا تكن غير مؤمن بل مؤمنًا". الرّبّ يعرف جراحنا الدّاخليّة، ويقترب من ضعفنا، لا لكسرنا، بل لإقامتنا. فالشّكّ، عندما يكون صادقًا، ليس نهايةً، بل قد يكون بدايةً إن قاد الإنسان إلى البحث الحقيقيّ عن الله. إنّه الشّكّ الّذي يبتغي اليقين، وهو الّذي يؤدّي إلى الحقيقة.
الكنيسة لا تقدّم لنا توما كخاطئ مرفوض، بل كإنسان صادق في بحثه عن الحقيقة. هو لا يريد أن يؤمن بناءً على أخبار ينقلها الآخرون، بل يطلب اختبارًا شخصيًّا حيًّا. يرى القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ في موقف توما تدبيرًا إلهيًّا، إذ إنّ شكّه صار سببًا لتثبيت إيمان العالم. فلو لم يشكّ توما، لما لمس الجراح، ولو لم يلمس، لما أعلن إيمانه بتلك القوّة واليقين صارخًا: "ربّي وإلهي". هكذا تحوّل الشّكّ، الّذي قاد إلى اللّقاء بالمسيح، إلى أعمق اعتراف بالإيمان في الإنجيل كلّه.
في عالم اليوم، يعيش الإنسان صراعات كثيرةً: شكّ في الله، شكّ في الآخر، شكّ في المستقبل. كثيرون يعيشون إيمانًا موروثًا، لكنّه غير مختبر شخصيًّا، لذلك يتزعزع عند التّجربة الأولى. أو يعيشون شكًّا في القريب فإمّا يبتعدون عنه أو يدينونه دون اللّجوء إلى معرفة الحقيقة والاستناد عليها. لذلك، يدفعنا شكّ توما إلى عدم الخوف من طرح الأسئلة الّتي تؤرقنا، وإلى جعل الشّكّ جسرًا نحو اللّقاء بالمسيح الحيّ وبالإخوة.
يقول القدّيس غريغوريوس اللّاهوتيّ: "إنّ عدم إيمان توما أفادنا أكثر من إيمان التّلاميذ الآخرين، لأنّه قادنا إلى الإيمان بالقيامة من خلال لمس الجراح". فالمسيح لا يخجل أن يري توما جراحه، لأنّ هذه الجراح هي علامة محبّته. إنّها الجراح الّتي بها شفينا، كما يقول النّبيّ إشعياء. هكذا، فإنّ الإيمان المسيحيّ ليس فكرةً مجرّدةً، بل هو لقاء مع المسيح المصلوب والقائم من بين الأموات، الّذي يحمل في جسده آثار محبّته لنا.
إذا انتقلنا إلى سفر أعمال الرّسل، نرى ثمار هذا اللّقاء. التّلاميذ الّذين كانوا خائفين خلف الأبواب المغلقة صاروا شهودًا جريئين. كان النّاس يأتون بالمرضى إلى الطّرق ليقع عليهم ظلّ بطرس فيشفوا. أيّ تحوّل هذا؟ إنّه تحوّل من الشّكّ والخوف إلى الإيمان والشّهادة. لكنّ هذا الإيمان لم يكن بلا ثمن. الرّسل سجنوا وتعرّضوا للاضطهاد. مع ذلك، فتح ملاك الرّبّ أبواب السّجن وأخرجهم وقال لهم: "أمضوا وقفوا في الهيكل وكلّموا الشّعب بجميع كلمات هذه الحياة". إنّ الإيمان الحقيقيّ لا يخزّن في القلب، بل يعلن ويعاش ويشهد له، رغم الصّعوبات.
التّرابط العميق بين الإنجيل وأعمال الرّسل ظاهر في كون توما الّذي نراه في الأنجيل يشكّ ويبحث، قد تحوّل في سفر أعمال الرّسل إلى توما الّذي يشهد للقيامة، مع سائر الرّسل، بلا خوف. فاللّقاء بالمسيح القائم يحوّل الإنسان من متردّد إلى شاهد، من خائف إلى جريء، من منغلق على ذاته إلى منفتح على رسالة الكنيسة.
في حياتنا اليوم، قد نختبر شكوكًا في الصّلاة وفي حضور الله وعدالته وتدبيره. لكنّ المهمّ ليس هل نشكّ بل ماذا نفعل بهذا الشّكّ؟ هل نهرب منه إلى اللّامبالاة، أم نحمله إلى المسيح؟ هل نغلق الأبواب كما فعل التّلاميذ، أم ننتظر مجيئه في وسطنا؟
المسيح يأتي إلينا ولو كانت أبواب قلوبنا مغلقةً. يقف في وسط حياتنا ويقول: "السّلام لكم". يقدّم ذاته لنا في الكنيسة والأسرار وكلمة الإنجيل، وفي القريب. إذا كنّا نطلب أن نلمسه كما طلب توما، تعطينا الكنيسة هذا اللّمس في الإفخارستيّا، حيث نتّحد بجسد الرّبّ ودمه.
يختم الرّبّ كلامه لتوما بعبارة موجّهة إلينا أيضًا: "طوبى للّذين لم يروا وآمنوا". هذه ليست دعوةً إلى إيمان أعمًى، بل إلى إيمان مبنيّ على شهادة حيّة، وعلى اختبار الكنيسة عبر الأجيال. إنّه إيمان يرى بعيون القلب، ويختبر حضور الله في عمق الحياة.
فلنطلب إلى الرّبّ أن يحوّل شكوكنا طريقًا نحو الإيمان، وأن يفتح أعيننا لنراه حاضرًا في حياتنا. ولنقل مع توما من عمق القلب والحياة: "ربّي وإلهي". عندئذ، نصير نحن أيضًا شهودًا للقيامة في عالم يحتاج أكثر من أيّ وقت مضى إلى نور الإيمان وسلام المسيح، آمين."
