عوده: لعيش إيماننا لا كمجرّد تقليد بل كخبرة حيّة
وبعد الإنجيل المقدّس، كانت لعوده عظة قال فيها: "أحبّائي، تضعنا كنيستنا المقدّسة، عبر إنجيل اليوم، أمام مشهد خلاصيّ بالغ العمق، يكشف لنا طريقة الله في افتقاد الإنسان، وعمق التّغيير الّذي يحدثه في الّذين يطلبونه. فزكّا العشّار هو صورة لكلّ إنسان جرح بالخطيئة، وأثقلته أنانيّة المال، وانغلق عليه المجتمع، لكنّه لم يفقد الشّوق إلى الله.
كان زكّا رئيسًا للعشّارين، جابيًا للضّرائب، محبًّا للمال وظالمًا لمواطنيه. أراد أن يرى من هو يسوع، الأمر الّذي يكشف عطش النّفس إلى اللّقاء. فرؤية الرّبّ ليست فضولًا، بل بداية حياة جديدة.
يعجز زكّا عن رؤية الرّبّ بسبب الجموع، لا بسبب قصر قامته فقط، والمقصود هنا قصر قامة الرّوح وقصور المواهب عند العالقين في أمجاد الأرض وانتفاخ الأنا، لأنّ الخطيئة تعزل الإنسان عن الرّؤية الحقيقيّة. مع ذلك، لم يستسلم زكّا، بل صعد إلى الجمّيزة. صعوده هذا رمز لتجاوز العوائق الدّاخليّة والخارجيّة، ولخروج الإنسان من ذاته الضّيّقة نحو التّوق إلى الله. فالطّريق إلى المسيح يتطلّب جهدًا وجرأةً وتواضعًا، وزكّا، رئيس العشّارين، لم يخجل من تسلّق شجرة كالأطفال ولو أصبح مدعاةً للسّخرية.
لكنّ المفاجأة الكبرى في النّصّ الإنجيليّ ليست في صعود زكّا، بل في لفتة المسيح الّذي رفع نظره ورآه. المسيح يرى الإنسان قبل أن يراه الإنسان نفسه. يعرف الإسم ويخاطب الشّخص ويكشف القصد الإلهيّ. ناداه باسمه قائلًا له: "يا زكّا أسرع انزل، فاليوم ينبغي أن أمكث في بيتك". بيت زكّا، الّذي كان موضع ظلم واستغلال، صار موضع حضور الله، وزكّا الّذي كان يبتغي رؤية يسوع نال أكثر ممّا تمنّى إذ حلّ الرّبّ يسوع في بيته، لأنّ يسوع لا يجتاز بمريديه عابرًا بل يمكث عندهم. الرّبّ يقيم في قلب من يؤمن به.
تذمّر النّاس لأنّهم رأوا في دخول المسيح إلى بيت خاطئ كسرًا لمقاييسهم الأخلاقيّة. لم يبالوا بخلاص إنسان خاطئ، لكنّ الرّبّ يكشف منطق الملكوت إذ لا يهمل الخاطئ، بل يدخل إليه ليقيمه من سقطاته. هنا، تظهر التّوبة الحقيقيّة، لا بالكلام، بل بالفعل. فزكّا لا يكتفي بالاعتراف بالخطأ، بل يعيد الحقوق مضاعفةً، ويحوّل المال من أداة استعباد للذّات إلى وسيلة رحمة. لذلك أعلن الرّبّ "اليوم قد حصل الخلاص لهذا البيت". الخلاص ليس فكرةً، بل واقع، لأنّ المسيح دخل البيت وجالس أهله وغيّر سلوكهم وحياتهم. عندما تكون رغبتك صادقةً لن يقف أيّ شيء في طريقك لأنّك تحاول إزالة كلّ عقبة تحول دون وصولك إلى الهدف. هذا ما فعله زكّا الّذي وعى أنّ المال الّذي جمعه بطرق ملتوية يقف عائقًا بينه وبين الخلاص، فتخلّى عنه ونال مبتغاه.
يا أحبّة، موقف المتذمّرين من دخول يسوع إلى بيت زكّا هو موقف بعض المؤمنين الّذين يريدون احتكار الرّبّ لأنفسهم، ولا يفرحون لخلاص الغير لأنّهم يفترضون أنّ هذا الغير خاطئ وغير مستحقّ، فيما قد يكون أفضل منهم. وقد ظهر زكّا أفضل من كلّ مدّعي التّقوى عندما أعلن: "هاأنذا يا ربّ أعطي المساكين نصف أموالي وإن كنت قد غبنت أحدًا في شيء أردّ أربعة أضعاف". عوض أن يردّ على من يدينونه بالشّتم والصّراخ، كان ردّه بعمل الرّحمة والعطاء.
من لامس المسيح قلبه وتذوّق حلاوة المسيح يفقد كلّ تعلّق بالأمور الزّائلة وينصرف إلى طلب الغنى الرّوحيّ. صلاتنا أن يعي من اغتنى على حساب الآخرين، ومن ابتزّ المواطنين وخالف القوانين وتقاضى الرّشاوى وظلم وسرق وقام بأذيّة النّاس، أنّ كلّ ما جناه زائل وأنّه سيمضي تاركًا كلّ شيء بالإضافة إلى الذّكر السّيّء، وأنّه سيقف يومًا أمام الدّيّان العادل. كما نسأل الله أن ينير بصائر من يصرفون العمر في الجري وراء المال والسّلطة والشّهرة، مستهترين بكرامات النّاس وسمعتهم وحياتهم.
القدّيس غريغوريوس اللّاهوتيّ، الّذي نعيّد له اليوم، اختبر هو أيضًا هذا الدّخول الإلهيّ إلى عمق النّفس. فهو لم يكن لاهوتيًّا منبريًّا فقط، بل كان رجل صلاة ونقاوة. شدّد مرارًا على أنّ الكلام على الله يفترض حياةً متحوّلةً. يقول: "ليس لكلّ أحد أن يتكلّم في اللّاهوت، إنّما فقط الّذين نقّوا نفوسهم وأجسادهم". هذا ما يجعل لاهوته امتدادًا للإنجيل لا انفصالًا عنه.
القدّيس غريغوريوس، مثل زكّا، صعد ليرى. إرتقى في التّأمّل والصّمت والجهاد النّسكيّ ليبلغ معرفة الله. لكنّه لم يحتفظ بهذه المعرفة لنفسه، بل نزل إلى ساحة الكنيسة، حاملًا صليب الدّفاع عن الإيمان القويم. وفي زمن اضطراب عقائديّ عميق، وقف ليعلن حقيقة المسيح، لا كمعلّم للأخلاق، بل كابن الله المتجسّد، الكامل في ألوهيّته وفي ناسوته.
رسالة اليوم تتكامل مع فكر القدّيس غريغوريوس. فالرّسول بولس يعلن أنّ لنا رئيس كهنة "بارًّا، بلا شرّ ولا دنس"، لا يقدّم ذبائح متكرّرةً، بل قدّم نفسه ذبيحةً واحدةً كاملةً. هذا التّعليم هو في صلب دفاع قدّيسنا عن سرّ التّجسّد. فلكي يكون المسيح رئيس كهنة حقيقيًّا، اتّخذ طبيعتنا كلّها ورفعها وأدخلها إلى الأقداس السّماويّة. لذا قال: "ما لم يتّخذه المسيح لم يشفه." المسيح الّذي جلس عن يمين العظمة في السّماوات هو نفسه الّذي وقف تحت شجرة الجمّيز وخاطب زكّا. هذا هو سرّ التّدبير الإلهيّ. الّذي لا يدنى منه في مجده اقترب من العشّار الخاطئ، والّذي يملك المسكن الحقيقيّ في السّماء لم يأنف أن يدخل بيت إنسان مرفوض. هذه الوحدة بين السّماء والأرض، بين الأقداس والبيت، هي جوهر الإيمان القويم الّذي علّمه القدّيس غريوريوس وعاشه، ودافع عنه حتّى الموت. يقول قدّيسنا في إحدى عظاته اللّاهوتيّة "عظيم هو سرّ التّقوى: الله ظهر في الجسد". هذا الظّهور ليس حدثًا ماضيًا فقط، بل حضور دائم في الكنيسة والأسرار وحياة التّوبة. فكما دخل المسيح بيت زكّا، يدخل اليوم بيت كلّ نفس تفتح له بابها بالإيمان والتّواضع والتّوبة.
إنجيل اليوم يدعونا إلى تحديد الهدف الّذي نرغب به وإلى العمل بصدق وأمانة للوصول إليه. كما يدعو كلّ من يتوسّل الطّرق الملتوية إلى التّأمّل بهذه الحادثة وأخذ العبر، لأنّ مال الأرض كلّه وجميع المناصب والمراكز غير قادرة على تأمين سلام النّفس ونقاء القلب وخلاص الإنسان.
زكّا يمثّل بداية الطّريق، والقدّيس غريغوريوس يمثّل نضج الطّريق، أمّا المسيح فهو الطّريق والحقّ والحياة. زكّا يعلّمنا الشّوق، وغريغوريوس يعلّمنا الأمانة، والرّسالة إلى العبرانيّين تعلّمنا أنّ أساس خلاصنا هو رئيس كهنة كامل، لا يزول عمله ولا يتكرّر. لذا تدعونا الكنيسة إلى عيش إيماننا لا كمجرّد تقليد، بل كخبرة حيّة تحوّل بيوتنا إلى مواضع لقاء، وقلوبنا إلى أقداس، وحياتنا إلى شهادة، آمين."
