لبنان
02 آذار 2026, 07:30

عوده: لا بدّ من استقامة الولاء للوطن من أجل التّحلّي بالفضائل الوطنيّة

تيلي لوميار/ نورسات
ترأّس متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس الياس عوده قدّاس الأحد الأوّل من الصّوم الأربعينيّ المقدّس، أحد الأرثوذكسيّة، حيث كانت له عظة قال فيها:

"أحبّائي، في الأحد الأوّل من الصّوم الأربعينيّ المقدّس، المسمّى "أحد الأرثوذكسيّة"، تعلن الكنيسة انتصار الإيمان القويم، وانتصار المدافعين عن الأيقونات، ليس كانتصار تاريخيّ فحسب، بل كشهادة حيّة عن أنّ الكلمة صار جسدًا، وأنّ الّذي لا يرى قد ظهر في الجسد وصار منظورًا. في هذا اليوم المبارك نرى أمامنا دعوة فيلبّس ونثنائيل مقرونةً بشهادة الإيمان العظمى كما وردت في الرّسالة إلى العبرانيّين الّتي سمعنا مقطعًا منها، لكي نفهم أنّ الأرثوذكسيّة هي رؤية نابعة من إيمان، وإيمان يثمر ثباتًا واحتمالًا حتّى النّهاية.

في الإنجيل، يدعو فيلبّس نثنائيل قائلًا: "تعال وانظر". تختصر هذه العبارة جوهر الحياة الكنسيّة. فالإيمان ليس مجرّد استنتاج عقليّ، بل دخول في خبرة اللّقاء. نثنائيل الّذي تساءل: "أمن النّاصرة يمكن أن يكون شيء صالح؟"، لم يقنعه جدال، بل شخص حيّ هو المسيح الّذي كشف له سرّ قلبه عندما قال له: "هوذا إسرائيليّ حقًّا لا غشّ فيه". إنّ نقاوة القلب هي شرط المعاينة كما قال الرّبّ يسوع "طوبى لأنقياء القلوب فإنّهم يعاينون الله" (متّى 5 :8)، لذلك يرتبط أحد الأرثوذكسيّة بالرّؤية: "سترون السّماء مفتوحةً وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن البشر". إنّه إعلان أنّ المجال بين الأرض والسّماء، بالمسيح قد انفتح، وصار الجسد موضع إشراق المجد. من هنا، نفهم معنى الأيقونة. نحن لا نكرّم خشبًا وألوانًا، بل نعترف بأنّ الله ظهر في الجسد. يقول القدّيس يوحنّا الدّمشقيّ: "إنّي لا أسجد للمادّة، بل لخالق المادّة الّذي من أجلي صار مادّةً". الأيقونة هي شهادة على أنّ الّذي رآه الرّسل ولمسته أيديهم قد صار موضوع رؤية كنسيّة مكتوبة بالألوان، هي امتداد لكلمة "تعال وانظر"، لأنّها تدعونا إلى معاينة سرّ التّجسّد.

هذه الرّؤية لا تفصل عن الإيمان الّذي تحدّث عنه الرّسول بولس في رسالة اليوم. عرض الرّسول أمامنا سحابةً من الشّهود، بدءًا من موسى الّذي "لمّا كبر أبى أن يدعى ابنًا لابنة فرعون، مختارًا الشّقاء مع شعب الله على التّمتّع الوقتيّ بالخطيئة، ومعتبرًا عار المسيح غنًى أعظم من كنوز مصر". يكشف لنا الرّسول أنّ الإيمان هو اختيار. إنّه تفضيل شركة الألم مع الله على مجد العالم الزّائل، وهذا هو جوهر الأرثوذكسيّة، أيّ الأمانة للحقّ مهما كان الثّمن.

يتابع الرّسول تعداد الّذين "بالإيمان قهروا الممالك، وعملوا البرّ، ونالوا المواعد وسدّوا أفواه الأسود، وأطفأوا حدّة النّار"، ثمّ ينتقل إلى وجه آخر للإيمان متحدّثًا عن آخرين "عذّبوا ورجموا ونشروا وامتحنوا وماتوا بحدّ السّيف وساحوا في جلود غنم ومعز". الإيمان، في المنظور الكتابيّ، ليس ضمانةً للرّاحة والنّجاح الأرضيّ، بل ثبات في الرّجاء غير المنظور. "هؤلاء كلّهم مشهودًا لهم بالإيمان، لم ينالوا الموعد، لأنّ الله سبق فنظر لنا شيئًا أفضل"، أيّ إنّهم عاشوا بالإيمان بما لم يروه بعد.

هنا يلتقي نصّ الرّسالة إلى العبرانيّين مع إنجيل يوحنّا. نثنائيل رأى وآمن، أمّا آباء العهد القديم فآمنوا دون أن يروا إكتمال الوعد. نحن، أبناء العهد الجديد، نعيش بين الرّؤية والإيمان: لقد رأينا مجد الله في وجه يسوع المسيح، لكنّنا لا نزال ننتظر ملء الملكوت. الأيقونة تعلن أنّ الوعد قد بدأ يتحقّق، وأنّ غير المنظور صار منظورًا في شخص الإبن. أمّا صومنا وجهادنا وحياتنا في الفضائل فاشتراك في مسيرة الشّهود الّذين انتظروا "المدينة الّتي لها الأساسات، الّتي صانعها وبارئها الله (عب 10: 11).

يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ إنّ الرّسول بولس "لم يذكر فقط الّذين انتصروا، بل أيضًا الّذين تألّموا، لكي يعلّمنا أنّ الإيمان واحد في المجد وفي الألم". فالكنيسة الّتي انتصرت في دفاعها عن الأيقونات، إنّما انتصرت عبر دموع المعترفين وصبرهم وبذلهم حياتهم. لم يكن إنتصارها سياسيًّا، بل كان شهادةً للإيمان المتجسّد بالأعمال والجهادات والتّضحيات.

في ضوء هذا كلّه، نفهم قول الرّبّ لنثنائيل: "سترون السّماء مفتوحةً". إنّ السّماء لا تفتح للفضوليّين والهراطقة بل للمؤمنين الّذين، مثل موسى، يفضّلون عار المسيح على خزائن مصر، وهم الّذين يعاينون المجد. 

الأرثوذكسيّة ليست مجرّد تمسّك بتقليد تاريخيّ، بل أمانة للإيمان الّذي سلّمه الشّهود، واستعداد للسّير في الطّريق ذاته، طريق الرّجاء والصّبر والتّضحية، إلى حين تسليم الأمانة للأجيال الآتية. يذكّرنا القدّيس باسيليوس الكبير بأنّ "الإيمان هو عين النّفس"، ومن دونه تبقى النّفس عمياء ولو امتلكت البصر الجسديّ. فإذا كانت الأيقونة تظهر لنا ملامح المسيح بالجسد، فإنّ الإيمان يفتح بصيرتنا لندرك حضوره في الأسرار، وفي كلمة الإنجيل، وفي إخوتنا. لذلك، في هذا الأحد، لا يكفي أن نرفع الأيقونات في الكنيسة ونزيّحها، بل ينبغي أن نقيم الإيمان في القلب، وأن نصير نحن أنفسنا أيقونات حيّةً تشهد لما نؤمن به.

يا أحبّة، عبارة "تعال وانظر" هي دعوة شخصيّة لكلّ واحد منّا في هذا الصّوم. تعال إلى عمق الإيمان الّذي عاشه موسى والأنبياء والشّهداء والرّسل والمعترفون والقدّيسون، أنظر إلى المسيح الّذي به تحقّقت المواعيد. تعال إلى توبة صادقة، وصلاة أمينة، وصوم مملوء رجاءً، وأعمال تجسّد الإيمان. فالكنيسة الّتي تكرّم الأيقونة إنّما تعلن أنّ الله تجسّد، حلّ بيننا، صار قريبًا، وأنّ السّماء قد انفتحت، وأنّنا مدعوّون لنكون شركاء هذا المجد. فلنثبت في الإيمان الّذي سلّمه القدّيسون، عالمين أنّ الّذين سبقونا "لم يكن العالم مستحقًّا لهم"، وأنّنا نحن أيضًا مدعوّون لنعيش هذا الإيمان بجرأة واتّضاع، حتّى نصير مع جميع الشّهود شركاء الوعد الكامل في المسيح يسوع.

عيد الأرثوذكسيّة، في الأحد الأوّل من الصّوم، يشكّل للإنسان المؤمن حافزًا إلى الجهاد، خلال فترة الصّوم، من أجل التّجدّد الرّوحيّ، والتّنقّي من شوائب الأهواء، والثّبات في الإيمان، والصّمود في وجه الهرطقات والتّعلّق بالحقيقة. فالإنتصار على هرطقة محاربة الأيقونات وعلى أيّة بدعة هو تحرّر من براثن الشّرّ ونكران الحقّ، ما يجعل الكنيسة تسطع بضياء العقائد الملهمة من الله، الّتي دافع عنها الآباء الّذين سبقونا، وأرسوا قواعد الإيمان القويم. الهرطقات والبدع والأهواء والأفكار غير المستقيمة تقسّم وتفرّق وتسبّب الانشقاقات، أمّا شركة الإيمان فتجمع وتشدّد وتوحّد. هذا ينطبق على شراكة المواطنين الّذين يجمعهم حبّ الوطن والأمانة له والدّفاع عنه ضدّ أيّة هرطقة تطال دستوره أو أيّة بدعة تزعزع أساساته. إستقامة الإيمان هي أساس حياة المؤمنين، واستقامة الولاء للوطن هي أساس حياة المواطنين. فكما أنّه لا بدّ من استقامة الإيمان من أجل تنقية الفكر والتّجلّي بالفضائل الرّوحيّة الّتي تقدّس حياة الإنسان وتؤهّله لاقتناء فكر المسيح، هكذا لا بدّ من استقامة الولاء للوطن من أجل التّحلّي بالفضائل الوطنيّة الّتي ترتقي بالمواطن من التّعلّق بالمصلحة الشّخصيّة إلى نشدان الخير العامّ، وتجعل حياته متناغمةً مع حياة إخوته المواطنين. أمّا تضعضع الإيمان الّذي يؤدّي إلى الهرطقة فهو ثمرة الكبرياء والأهواء النّاتجة عن الفكر البعيد عن الله وعن حمل الصّليب وتحمل المشقّات الّتي ذكرها الرّسول في رسالته. التّواضع والمحبّة والوداعة ونقاوة القلب هي الفضائل الّتي تجعلنا نلتقي بالمسيح عبر الإخوة، أمّا استقامة الرّأي في الإيمان والعبادة والحياة، وفي الانتماء إلى الوطن، فوحدها تصالح الإنسان مع الله ومع أخيه الإنسان، ومع كلّ عناصر الطّبيعة، وترتقي بالإنسان إلى الإتّحاد بالله. آمين."