عوده: كم من شياطين تتلاعب بأبناء هذا البلد وقادتهم ويجب طردها بالصّوم والصّلاة
بعد الإنجيل المقدّس، ألقى عوده عظة جاء فيها: "أحبّائي، لقد خصّصت كنيستنا الأحد الرّابع من الصّوم لتذكار القدّيس يوحنّا السّلّميّ، كاتب "سلّم الفضائل" أو "السّلّم إلى الله"، الّذي نسك في برّيّة سيناء في القرن السّابع وقد صدف هذه السّنة أن يكون تذكاره اليوم أيضًا، إذ نعيّد له في الثّلاثين من آذار. وقد حقّق القدّيس يوحنّا في حياته النّسكيّة المثل الأعلى للتّوبة، الّذي علينا أن نضعه نصب أعيننا خلال الصّوم.
في الكنيسة ليس للنّسك أيّ معنًى أو قيمة إن لم يكن تعبيرًا عن المحبّة. نسمع في صلاة الغروب: "أيّها الأب البارّ، لقد سمعت صوت إنجيل الرّبّ، فغادرت العالم والغنى والشّرف واحتسبتها كلا شيء، لذلك هتفت نحو الكلّ: أحبّوا الله فتجدوا نعمةً أبديّةً، لا تفضّلوا شيئًا على محبّته...".
يأتي إنجيل اليوم ليؤكّد على ضرورة الفضائل النّسكيّة وفرادتها، أعني الصّوم والصّلاة في حياة المؤمن. فبعدما عيّدنا لاستقامة الرّأي في الأحد الأوّل من الصّوم، وشهدنا كشف ألوهة المسيح في الأحد الثّاني، وأقمنا تذكارًا للصّليب الكريم في الأحد الماضي، نحيي في الأحدين الأخيرين من الصّوم تذكار مثالين في الصّلاة والصّوم والتّوبة الحقيقيّة، هما القدّيسان يوحنّا السّلّميّ ومريم المصريّة.
النّسك ليس خاصًّا بالرّهبان، بل أيضًا بحياة النّاس في العالم. النّسك، في التّقليد الأرثوذكسيّ يعني حفظ وصايا السّيّد المسيح وتطبيقها. والرّهبان هم أولئك الّذين يعيشون بحسب الإنجيل. إذًا، الحياة النّسكيّة هي حياة بحسب الإنجيل. النّسك هو حفظ ناموس الله، وتحقيق وصاياه، والجهاد من أجل إخضاع مشيئتنا لمشيئة الله. هذا الأمر تطلبه الكنيسة من جميع أبنائها، فما هو مطلوب من الرّاهب والكاهن مطلوب أيضًا من كلّ إنسان.
يحدّثنا إنجيل اليوم عن شفاء أبكم مسّه الشّيطان، وقاده أبوه إلى المسيح. قال الرّبّ للأب: "إن استطعت أن تؤمن فكلّ شيء مستطاع للمؤمن". فصاح أبو الصّبيّ بدموع: "إنّي أؤمن يا سيّد، فأغث عدم إيماني". إنّها الصّيغة الأفضل للتّعبير عن وجود الإيمان في قلب الإنسان وضعف هذا الإيمان في آن. لكن، هل نحن قادرون على البكاء بدموع حارّة حينما نقول لمخلّصنا: "أؤمن... فأغث عدم إيماني؟" الّذين يؤمنون قادرون على إخراج الشّياطين وشفاء كلّ أنواع الأمراض. أمّا الّذي لا يؤمن فلا يستطيع حتّى أن يسيطر على نفسه، ولا أن يتغلّب على خطاياه، لكنّه يخدمها كعبد فتعذّبه. لقد أشفق الرّبّ على الأب وقبل إيمانه وشفى ابنه. وعندما سأل التّلاميذ المعلّم: "لماذا لم نستطع نحن أن نخرجه؟"، أجابهم: "إنّ هذا الجنس لا يخرج إلّا بالصّلاة والصّوم".
بالصّوم، يختار الإنسان المآكل الّتي تساعده في جهاده الرّوحيّ الّذي يجب أن يتكامل مع تصرّفاته وأفكاره وأقواله. لذا، على الإنسان أن يحيا بالكلمة الخارجة من فم الله كما قال الرّبّ يسوع للمجرّب: "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكلّ كلمة تخرج من فم الله" (مت4: 4). بالصّوم يعلن الإنسان لذاته، بواسطة جوع جسده، أنّه يحيا لا لذاته بل لله، فيعرّف نفسه على غناها ومطلبها وغايتها. عن طريق الجسد نصبح فقراء إلى الرّوح، ونفتقر إلى المسيح، المأكل الحقيقيّ والمشرب الحيّ. الإنسان الجائع، يصبح جسده منبّهًا مرافقًا له يذكّره بغاية حياته، وبحضرة الله فيها. الجوع هو صلاة للجسد صامتة. كذلك في الصّلاة، نصوم عن الأفكار ونحدّد، عن طريق الذّهن، أنّنا نفتقر إلى الكلمة الإلهيّة، معرضين عن سواها، لأنّ الرّبّ هو الغذاء الحيّ والمنّ الحقيقيّ للذّهن البشريّ. الإنسان الّذي يحصّن ذهنه بالصّلاة وجسده بالأصوام هو كالبيت الّذي تطرد منه الشّياطين فيصبح نظيفًا ويصير بيتًا لله وهيكلًا للرّوح. إذًا، الصّلاة والصّوم يعنيان الموت الكلّيّ للذّات، وتثبيت النّفس في موقف ثقة وتواضع لا ينتظر إلّا رحمة الله، وإخضاع إرادتنا لإرادة الرّبّ، وتسليم كياننا برمّته إلى يديّ الآب.
لذلك، نحن مدعوّون إلى الجهاد سعيًا إلى بلوغ الفصح ومعاينة الله عبر فضيلتيّ الصّلاة كصوم للذّهن، والصّوم كصلاة للجسد. فمن يبلغ هذه الحالة، بنعمة الله، يستطيع طرد الشّياطين وفعل المعجزات.
يا أحبّة، كم من شياطين تتلاعب بأبناء هذا البلد وقادتهم ويجب طردها بالصّوم والصّلاة، والتّصميم والجهاد والإرادة الحسنة، وحفظ وصايا الله وتطبيقها. شياطين الكبرياء، والحسد، والمصلحة، والكراهيّة، والاستغلال، ورفض التّغيير، والاستنفاع، والاستزلام، وغيرها من الشّياطين الّتي أفسدت النّفوس وخرّبت البلد، والمؤسف أنّها ما زالت متغلغلةً وتحول دون الإصلاح والتّقدّم في عمليّة إعادة بناء هذا البلد بإدارته ومؤسّساته والمجتمع. كيف يبنى بلد وبعض أبنائه لا يؤمنون به؟ كيف يصلح مجتمع وبعض أفراده متمسّكون بمصالحهم؟ وكيف يجتثّ الفساد من إدارة ما زال الفاسدون والمفسدون يحاصرونها ولا يرتدعون؟
صلاتنا في هذه الأيّام الصّياميّة أن يعود الجميع إلى ذواتهم ويتأمّلوا في خصائلهم ويصلحوا ما قد فسد وأنتن، وأن يتنبّه المسؤولون إلى كلّ خطوة يقومون بها كي لا يتعثّروا فتتوقّف المسيرة.
"إنّ ابن البشر يسلّم إلى أيدي النّاس فيقتلونه وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثّالث". بلدنا أسلم ونكّل به وقتل مرّات ومرّات، وهو بحاجة إلى دم جديد، وذهنيّة جديدة، ورؤية عصريّة. صلاتنا نرفعها مع كلّ الأمناء لهذا البلد كي يوفّق الله حكّام هذا البلد في مسيرتهم التّغييريّة، وأن تكون قيامته قريبةً، آمين."