لبنان
09 آذار 2026, 06:55

عوده: في هذه اللّحظة المصيريّة علينا جميعًا إظهار صدق انتمائنا لوطننا وأمانتنا له

تيلي لوميار/ نورسات
إحتفل متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس الياس عوده، صباح الأحد، بقدّاس الأحد الثّاني من الصّوم الكبير الّذي تتناول فيه الكنيسة الأرثوذكسيّة إنجيل شفاء المخلّع، محييًا كذلك تذكار القدّيس غريغوريوس بالاماس.

وبعد الإنجيل المقدّس، كانت لعوده عظة تأمّل فيها بالإنجيل كما يورده الإنجيليّ مرقس، وتوقّف عند تذكار القدّيس غريغوريوس بالاماس، كما عند الوضع الرّاهن في لبنان، وقال:

"أحبّائي، في الأحد الثّاني من الصّوم الكبير، إذ تقيم كنيستنا المقدّسة تذكارًا للقدّيس غريغوريوس بالاماس، تضع أمامنا إنجيل شفاء المخلّع كما يورده الإنجيليّ مرقس، مقرونًا بمقطع من الرّسالة إلى العبرانيّين. هذا التّرتيب اللّيتورجيّ هو إعلان متكامل عن سرّ شخص المسيح وعمله الخلاصيّ كما اختبرته الكنيسة، وعبّر عنه الآباء، مؤكّدين أنّ الّذي يشفي المفلوج بكلمة هو نفسه الرّبّ الخالق الأزليّ، واهب الخلاص العظيم.

دخل الرّبّ إلى كفرناحوم، فاجتمع الجمع حوله "حتّى إنّه لم يعد موضع ولا ما حول الباب". في وسط هذا الزّحام، حمل مخلّع ملقًى على سرير، عاجز عن أن يخطو خطوةً واحدةً، نحو الرّبّ يسوع. هذه الصّورة بذاتها تختصر حال الإنسان السّاقط: رغبة في اللّقاء، إنّما عجز في الحركة؛ شوق إلى الشّفاء، إنّما ثقل يشلّ الإرادة. لكنّ هذا العجز ليس نهايةً إن وجد إيمان عامل بالمحبّة. الأربعة الّذين حملوا المخلّع لم يستسلموا بل صعدوا إلى السّطح وكشفوا السّقف ودلّوا السّرير أمام المعلّم. لمّا رأى الرّبّ إيمانهم غفر خطايا المفلوج. لم يبدأ بالشّفاء الجسديّ، بل بمغفرة الخطايا. فالمرض الأعمق ليس شللًا في الأطراف، بل انكسار في الشّركة مع الله. الجسد يعاني نتيجة الخطيئة، أمّا الجذر فهو في القلب. لذلك تأتي الكلمة الأولى موجّهةً إلى الدّاخل، إلى موضع الجرح الحقيقيّ. لمّا رأى يسوع إيمانهم قال للمخلّع: "يا بنيّ مغفورة لك خطاياك". الغفران في المنظور الكتابيّ ليس إجراءً قانونيًّا مجرّدًا، بل إستعادة علاقة، وعودة إلى البيت الأبويّ.

الكتبة الجالسون هناك، عاينوا وسمعوا وقالوا في قلوبهم: "من يقدر أن يغفر الخطايا إلّا الله وحده؟". السّؤال، وإن بدا لاهوتيًّا دقيقًا، ينقلب إلى عثرة لأنّهم لم يدركوا هويّة المتكلّم. هنا، تتجلّى ضرورة الرّبط مع رسالة اليوم، الّتي تعلن عن الإبن قائلةً: "أنت يا ربّ في البدء أسّست الأرض، والسّماوات هي صنع يديك، هي تزول وأنت تبقى… أنت أنت وسنوك لن تفنى". من يقف في بيت كفرناحوم ليس مجرّد معلّم أو نبيّ، بل هو الرّبّ الّذي به كان كلّ شيء. فإن كان هو الخالق الأزليّ، فغفرانه ليس تعدّيًا على سلطان الله، بل هو ظهور سلطان الله في الجسد. إنّ الّذي يخلق من العدم هو وحده القادر أن يجدّد الخليقة السّاقطة، وأن يردّ الإنسان من موت الخطيئة إلى حياة النّعمة.

فلكي يبرهن الرّبّ يسوع أنّ له سلطانًا على الأرض أن يغفر الخطايا، يقول للمفلوج: "قم واحمل سريرك وامش". الشّفاء المنظور يصير ختمًا للحقيقة غير المنظورة. فالقيامة الجسديّة اللّحظيّة هي علامة القيامة الرّوحيّة الّتي بدأت بالغفران. هكذا، يلتقي الإعلان الخريستولوجيّ بالإعلان الخلاصيّ، أنّ المسيح هو الرّبّ الأزليّ، وخلاصه ليس وعدًا مؤجّلًا بل فعل حاضر.

رسالة اليوم لا تكتفي بإعلان سموّ الإبن، بل تحذّر قائلةً: "يجب علينا أن نصغي إلى ما سمعناه إصغاءً أشدّ لئلّا يسرب من أذهاننا… فكيف نفلت نحن إن أهملنا خلاصًا عظيمًا كهذا؟". يضعنا مشهد المخلّع أمام هذا السّؤال عينه. فالخلاص موضوع أمامنا، والكلمة تقال، والنّعمة تعطى، لكن يبقى موقف الإنسان حاسمًا. الكتبة سمعوا ولم يؤمنوا؛ الجمع تعجّب ومجّد الله؛ أمّا المخلّع فدخل في اختبار شخصيّ غيّر حياته. الخطر ليس في ضعفنا، بل في الإهمال، في أن نسمع الإنجيل دون أن نسمح له بأن يخترق سقف قلوبنا.

هنا، يسطع تعليم القدّيس غريغوريوس بالاماس، الّذي شدّد على أنّ نعمة الله ليست فكرةً ولا رمزًا، بل هي قوّة إلهيّة غير مخلوقة، يشترك فيها الإنسان حقًّا من دون أن يمسّ جوهر الله غير المدرك. إنّ كلمة "قم" الّتي قالها المسيح للمخلّع لم تكن مجرّد أمر خارجيّ، بل كانت فعلًا إلهيًّا محييًا. الرّبّ لا يعلن الغفران فقط، بل يسكب نعمته الّتي تجدّد الكيان. هذا هو سرّ الحياة الرّوحيّة في الكنيسة، حيث يبقى الله في جوهره ساميًا، لكنّه يشركنا في نوره وفعله وحياته.

من هذا المنظور، يصير الصّوم زمن انفتاح على هذه النّعمة. إنّ كشف السّقف في الرّواية الإنجيليّة يمكن أن يقرأ قراءةً نسكيّةً. فالسّقف هو ما يغلق القلب ويمنع النّور من الدّخول؛ هو اعتياد الخطيئة، أو قساوة الفكر، أو الاكتفاء بالتّقوى الظّاهريّة. بالجهاد والصّلاة والتّوبة نزيل هذا الحاجز، أيّ بتجاوبنا مع عمل النّعمة لا بقوّتنا الخاصّة. فالخلاص، بحسب تعليم الآباء، هو ثمرة تآزر بين نعمة الله وحرّيّة الإنسان. المخلّع لم يمش من ذاته، لكنّه لم يرفض أن يحمل، ولم يمتنع عن الاستجابة حين قال له يسوع "قم".

الّذي كان يحمل صار حاملًا سريره، وخرج أمام الجميع. السّرير، الّذي كان علامة عجزه، صار شهادةً لقوّة الله. هذا التّحوّل هو صورة القيامة الّتي يعملها المسيح في كلّ تائب. إنّ الّذي "أسّس الأرض في البدء" يؤسّس فينا إنسانًا جديدًا؛ والّذي "سنوه لن تفنى" يمنحنا ثباتًا يتخطّى تقلّبات هذا الدّهر. الملائكة، كما تقول الرّسالة، "أرواح خادمة ترسل للخدمة من أجل الّذين سيرثون الخلاص"، أمّا نحن فمدعوّون إلى ما هو أعظم من خدمة خارجيّة، نحن مدعوّون إلى شركة حياة مع الرّبّ نفسه.

يا أحبّة، الإنسان يهتمّ أوّلًا بشفاء آلامه الجسديّة، لكنّه إن لم يحصل على السّلام الدّاخليّ، الّذي هو نتيجة التّخلّص من الخطايا، لن يقوده شفاء الجسد إلى الملكوت. المهمّ أن يخلّص الإنسان نفسه قبل جسده، وكلّنا مخلّعون نفسيًّا، تحكمنا الشّهوات وحبّ المال وابتغاء السّلطة وغيرها من الخطايا الّتي تبعدنا عن الله. يقول القدّيس غريغوريوس بالاماس أنّ كثيرين تمنعهم حقولهم أو زيجاتهم أو اهتماماتهم المختلفة من المجيء إلى الرّبّ كما فعل مخلّع اليوم، الّذي امتلك الإرادة والإيمان، والرّبّ الّذي نظر إليه بعين الرّحمة وأعطاه ما هو أبعد من شفاء الجسد، أيّ مغفرة الخطايا، لا بدّ أن ينظر إلينا إن أبدينا رغبةً صادقةً وإيمانًا كبيرًا، فيخلّصنا من إعاقاتنا الجسديّة والرّوحيّة، قاهرًا الخطيئة، وماحقًا الشّرّير وسلطانه.

الخطيئة ما زالت فاعلةً في عالمنا حتّى اليوم، ووطننا ما زال يعاني من مفاعيلها، لأنّ هناك من يؤثر البقاء تحت سلطانها طوعًا، فيعيث في الأرض فسادًا وخرابًا وبؤسًا وموتًا. بعض اللّبنانيّين لم يتّعظوا من دروس الكوارث الّتي استجلبت بأخطائهم المتكرّرة، وسوء تقديرهم ودرايتهم، فولّدت الدّمار والموت والخراب. أليس ضروريًّا أن تتعالى السّياسة على المصلحة، وأن تتلاقى مع المسؤوليّة الوطنيّة والأخلاقيّة لكي لا تكون وبالًا قاتلًا؟ 

أملنا أن يستيقظ الضّمير، وأن يصحو حسّ المسؤوليّة عند الجميع، كي يعملوا على إبعاد كأس الموت والتّدمير والتّهجير عن لبنان وأبنائه، وأن نلمس جدّيّة الحكّام في تطبيق القوانين، بجرأة وعزم، على الجميع، بغية صون البلد، ومنع كلّ خروج على قوانينه، أو تعدّ على سيادته وحرّيّة أبنائه وأمنهم وسلامتهم.

في هذه اللّحظة المصيريّة علينا جميعًا إظهار صدق انتمائنا لوطننا، وأمانتنا له، والالتفاف حول حكّامنا وجيشنا، والعمل معًا من أجل درء كلّ خطر يتربّص ببلدنا، وصون وحدته، والحفاظ على سيادته وأمنه واستقراره، سائلين الرّبّ الإله أن يحمي لبنان واللّبنانيّين.

اليوم، إذ نكرّم القدّيس غريغوريوس بالاماس، لا نحتفل بذكرى تاريخيّة فحسب، بل نعلن إيمان الكنيسة بأنّ النّور الّذي أشرق في وجه المسيح لا يزال يشرق في قلوب المؤمنين. إنّ شفاء المخلّع ليس حادثةً من الماضي، بل أيقونة دائمة لعمل الله في العالم. فلننتبه إذًا لئلّا نفوّت الخلاص. وليكن إيماننا مقرونًا بالأعمال، حاملين بعضنا بعضًا في الصّلاة، كاشفين سقف قلوبنا أمام الرّبّ، طالبين قبل كلّ شيء غفران الخطايا. وعندما نسمع الكلمة الإلهيّة "قم"، فلننهض بقوّة النّعمة، سائرين في درب الصّوم نحو الفصح، آمين."