عوده في عيد دخول المسيح إلى الهيكل: هذا العيد يدعونا إلى لقاء حقيقيّ يغيّر الفكر ويجدّد الإرادة ويقدّس الحياة
وللمناسبة، كانت له عظة تمحورت حول "عيد اللّقاء" هذا، وقال: "أحبّائي، نحتفل اليوم بعيد دخول ربّنا وإلهنا ومخلّصنا يسوع المسيح إلى الهيكل. تسمّي الكنيسة هذا العيد "عيد اللّقاء"، إذ فيه تمّ اللّقاء بين العهدين القديم والجديد، بين الرّجاء الّذي عاشه الآباء والأنبياء قرونًا طويلةً، وبين الخلاص الّذي ظهر الآن في ملء الزّمان. إنّه عيد لا يقتصر على حدث تاريخيّ مضى، بل يكشف سرّ التّدبير الخلاصيّ، ويضعنا نحن أيضًا أمام السّؤال عن اللّقاء الحقيقيّ مع الرّبّ في حياتنا اليوميّة.
بعد أربعين يومًا من ميلاد الرّبّ بالجسد، أتى به يوسف البارّ ومريم العذراء إلى الهيكل، ليقدّماه للرّبّ كما هو مكتوب في ناموس الرّبّ (لو22:2-23). واضع النّاموس نفسه يخضع للنّاموس، لا عن اضطرار، بل عن محبّة وطاعة. لم يكن محتاجًا إلى تطهير، ولا إلى تقدمة، لكنّه شاء أن يدخل في واقعنا البشريّ بكلّ أبعاده، ليقدّس الطّبيعة الإنسانيّة من الدّاخل. يقول القدّيس كيرلّس الإسكندريّ إنّ المسيح "لم يأت ليلغي النّاموس بل ليظهر غايته الحقيقيّة أيّ الخلاص والاتّحاد بالله".
الهيكل، في الكتاب المقدّس، هو موضع حضور الله، وعلامة العهد، ومكان اللّقاء بين السّماء والأرض. هذا العيد يكشف لنا انقلابًا عجيبًا في المعنى، إذ لم يعد الهيكل هو الّذي يقدّس الدّاخل إليه، بل إنّ الطّفل المحمول على ذراعيّ أمّه هو الّذي يقدّس الهيكل نفسه. يدخل الرّبّ إلى بيته، لكنّه في الحقيقة يأتي ليعلن أنّه هو الهيكل الحقيقيّ. يقول القدّيس غريغوريوس النّيصصيّ: "الهيكل احتوى من لا يسعه الكون، والذّراعان حملتا الّذي يحمل الكلّ بكلمته". في تواضع الطّفولة يختبئ مجد الله، وفي الصّمت يعلن السّرّ العظيم.
في الهيكل لا يلتقي المسيح برؤساء الكهنة أو علماء الشّريعة، بل بشيخ بارّ ونبيّة متقدّمة في الأيّام. سمعان الشّيخ هو صورة الإنسان المنتظر الّذي عاش حياته كلّها متّكئًا على وعد الله، لا على حسابات العالم. كان قد "أوحي إليه من الرّوح القدس أنّه لا يرى الموت قبل أن يعاين مسيح الرّبّ" (لو2: 26). وحين دخل الهيكل مدفوعًا بالرّوح، وحمل الطّفل بين ذراعيه، انفتحت عيناه ليعاين خلاص الله متجسّدًا فقال: "الآن تطلق عبدك أيّها السّيّد حسب قولك بسلام، لأنّ عينيّ قد أبصرتا خلاصك" (لو 2: 29–30). صرخة سمعان هذه ليست صرخة تعب أو يأس، بل صرخة اكتمال. لقد وجد معنى حياته فصار مستعدًّا للرّحيل بسلام. يرى القدّيس أثناسيوس الكبير أنّ سمعان "لم يحمل طفلًا، بل حمل الحياة نفسها"، لأنّ المسيح هو الحياة الّتي غلبت الموت.
إلى جانب سمعان تقف حنّة النّبيّة، الأرملة الّتي لم تفارق الهيكل، "متعبّدةً بالأصوام والطّلبات ليلًا ونهارًا" (لو 2: 37). إنّها صورة الكنيسة السّاهرة الّتي تنتظر الرّبّ بالصّلاة والتّوبة، وتتعرّف إليه حين يأتي في بساطة وتواضع. لم تحتفظ حنّة بالفرح لنفسها بل "حدثت عنه كلّ من كان ينتظر فداءً في أورشليمط (لو 2: 38). اللّقاء الحقيقيّ بالمسيح يتحوّل دائمًا إلى شهادة.
لكنّ هذا العيد لا يقدّم لنا فرحًا بلا عمق. فسمعان يتنبّأ أيضًا عن الألم والصّراع: «ها إنّ هذا قد جعل لسقوط وقيام كثيرين في إسرائيل، وهدفًا للمخالفة» (لو2: 34). منذ اللّحظة الأولى، يعلن أنّ المسيح سيكون موضع انقسام، لأنّ النّور يكشف الظّلمة، والحقيقة تفضح الكذب. يضيف سمعان مخاطبًا والدة الإله: "وأنت سيجوز سيف في نفسك" (لو 2: 35). إنّها نبوءة الألم الّذي سيبلغ ذروته عند الصّليب، حيث تقف الأمّ ثابتةً في إيمانها، أمينةً للنّعم الّتي نطقت بها عند البشارة.
عيد دخول السّيّد إلى الهيكل هو، قبل كلّ شيء، دعوة لنا نحن المسيحيّين. المسيح لا يريد فقط أن نحتفل به في الهيكل الحجريّ، بل أن ندعوه ليدخل إلى هيكل قلوبنا. يقول الرّسول بولس: "أما تعلمون أنّكم هيكل الله، وأنّ روح الله يسكن فيكم؟" (1كو3: 16). كثيرًا ما نكتفي بممارسات دينيّة خارجيّة، فيما يبقى القلب مغلقًا. هذا العيد يدعونا إلى لقاء حقيقيّ يغيّر الفكر ويجدّد الإرادة ويقدّس الحياة. كذلك يعلّمنا معنى الطّاعة المتواضعة في زمن يرفض الطّاعة ويمجّد الإستقلاليّة المطلقة. المسيح، وهو الحرّ بالجوهر، يخضع للنّاموس محبّةً بنا. يقول القدّيس إيريناوس: "بعصيان إنسان واحد دخل الموت، وبطاعة إنسان واحد عاد الإنسان إلى الحياة". الطّاعة المسيحيّة ليست إذلالًا، بل مشاركة في طاعة الإبن للآب، تلك الطّاعة الّتي تشفي جراح العصيان في أعماقنا.
دخول الطّفل يسوع إلى الهيكل تذكير بقدسيّة الزّمن والحياة العائليّة. الأربعون يومًا، التّقدمة، الصّلاة، كلّها تعلّمنا أنّ حياتنا اليوميّة مدعوّة لأن تعاش أمام الله. في عالم سريع ومضطرب، يدعونا هذا العيد إلى التّوقّف، وحمل المسيح على ذراعيّ الإيمان، وتقديم ذواتنا وأولادنا وأعمالنا بين يديه، واثقين بأنّه هو الّذي يقدّس ويحوّل.
أخيرًا، هذا العيد هو عيد اللّقاء الّذي يحدّد مصير الإنسان. فإمّا أن نكون مثل سمعان، ننتظر الرّبّ برجاء حيّ، فنفرح بلقائه، أو أن نكون غائبين عن الهيكل رغم حضورنا الجسديّ فيه. فلنطلب أن نكون مثل حنّة، ساهرين في الصّلاة، ومثل والدة الإله، أمناء للكلمة حتّى الألم، ومثل سمعان، مستعدّين أن نقول في كلّ مرحلة من حياتنا: "الآن تطلق عبدك أيّها السّيّد بسلام". عندئذ تصير حياتنا كلّها هيكلًا حيًّا لحضور الله، ويصير هذا العيد خبرة خلاص متجدّدةً فينا، آمين."
