عوده في الشّعانين: دخول المسيح إلى أورشليم على جحش هو إدانة صامتة لكلّ سلطة تتعالى على النّاس أو تبيدهم
بعد قراءة الإنجيل المقدّس ألقى عوده العظة التّالية:
"بإسم الآب والابن والرّوح القدس، آمين.
أحبّائي، أحد الشّعانين، يوم الدّخول الإلهيّ إلى أورشليم، ليس مجرّد ذكرى تاريخيّة، بل هو كشف لسرّ ملكوت مقاييسه مختلفة عن مقاييس هذا العالم. ففي إنجيل اليوم، وبعد أن أقام في بيت عنيا صديقه لعازر، مظهرًا سلطانه على الموت، نرى المسيح آتيًا إلى المدينة المقدّسة، لا على صهوة جواد حربيّ، محاطًا بجيوش جرّارة، دلالةً على جبروته، بل نعاينه جالسًا على جحش ابن أتان، علامة الوداعة والتّواضع، فيما الجموع تستقبله بسعف النّخيل وتهتف: "أوصنّا! مبارك الآتي باسم الرّبّ، ملك إسرائيل". يسبق هذا المشهد حدث عميق الدّلالة، هو سكب مريم الطّيب على قدميّ الرّبّ يسوع ومسحهما بشعرها، كأنّها تعلن مسبقًا أنّ هذا الملك إنّما يمضي إلى موته، وأنّ عرشه هو الصّليب.
في دخوله إلى أورشليم لا يطلب المسيح مجدًا أرضيًّا، ولا يثبّت سلطانًا سياسيًّا، بل يكشف عن ماهيّة ملكه، ملك المحبّة والبذل والتّضحية والسّلام. فهو الملك الّذي "لم يأت ليخدم، بل ليخدم وليبذل نفسه فداءً عن كثيرين" (مر10: 45). هنا، يتجلّى التّناقض الصّارخ بين منطق الله ومنطق البشر. فالعالم يقيس العظمة بالسّلطة والغنى والنّفوذ، أمّا المسيح فيقيسها بالمحبّة المتواضعة الّتي لا تقتل بل تبذل ذاتها حتّى النّهاية.
رسالة اليوم تتمّم هذا المشهد، إذ يدعونا الرّسول بولس إلى الفرح الدّائم في الرّبّ، وإلى الوداعة والحلم الظّاهرين لجميع النّاس، لأنّ "الرّبّ قريب" وقربه الإلهيّ ليس فكرةً نظريّةً، بل هو حضور حيّ يدعو الإنسان إلى تغيير نمط حياته، وإلى العيش بحسب الحقّ والعدل والطّهارة و"كلّ صفة محبّبة" و"صيت حسن". الفرح المسيحيّ ليس هروبًا من الواقع، بل هو ثمرة الثّقة بأنّ الله حاضر وسط الضّيق، وأنّ سلامه "الّذي يفوق كلّ عقل" يحفظ القلوب والبصائر.
أيّها الأحبّة، في أحد الشّعانين نحن أمام سؤال جوهريّ: أيّ ملك ننتظر؟ وأيّة صورة عن السّلطة نحمل في أذهاننا؟ إنّ الجموع الّتي استقبلت الرّبّ يسوع كملك ظافر، كانت تتوقّع ملكًا أرضيًّا يحرّرها من الاحتلال ويبطش في الأرض، لكنّها سرعان ما خابت حين اكتشفت أنّه لا يلبّي طموحاتها. لذلك تحوّل هتاف "أوصنّا" بعد أيّام قليلة إلى "اصلبه". هكذا هو قلب الإنسان. حين يبقى أسير المصالح الضّيّقة لا يفهم سرّ الله الّذي يعمل في التّواضع والبساطة والخفاء.
لذا نخاطب اليوم بشكل خاصّ كلّ من أوكلت إليه مسؤوليّة في هذا البلد، سواء في الحكم أو القيادة أو الإدارة أو القضاء أو الخدمة العامّة. إنّ المسيح لا يدخل اليوم إلى أورشليم فقط، بل يريد أن يدخل إلى قلب كلّ مسؤول، ليعيد تعريف السّلطة في داخله. السّلطة، بحسب الإنجيل، ليست إمتيازًا يستغلّ، بل أمانة تحمل. ليست تعاليًا على النّاس، بل انحناء نحوهم. ليست ترفًا في القصور، بل مشاركة في آلام الشّعب. السّلطة خدمة وتضحية وبذل وعطاء. يقول الربّ يسوع: "من أراد أن يكون فيكم كبيرًا فليكن للجميع خادمًا، ومن أراد أن يكون فيكم أوّل فليكن للجميع عبدًا" (مر10: 43-44).كما نقرأ في سفر الأمثال: "الرّحمة والحقّ يحفظان الملك، يسند عرشه بالرّحمة" (أم20: 28) و "ارتكاب الشّرّ قبيحة عند الملوك لأنّه بالبرّ يثبّت العرش" (أم 16: 12) .
كم هو مؤلم أن يبقى الشّعب مثقلًا بالأوجاع والهموم، رازحًا تحت الضّغوط الاقتصاديّة والاجتماعيّة والأمنيّة، قلقًا على مصيره، فيما المسؤولون يكتفون بخطابات وقرارات لا تغيّر واقعًا، ولا تمسح دمعةً، ولا تطعم جائعًا، أو تردّ نازحًا إلى بيته. الأعمال هي المقياس. المسيح لم يكتف بالكلام بل نزل إلى عمق معاناة الإنسان، شفى المرضى، طهّر البرص، أطعم الجموع، أقام الموتى، بكى مع الباكين، جالس المحتقرين والمهمّشين وعزّى قلوبهم. إنّه الإله الّذي لم يبق في "قصره السّماويّ"، بل "أخلى ذاته، آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه النّاس" (في 2: 7)، لكي يرفع الإنسان من سقوطه.
من أراد أن يكون عظيمًا فليكن للجميع خادمًا، لأنّ العظمة الحقيقيّة تقاس بمدى القرب من المتألّمين، وحمل أوجاعهم وبلسمة جراحهم، تقاس بالخدمة والمحبّة الحقيقيّة الّتي لا تدين، ولا تجرّح، ولا تتعالى، ولا تحسد، ولا تتباهى، ولا تفرح بالظّلم بل تفرح بالحقّ، وتخدم، وترأف، وتحتمل، وتصبر (1كو13: 4-6 ). يذكّر آباء الكنيسة دائمًا بقول الرّبّ إنّ الرّاعي الحقيقيّ هو الّذي يعرف خرافه، ويبذل نفسه عنها، لا الّذي يختبئ عند مجيء الذّئب (يو10: 11). هذه الصّورة الإنجيليّة مرآة ودينونة لكلّ الزّعماء والمسؤولين والقادة الّذين عليهم أن يسائلوا ذواتهم عن مدى أمانتهم لواجباتهم، وتفانيهم في خدمتهم، واستقامتهم، وصدقهم في القول والفعل.
مسيحنا تنازل، تجسّد، وقبل أن يدان من الشّعب الّذي لم يعرفه. "إلى خاصّته أتى وخاصّته لم تقبله" يقول الإنجيليّ يوحنّا (1:1). قبل الهزء والصّلب والموت ليتمّ على الصّليب ذبيحة الفداء، ويحقّق غلبة الحقّ والعدل والبرّ على الظّلم والرّياء، غلبة النّور على الظّلمة ومنطق الوداعة على البطش والتّسلّط. حضور المسيح الوديع في أورشليم هو إعلان لانتصار المحبّة. فهذا المحاط بالأطفال ومساكين الأرض حضر ليقلب عروش المقتدرين الظّالمين، ويطأ منطق القوّة والاستبداد، ويعلن للجميع "إن لم ترجعوا وتصيروا كالأطفال فلن تدخلوا ملكوت السّماوات" (متّى 18: 3).
إنّ دخول المسيح إلى أورشليم على جحش هو إدانة صامتة لكلّ كبرياء بشريّ، ولكلّ سلطة تتعالى على النّاس أو تبيدهم. إنّه إعلان بأنّ الطّريق إلى المجد يمرّ عبر الاتّضاع. فالّذي يرفض أن ينحني اليوم بمحبّة، سينكسر غدًا تحت ثقل الدّينونة. أمّا الّذي يتعلّم من المسيح الوديع والمتواضع القلب، فيجد راحةً لنفسه، ويصير رسول سلام في هذا العالم المضطرب المحكوم بغريزة الإستقواء والقتل.
في المقابل، لا يعفى الشّعب نفسه من المسؤوليّة. فالإنسان مدعوّ أيضًا إلى أن ينقّي توقّعاته، وألّا يطلب من قادته ما يتعارض مع مشيئة الله. فكما أنّ المسؤول مدعوّ إلى الخدمة، كذلك الشّعب مدعوّ إلى أن يميّز بين الحقّ والباطل، وألّا ينجرّ وراء الشّعارات الفارغة. إنّ اللّقاء الحقيقيّ مع المسيح يغيّر القلب ويجعله قادرًا على التّمييز ورؤية الأمور بنور الإنجيل، لا بمنطق المصلحة الآنيّة.
يا أحبّة، ذكرى الشّعانين دعوة لنا جميعًا إلى استقبال المسيح في حياتنا، لا بسعف النّخيل فقط، بل بأعمال المحبّة والتّواضع والوداعة والرّحمة. فلنسأل أنفسنا: هل نسمح له بأن يملك على حياتنا أم نريده فقط أن يلبّي رغباتنا؟ إنّ الملكوت الّذي يعلنه المسيح يبدأ في القلب، حين نختار السّير في طريقه، طريق الصّليب الّذي يقود إلى القيامة.
فلنفرح إذًا في الرّبّ كلّ حين، كما يدعونا الرّسول بولس في رسالة اليوم، ولتكن وداعتنا معروفةً عند جميع النّاس. ولنسلّم همومنا لله بالصّلاة والشّكر، لكي يملأ سلامه قلوبنا. عندئذ، نصبح نحن أيضًا شهودًا لهذا الملك الوديع، نحمله إلى العالم بأفعالنا، معلنين أنّ منطق القوّة والحرب والقتل مرفوض، وأنّ المحبّة طريقنا، وأنّ الرّجاء لا يزال ممكنًا، لأنّ المسيح "إله السّلام"الّذي دخل إلى أورشليم، معنا، وقد فتح لنا طريق الحياة، آمين".
