عوده: بيروت لم تفقد الرّجاء ومار جاورجيوس ما زال حاميها
وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى عوده العظة التّالية: "المسيح قام من بين الأموات ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للّذين في القبور.
أحبّائي، في هذا اليوم المبارك، تقيم كنيستنا المقدّسة تذكارًا للقدّيس العظيم في الشّهداء جاورجيوس الحائز راية الظّفر، وتقودنا الكلمة الإلهيّة الّتي سمعناها من إنجيل يوحنّا إلى عمق سرّ الحياة المسيحيّة كما أعلنه الرّبّ عندما قال: "بهذا أوصيكم أن يحبّ بعضكم بعضًا. إن كان العالم يبغضكم فاعلموا أنّه قد أبغضني قبلكم" (يو 15: 17-18). فالشّهادة المسيحيّة ليست تفصيلًا في تاريخ الكنيسة، بل هي ثمرة طبيعيّة للمحبّة الحقيقيّة للمسيح، واختبار حيّ لنعمة الله الّتي تعمل في ضعف الإنسان.
يضع الرّبّ أساس الحياة الرّوحيّة في وصيّة المحبّة، لأنّ "الله محبّة" (1يو 4: 8)، ومن يثبت في المحبّة يثبت في الله. هذه المحبّة ليست كلامًا، بل صليب. لذلك يقول القدّيس إغناطيوس الأنطاكيّ: "محبّتي قد صلبت"، أيّ إنّ محبّة المسيح في قلب المؤمن تقوده إلى البذل الكامل، حتّى الموت. بهذا يتجلّى سرّ الشّهداء، وفي طليعتهم القدّيس جاورجيوس، الّذي لم يكن إيمانه مجرّد اعتقاد موروث، بل كان نارًا حيّةً أحرقت كلّ خوف في قلبه، وجعلته يختار المسيح مثالًا لحياته، وقدوةً.
في كلامه يربط الرّبّ بين المحبّة وبغضّ العالم. فحين يعيش المسيحيّ بمقتضى الحقّ والعدل والمحبّة يصبح غريبًا عن روح هذا الدّهر. يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفمّ: "لا تتعجّب إن أبغضك العالم، لأنّ حياتك توبّخه". النّور يكشف الظّلمة، لذلك تقاومه الظّلمة. هكذا عاش القدّيس جاورجيوس، جنديًّا في جيش أرضيّ، لكنّ قلبه كان منتميًا إلى الملكوت السّماويّ، فلم يساوم على الحقّ، أو يساير الباطل منكرًا الإله الحقّ.
القراءة من أعمال الرّسل الّتي سمعناها قبل قليل تظهر لنا أنّ الرّسول يواجه الاضطهاد، لكنّ الكلمة الأخيرة للرّبّ الّذي يرعى خرافه بعناية تفوق الوصف. فبطرس كان في السّجن، مقيّدًا بسلاسل، تحت حراسة مشدّدة، وكأنّ النّهاية قريبة، "وكانت الكنيسة تصلّي إلى الله من أجله بلا انقطاع". يقول القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم: "الصّلاة أقوى من السّلاسل، لأنّها تفتح السّماء". لذلك، لم يكن خروج بطرس من السّجن بواسطة ملاك الرّبّ مجرّد عمل إعجازيّ، بل كان ثمرة شركة الكنيسة مع الله، حيث يعمل الرّوح القدس، ويحوّل المستحيل إلى ممكن.
هذا عينه ما نراه في حياة القدّيس جاورجيوس. فالآلام الّتي احتملها لم تكن دليل هزيمة، بل كانت طريق مجد. يقول القدّيس باسيليوس الكبير: "إنّ الآلام الحاضرة ليست شيئًا إن قيست بالمجد العتيد أن يستعلن فينا". فكلّما اشتدّ العذاب وتضاعفت الآلام، كان إشراق النّعمة يزداد في هذا القدّيس، حتّى صار جسده المعذّب منبرًا يشهد لقوّة الله. هنا يتجلّى بوضوح أنّ الشّهادة ليست بطولةً إنسانيّةً، بل نعمة إلهيّة تعطى لمن يسلّم ذاته بالكامل للمسيح.
هذا التّرابط بين المحبّة والإضطهاد والنّعمة، يفسّر دعوة الكنيسة لنا اليوم. فنحن لسنا مدعوّين لنكرّم القدّيس جاورجيوس وحسب، بل لنحيا روحه. يقول القدّيس مكسيموس المعترف: "من أحبّ الله حقًّا، لا يفضّل شيئًا عليه". بداية الطّريق أن نضع المسيح في قلب حياتنا، لا على هامشها، وأن تكون قراراتنا وأفكارنا وعلاقاتنا منطلقةً من المحبّة الّتي أوصانا أن نحياها. هذا ما نأمل أن يتحقّق في مؤسّسات أبرشيّتنا المحروسة بالله، الّتي تتّخذ من القدّيس العظيم في الشّهداء جاورجيوس شفيعًا لها. فالعمل في المستشفى والجامعة وبيت القدّيس جاورجيوس، وفي سائر مؤسّسات الأبرشيّة، هو المكان المناسب لتجلّي هذه المحبّة، رغم كلّ الصّعوبات والإضطهادات الّتي قد تواجه من التزم العمل في حقل الرّبّ. ونحن واثقون أنّ النّعمة الإلهيّة لا بدّ أن تحضر في المكان الّذي تعمل فيه المحبّة بصدق وأمانة.
يا أحبّة، سمعنا الرّبّ في الإنجيل يقول: "إن كانوا اضطهدوني فسيضطهدونكم أنتم أيضًا". و"ليس عبد أعظم من سيّده". الكنيسة ليست فقط جماعةً مصلّيةً إنّما أيضًا جماعة تجسّد الكلمة الإلهيّة في أعمال المحبّة والرّحمة والخدمة. فلكي تكون الكلمة الإلهيّة حيّةً وفاعلةً، هي تتجسّد في المحبّة. وإن لم تتحوّل إلى فعل محبّة وخدمة تبقى مجرّد تعليم نظريّ. إلهنا لم يكتف بالكلام بل تجسّد وحمل أثقالنا ومات عنّا. هل كثير إن نحن أحببنا كما أوصانا، وجسّدنا محبّتنا خدمةً وبذلًا وعطاء؟ لهذا أنشأت الكنيسة عبر التّاريخ مؤسّسات استشفائيّةً ورعائيّةً وتربويّةً هدفها تجسيد المحبّة الّتي أوصى بها الرّبّ يسوع، والشّهادة لاسمه في هذا العالم المادّيّ المتقلّب، حيث يصبح الثّبات في الإيمان ضرورةً. فالإضطهاد اليوم قد لا يكون بالسّيف، لكنّه حاضر بأشكال أخرى كالضّغوط المعيشيّة، والإغراءات المادّيّة، والحروب والقتل والظّلم والتّشكيك والإنتقاد والمساومة. المؤمن الحقيقيّ يعيش إيمانه بصدق وصبر وثبات، رغم كلّ الضّيقات، متّكلًا على عون الله. يقول القدّيس أثناسيوس الكبير: "الله صار إنسانًا لكي يصير الإنسان إلهًا بالنّعمة"، هذا يعني أنّ قوّتنا ليست منّا، بل من النّعمة الّتي فينا. لذا، فالثّبات ليس تشدّدًا بشريًّا، بل هو اتّحاد بالمسيح الّذي يقوّينا في كلّ حين.
الشّجاعة هي ثمرة هذا الإتّحاد. الخوف يتبدّد حين يختبر الإنسان حضور الله. يقول القدّيس إسحق السّريانيّ: "من ذاق محبّة الله لا يخاف شيئًا". القدّيس جاورجيوس وقف أمام الملوك بلا رهبة، لأنّ قلبه كان ثابتًا في الرّبّ. هذه الشّجاعة ليست حكرًا على الشّهداء، بل هي دعوة لكلّ مؤمن ليكون شاهدًا للحقّ في حياته اليوميّة، في سلوكه مع الآخرين، وفي كلّ عمل يقوم به.
بهذا الرّجاء نتطلّع إلى مدينتنا الحبيبة بيروت، الّتي اتّخذت من القدّيس جاورجيوس شفيعًا لها. هذه المدينة عاشت الزّلازل والاضطهادات والحروب، وهزّها انفجار كارثيّ خلّف آلامًا، وجراحًا، وغصّةً لأنّ اهل بيروت المفجوعة لم يعرفوا بعد سبب ما حلّ بهم، والمسبّبين. لكنّ بيروت لم تفقد الرّجاء، ونحن نؤمن بأنّ هذا القدّيس الّذي غلب بقوّة المسيح، ما زال حاميها، يرفعها في صلاته أمام عرش النّعمة، ويشدّد أهلها. وكما أخرج الرّبّ بطرس من السّجن، هو قادر أن يفتح أبواب الرّجاء أمام هذه المدينة، وأن يقيمها من كلّ ضعف.
يا أحبّة، عيد القدّيس جاورجيوس ليس تذكارًا من الماضي، بل دعوة حاضرة لنعيش الإنجيل بملئه: أن نحبّ حتّى النّهاية، وأن نثبت في وجه التّجارب، وأن نثق بأنّ الله يعمل فينا، وأن نعيش على رجاء القيامة. فلنطلب شفاعة هذا القدّيس العظيم، لكي يعلّمنا كيف نحمل صليبنا بفرح، ودون خوف من المضطهدين والظّالمين، وكيف نحوّل حياتنا إلى شهادة حيّة للمسيح، آمين."
