لبنان
16 آذار 2026, 07:30

عوده: الّذي يحمل الصّليب مع المسيح يعرف أنّ القيامة آتية

تيلي لوميار/ نورسات
إحتفل متروبوليت بيروت وتوابعها للرّوم الأرثوذكس الياس عوده، صباح الأحد، بالقدّاس الإلهيّ في كاتدرائيّة القدّيس جاورجيوس في وسط بيروت.

وللمناسبة، ألقى عوده عظة تمحورت حول الصّليب وقال: "أحبّائي، تضع الكنيسة أمامنا، في منتصف مسيرة الصّوم الكبير، الصّليب الكريم المحيي، ليس من أجل أن نتذكّره تاريخيًّا، بل كقوّة حياة وسرّ خلاص.ففي هذا الأحد الثّالث من الصّوم، أحد السّجود للصّليب المقدّس، تدعونا الكنيسة إلى التّأمّل في معنى الصّليب في حياتنا، مستندةً إلى كلام الرّبّ الّذي سمعناه اليوم من إنجيل مرقس: "من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني، لأنّ من أراد أن يخلّص نفسه يهلكها ومن أهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل يخلّصها". بهذه الكلمات يكشف الرّبّ يسوع أنّ طريق التّلمذة ليست طريق مجد أرضيّ أو راحة وحياة سهلة، بل هي طريق الصّليب، أيّ طريق المحبّة الباذلة نفسها من أجل الإخوة، طريق الطّاعة لله حتّى النّهاية.

الصّليب، في التّعليم المسيحيّ، ليس مجرّد أداة ألم أو معاناة، بل هو علامة المحبّة الإلهيّة. فالرّبّ لم يطلب منّا حمل الصّليب لأنّه يريد عذاب الإنسان وقد حمل هو نفسه الصّليب ودخل إلى عمق الألم البشريّ لكي يحوّل الألم إلى طريق قيامة. يقول الآباء القدّيسون إنّ المسيح حوّل الخشبة الّتي كانت أداة موت إلى شجرة حياة فصار الصّليب، الّذي كان علامة عار في العالم القديم، علامة مجد وانتصار في الكنيسة.

"من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه ويحمل صليبه ويتبعني". إنّ الصّليب الّذي نحمله قد يكون ألمًا جسديًّا، أو تجربةً روحيّةً، أو ظلمًا، أو ضيقًا في الحياة. وقد يكون صليب الأمانة للحقّ والشّهادة للإيمان في عالم تحكمه الشّرور والخطايا، عالم يقدّس القوّة ويرفض الحقّ ويقدّم المصلحة ولو على حساب الآخرين. المسيحيّ مدعوّ لعيش الإنجيل حتّى عندما يكون ذلك مكلفًا. مدعوّ لحمل وصايا يسوع أمام الملأ دون خوف. أن تنكر ذاتك وتتغرّب عن كلّ ما يظنّه الآخرون صوابًا أو ضرورةً في هذا العالم الأرضيّ، قد يجلب عليك سخرية البشر وشتائمهم. لذلك يقول الرّبّ: "ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟" (مر 8: 36). قد يربح الإنسان مالًا وسلطةً ونجاحًا، لكنّه إن فقد ابتغاء الفضائل والشّركة مع الله يكون قد خسر حياته الحقيقيّة.

تعليم رسالة اليوم يكشف لنا سرّ الرّجاء في وسط حمل الصّليب. يقول الرّسول بولس: "إذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السّماوات، يسوع ابن الله، فلنتمسّك بالاعتراف لأنّ لنا رئيس كهنة مجرّب في كلّ شيء مثلنا ما خلا الخطيئة… فلنقبل إذًا بثقة إلى عرش النّعمة لننال رحمةً، ونجد ثقةً للإغاثة في أوانها". المسيح ليس بعيدًا عن آلامنا وضيقاتنا. هو رئيس كهنة يعرف ضعفنا، لأنّه اختبر الألم والتّجربة عندما صار شبيهًا بنا في كلّ شيء ما خلا الخطيئة، وفتح لنا طريق الرّحمة. المسيح تجسّد، "أخلى نفسه آخذًا صورة عبد، صائرًا في شبه النّاس" ( في2: 7)، ولم يمجّد ذاته وهو ابن الله الوحيد، بل تواضع و"لم يأت ليخدم بل ليخدم وليبذل نفسه عن كثيرين" (متّى 20: 28)، فدعاه الآب قائلًا: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك". هكذا، يظهر المسيح كاهنًا حقيقيًّا يقدّم نفسه ذبيحةً من أجل خلاص العالم. إنّه الكاهن والذّبيحة معًا. لذلك، صليب المسيح ليس هزيمةً، بل هو الذّبيحة الّتي بها تصالح الإنسان مع الله ونال التّبنّي.

يا أحبّة، عندما نتأمّل في هذه الكلمات في زمن الصّوم، ندرك أنّ الصّوم ليس مجرّد امتناع عن الطّعام، بل هو مسيرة روحيّة نحو الصّليب والقيامة. الكنيسة تضع الصّليب في وسط الصّوم لكي تشجّعنا وتظهر لنا أنّ الطّريق الّذي نسلكه ليس طريقًا عقيمًا، بل طريق حياة. فكما يستريح المسافر في الصّحراء في ظلّ شجرة، كذلك يستريح المؤمن في ظلّ الصّليب في منتصف الصّوم.

كلام الإنجيل قريب جدًّا من حياتنا في لبنان. فقد حمل اللّبنانيّون الصّليب طويلًا، وكم من النّاس يحملون اليوم صلبانًا ثقيلةً: الفقر، والقلق على المستقبل، والحروب والدّمار والتّهجير وفقدان الأحبّة، والخوف على الوطن. إنّ الأوجاع ليست غريبةً عن خبرة الإنسان، لكنّها قد تصبح طريق يأس إذا عاشها الإنسان وحده. أمّا عندما تحمل مع المسيح، فإنّها تتحوّل إلى طريق رجاء. ربّنا يسوع المسيح عاش الآلام والصّلب والهزء والموت لكنّه غلب الموت والجحيم وقام من القبر واهبًا جنس البشر الحياة والخلاص. هذه الحقيقة تعزّي المتألّمين وتخفّف كلّ ألم وحزن ويأس نمّرّ به لأنّ لكلّ شيء نهاية، ونحن واثقون أنّ الرّبّ يسوع لا يهمل خليقته ولا يخذل المتّكلين عليه وهو القائل "ثقوا، أنا قد غلبت العالم" (يو16: 33).

إنّ الصّليب الّذي يحمله المسيحيّ ليس استسلامًا للألم، بل شهادة إيمان. فالّذي يحمل الصّليب مع المسيح يعرف أنّ القيامة آتية. لذلك يقول الآباء إنّ الصّليب هو رجاء الكنيسة ومجد المؤمنين. حين يسجد المؤمن للصّليب لا يسجد للألم، بل للمحبّة الّتي ظهرت على الصّليب، لمحبّة الله الّذي بذل نفسه من أجل خلاص العالم. لذلك تدعونا الكنيسة، فيما هي تكرّم الصّليب في الأحد الثّالث من الصّوم، إلى أن يكون صومنا انخراطًا في المحبّة الّتي تجلّت على الصّليب، وتكثيفًا لهذه المحبّة الّتي تنتصر على الشّرّ والظّلم والحقد والكبرياء، وعلى كلّ الآفات الّتي تحكم هذا العالم.

السّجود للصّليب اليوم ليس مجرّد طقس ليتورجيّ، بل إعلان إيمان. عندما ننحني أمام الصّليب نعلن أنّ قوّة الله تظهر في الضّعف، وأنّ الحياة تولد من الموت. لذلك، رأت الكنيسة في الصّليب عرش الملك السّماويّ. فالّذي صلب عليه هو نفسه الّذي قال في نهاية إنجيل اليوم: "إنّ قومًا من القائمين ههنا لا يذوقون الموت حتّى يروا ملكوت اللّه قد أتى بقوّة". ملكوت الله يبدأ منذ الآن، في قلب الإنسان الّذي يحمل صليبه ويتبع المسيح تاركًا كلّ مغريات العالم وآفاته وراءه. لذلك، تدعونا الكنيسة اليوم إلى تجديد التزامنا الرّوحيّ: أن نحمل صليبنا بالصّبر والإيمان في عالم مادّيّ متقلّب، وأن نحافظ على الرّجاء في وسط الظّلمة. إنّ العالم قد يرى في الصّليب علامة ضعف، لكنّ الإيمان يرى فيه علامة خلاص، ومن يسير خلف المسيح في طريق الصّليب يصل معه إلى فرح القيامة.

فلنسجد اليوم للصّليب الكريم طالبين قوّةً من الرّبّ لكي نحمل صلبان حياتنا بإيمان وثبات ورجاء. ولنتذكّر أنّ المسيح الّذي دعانا إلى حمل الصّليب هو نفسه يسير معنا في الطّريق. هو رئيس الكهنة الرّحوم الّذي يعضد ضعفنا ويهبنا نعمته. ومعه يصبح الألم طريق خلاص، والصّليب باب القيامة والحياة الأبديّة، آمين."