شبيبة كندا الموارنة متجذّرون في المسيح والتّقاليد والمطران تابت: جذورنا راسخة في هويّتنا
ولكن ماذا في تفاصيل هذا المؤتمر؟
الإفتتاح، كان بكلمة للمطران تابت، رحّب فيها بالمشاركين قائلًا: "اليوم لا يمثّل مجرّد افتتاح لفعاليّة أو مناسبة، بل يشكّل بداية لقاء جديد، لقاء بين الأجيال والخبرات والأفكار والطّموحات. والأهمّ من ذلك، هو لقاء مع هويّتنا: من نحن كموارنة، وككنديّين من أصل لبنانيّ، وكشباب يعيشون في عالم سريع التّغيّر، مع محافظتهم في الوقت نفسه على ارتباطهم بجذورهم. بالنّسبة إلى كثيرين منّا، تسير الحياة بوتيرة متسارعة. نبني مسيراتنا المهنيّة، نتابع دراساتنا، نصنع الفرص، ونتأقلم مع مجتمعات تتطوّر باستمرار. وفي خضمّ هذه السّرعة، تصبح اللّقاءات كهذا المؤتمر أمرًا أساسيًّا، لأنّها تمنحنا فرصة للتّوقّف والتّأمّل في القيم الّتي شكّلت شخصيّتنا: الإيمان، العائلة، الصّمود، الضّيافة، الخدمة، التّراث وروح الجماعة.
هذه القيم ليست مجرّد تقاليد ورثناها عن أهلنا وأجدادنا، بل هي مبادئ حيّة ما زالت ترشدنا حتّى اليوم. فهي تؤثّر في طريقة قيادتنا، وتواصلنا مع الآخرين، ومواجهتنا للتّحدّيات، ومساهمتنا في المجتمع، مع بقائنا معتزّين بمن نكون وبأصولنا وانتمائنا. ولهذا السّبب، يكتسب هذا المؤتمر أهمّيّته. إنّه مهمّ لأنّ الهويّة لا يمكن أن تستمرّ عبر الذّاكرة وحدها، بل تستمرّ من خلال الجماعة، والحوار، والمشاركة. فعندما يجتمع شباب مثلكم بانفتاح وهدف مشترك، تعود الثّقافة لتنبض بالحياة. تبنى صداقات جديدة وتتبادل الخبرات، ويبدأ جيل جديد برسم معالم المستقبل. وفي حالتنا، هو يرسم مستقبل الحضور المارونيّ في كندا وخارجها.
إنّ عودتنا إلى هاليفاكس للمرّة الثّانية ليست صدفة، بل خيار مقصود. ففي عام 2017، استقبلنا هنا بكرم ودفء وأصالة، وعشنا لحظات لا تنسى من التّواصل والتّأمّل، وأدركنا أنّ مجتمعنا، حتّى بعيدًا عن لبنان، قادر على خلق مساحات يزدهر فيها الإيمان والثّقافة والانتماء معًا. وتحمل هاليفاكس بحدّ ذاتها رمزيّة جميلة لهذا المؤتمر، إذ نشهد فيها كيف تواصل الأجيال اللّبنانيّة المارونيّة الثّانية والثّالثة الحفاظ على إيمانها وتقاليدها العائليّة. كما نكرّم اليوم تضحيات العديد من الآباء والأمّهات، والأجداد والجدّات، الّذين عملوا بلا كلل للحفاظ على هويّتنا وبناء جماعاتنا الرّعويّة أينما استقرّوا في كندا، من مونتريال إلى أوتاوا العاصمة، إلى تورونتو، وميسيساغا، وماركهام، ونياغرا، ولندن– أونتاريو، وليمنغتون، وويندسور وأولد كاسل، إلى إدمونتون، وكالغاري، وفانكوفر، وفيكتوريا، وفريدريكتون، ومونكتون، وشارلوت تاون، وصولًا إلى هاليفاكس حيث نجتمع اليوم.
إنّ هذا الأسبوع سيمنحنا أيضًا فرصة للاستماع إلى شخصيّات ملهمة وخوض حوارات مهمّة. ويشرّفنا أن نستضيف ثلاثة متحدّثين مميّزين، حاكم جزيرة الأمير إدوارد الدّكتور وسيم سلامون والوكيل العامّ والرّئيس الحاليّ لدير مار أشعيا في روما الرّاهب الأنطونيّ الأب يوسف شديد، والرّئيسة التّنفيذيّة السّابقة لشركة CISCO Canada والمسؤولة العالميّة السّابقة لقنوات Dell .Technologie رولا داغر، الّذين سيحفّزوننا ويشجّعوننا ويلهموننا من خلال مواضيع تعبّر مباشرة عن واقع الشّباب الّذين يعيشون في عالم يفتقر إلى المعايير والثّوابت. وأتوجّه إليهم بالشّكر باسمكم جميعًا على تخصيص وقتهم ليكونوا معنا.
خلال هذا المؤتمر أشجّع كلّ واحد منكم، ليس فقط على الاستماع، بل أيضًا على المشاركة. تحدّثوا مع أشخاص جدد، شاركوا قصصكم، اطرحوا الأسئلة، وابنوا علاقات جديدة. فمستقبل مجتمعنا لا يبنى فقط عبر الكلمات أو البرامج، بل عبر العلاقات الإنسانيّة. أمّا إلى داعمينا، ولاسيّما شركة WMFares ممثّلة بسعادة القنصل الفخريّ لنوفا سكوشا السّيّد وديع فارس، والسّيّد موريس فارس المدير التّنفيذيّ للشّركة، الموجودين معنا اليوم، فكلّ الشّكر لكم. إنّ سخاءكم ودعمكم الثّابت ساهما بشكل كبير في إنجاح هذا المؤتمر. ولإكليروسنا والمشاركين جميعًا شكرًا لدعمكم وحضوركم. وإليك يا أبونا عيد، وإلى المنظّمين والمتطوّعين في رعيّة سيّدة لبنان، لاسيّما فريدي دياب وأنتوني فخري، شكرًا على السّاعات الطّويلة والتّفاني والشّغف الّذي بذلتموه لجعل هذا اللّقاء ممكنًا. فمثل هذه المناسبات لا تحدث بالصّدفة، بل لأنّها ثمرة إيمان عميق بأهمّيّة الجماعة ودور الشّباب فيها. وأخيرًا، إلى كلّ مشارك موجود معنا اليوم شكرًا لحضوركم. وجودكم مهمّ، وصوتكم مهمّ، وهويّتكم مهمّة. ليكن هذا المؤتمر فرصة لتعزيز إيماننا، وتعميق اعتزازنا بثقافتنا، وإلهام قيادة ذات معنى، وتذكيرنا بأنّه أينما أخذتنا الحياة، فإنّ جذورنا تبقى راسخة في هويّتنا".
بعد الافتتاح، انطلقت فعاليّات المؤتمر الّتي تنوّعت بين النّشاط الرّوحيّ والصّلاة والإرشاد والتّأمّل والنّشاطات الثّقافيّة والاجتماعيّة، وورش العمل، وجلسات حواريّة إرشاديّة.
أمّا الختام فكان بقدّاس إلهيّ ترأّس المطران تابت في رعيّة سيّدة لبنان في هاليفاكس، عاونه فيه لفيف من كهنة الرّعايا المنتشرة في مختلف المناطق الكنديّة.
وبعد الانجيل المقدّس ألقى المطران تابت عظة تمحورت حول وصيّة يسوع لتلاميذه: "أحبّوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم. وهكذا يعرف العالم أنّكم تلاميذي"، وقال: "لم يقل المسيح إنّ العالم سيعرفكم من خلال انتماءاتكم، أو لغتكم، أو نجاحاتكم، أو حتّى من خلال صلواتكم فقط، بل قال إنّ العلامة الحقيقيّة هي المحبّة. والمحبّة الّتي يتحدّث عنها الرّبّ ليست كلامًا جميلًا يقال، بل حياة تعاش، وتضحية، وقبول للآخر، ومسامحة، وخدمة، ووفاء. أنتم، أيّها الأحبّة، تعيشون في مجتمع واسع ومتعدّد الثّقافات، وفي عالم يدفع الإنسان أحيانًا إلى الفرديّة والانغلاق والبحث عن الذّات فقط. لكن دعوتكم كمسيحيّين وكشبيبة مارونيّة هي أن تكونوا شهودًا لمحبّة المسيح في جامعاتكم، وفي بيوتكم، وفي صداقاتكم، وفي مجتمعكم الكنديّ الّذي يحتضنكم. المحبّة الّتي يريدها المسيح ليست ضعفًا، بل قوّة. هي القدرة على أن نقف إلى جانب المتألّم، وأن نحترم المختلف، وأن نساعد من يحتاج، وأن نرفع بدلًا من أن نهدم، وأن نزرع رجاء بدلًا من الخوف والانقسام. وفي زمن الانقسامات والصّراعات والكراهيّة الّتي يعيشها عالمنا، يحتاج النّاس إلى أن يروا فيكم صورة مختلفة؛ صورة الشّابّ المؤمن الّذي ينجح من دون أن يفقد قيمه، والّذي ينفتح على العالم من دون أن يذوب فيه، والّذي يحمل هويّته اللّبنانيّة والمارونيّة بروح محبّة لا بروح تعصّب. أحبّائي، لا تسمحوا للانقسامات أن تدخل بينكم، ولا للغربة أن تبعدكم عن بعضكم البعض، ولا لسرعة هذا العالم أن تفقدكم دفء العلاقات الإنسانيّة الحقيقيّة. كونوا قريبين من بعضكم بعض، من عائلاتكم، من كنيستكم، ومن كلّ إنسان يحتاج إلى كلمة طيّبة أو حضور صادق. بهذا فقط يعرف العالم أنّكم أبناء المسيح، وتلاميذه الحقيقيّون".
ودعا الشباب المارونيّ المنتشر في مختلف أنحاء العالم، لاسيّما في كندا، إلى "وقفة تأمّل في ما يعنيه انتماؤهم إلى لبنان الحبيب، وطن الأجداد والآباء"، وقال: "أحيّيكم من القلب، وأنتم الّذين تحملون في وجدانكم جذورًا ضاربة في أرض الأرز، وأجنحة تمتدّ في سماء كندا الرّحبة. أنتم لستم مجرّد جيل مهاجر، بل أنتم رسالة حيّة، وجسر بين وطن تألّم كثيرًا، ولا يزال، ووطن منحكم الفرصة لتصنعوا مستقبلكم.
أدعوكم أوّلًا إلى التّمسّك بإيمانكم، لأنّه البوصلة الّتي تحفظ مسيرتكم في عالم سريع التّغيّر. لا تدعوا الغربة تضعف انتماءكم الرّوحيّ، بل اجعلوا من كنائسكم ومساحاتكم الكنسيّة مكان لقاء حيّ مع المسيح، الّذي يرافقكم في كلّ خطوة. كما أدعوكم إلى الحفاظ على هويّتكم اللّبنانيّة، لا كحنين إلى الماضي فحسب، بل كمسؤوليّة تجاه المستقبل. لغتكم، ثقافتكم، تقاليدكم، ليست تفاصيل عابرة، بل هي جزء من رسالتكم في هذا المجتمع المتعدّد، حيث يمكنكم أن تكونوا شهودًا للقيم الّتي نشأتم عليها، وهي: المحبّة، العائلة، التّضامن والانفتاح.
أوصيكم ألّا تنسوا وطنكم الأمّ، لبنان، الّذي يحتاج إليكم اليوم أكثر من أيّ وقت مضى. قد لا تكونون فيه جسديًّا، لكن حضوركم في دعائكم، وفي مبادراتكم، وفي نجاحاتكم، يشكّل دعمًا حقيقيًّا له. كونوا سفراء له بأخلاقكم وعلمكم والتزامكم. وتعلّقكم بتراث الأجداد والآباء وقدّيسي لبنان. أنتم رجاء الكنيسة، وأنتم طاقتها المتجدّدة. لا تخافوا من التّحدّيات، بل واجهوها بإيمان حيّ، وعقل منفتح، وقلب مفعم بالرّجاء. المستقبل يبنى بكم، ومن خلالكم. أرافقكم دائمًا بصلاتي وبركتي حيثما كنتم، وأطلب من الرّبّ أن يحفظكم ويقود خطواتكم، لتكونوا نورًا للعالم حيثما وجدتم وملحًا لهذه الأرض".
