ساكو في رسالة الصّوم: معًا نحو التّوبة والاهتداء في الصّوم الكبير
"في هذه الرّسالة الرّاعويّة المقتضبة، أحاول أن أقدّم للمؤمنين، بعضَ محاورٍ أساسيّة لزمن الصّوم الكبير، للتّفكير والتّأمّل، والمصالحة مع الذّات، والتّجديد الرّوحيّ والإنسانيّ. الصّوم ليس انقطاعًا مادّيًّا عن الطّعام فحسب، بل هو مساحةٌ لنتحاور مع أعماق ذاتنا، للاهتداء الملموس، والتماس الغفران وتطهير النّفس، لنكون قدر الإمكان: "كاملين قُدّام الرّبَّ الهِنا" (تثنية الاشتراع 18/13)، الصّومُ عبورٌ (فصحٌ) من الخطيئة إلى النّعمة، استعدادًا للاحتفال بعيد قيامة المسيح، بحماسةٍ وتركيزٍ وبهجة، وإلّا يبقى ممارسةً جوفاء.
܀ الصّوم زمنٌ لترسيخ الإيمان، وتعزيز معنى وجودنا، ومُشاركة الحياة مع الله: "كلمتك مصباحٌ لخُطاي ونورٌ لسبيلي"(مزمور 119/105). الإيمان ليس بالشّعارات، ولا ينحصر عندما نصلّي في الكنيسة فقط، بل يجب أن نجسّده خارجها، ونعبّر عنه بأفعالٍ ملموسةٍ وبقلوبٍ منفتحةٍ، وعقولٍ متفاعلةٍ، لنتمكّن من تقديم شهادةِ إيمانٍ مؤثِّرة.
܀ الصّوم مساحة للتّوبة، يعدُّها اسحق النّينويّ (القرن السّابع)ولادة ثانية:"التّوبةُ ميلادٌ ثانٍ من الله، وما تلقّيناه في العماد عربونه. بالتّوبة نأخذ عطيَّتهُ. التّوبةُ بابُ الرّحمة المفتوح لكلِّ الّذين يريدونه، فيجدون الرّحمة الإلهيّة"(الطّريقة ص 250).الصّوم زمنٌ لمراجعةِ الذّات أمام الله، لتطهيرها من كلّ ما يُلوِّثُها، وترميم ما تَهدَّم في العلاقات، وشفائها بالتماس الغفران من الله على خطايانا، ومِمَّن أسأنا إليهم، والصّفح لمن أساء إلينا تطبيقًا للصّلاة الّتي نتلوها يوميًّا مرّات ومرّات: "أغفر لنا كما نحن نغفر لمن أخطأ إلينا"(متّى6/12).طلب المعذرة ليس ضعفًا، بل قوّة يَمتلكها الشّجعان فقط.وبهذه المناسبة، أدعو جميع الّذين ينشرون عن الإكليروس (خدّام الكنيسة) انتقادات عارية عن الصّحّة، إنّما جهلًا (قصّة سِفْرِ يونان والهويّة الكلدانيّة)، أو انتقامًا لأنّهم لا يتبنّون آراءَهم أو لأنّهم يريدونه على مقاسهم، أو طمعَا بالمال المدفوع لهم من جهات معادية للكنيسة، ليعودوا إلى ضميرهم، ويكفّوا عن كتاباتهم الهدّامة عبر الجيوش الإلكترونيّة.إنّها لحظة وعي للتّغيير الإيجابيّ وللحصول على السّلام الدّاخليّ والفرح الغامر، للأسف غدًا الانتقاد ظاهرة (موظة) ولا علاقة له بالنّقد الواعي للإصلاح.يقول يسوع: "طوبى لأطهار القلوب فإنّهم يشاهدون الله"(متّى 5/8).
܀ الصّوم زمنٌ للصّلاة الشّخصيّة والجماعيَّة في الكنيسة ومعها، خصوصًا المشاركة في القدّاس. الصّلاة تُغَيّرنا من الدّاخل، وتُنوّرنا لنتصرّف بشكل صحيح. هذا التّغيير يتمّ بالانتباه إلى الكلمات وتجسيدِها، بحيث تصبح الأحداث والكائنات صورًا لحياةٍ أعمق وعلاقةٍ تصوّفيّةٍ عاليةmystical.. الصّلاة تمنحنا قوّةً للالتزام بإيماننا وسطَ تحدّيات الحياة المتنوّعة، وتُمِكِّننا من تحويل الألم إلى الأمل:"ليكن كلُّ شيءٍ فيّ حسب كلمتك"(لوقا1/38).
܀ الصّوم زمنٌ للتّأمّل في محطّات حياةِ المسيح، والإصغاء إلى أقواله كما وردت في الإنجيل بانتباه، لاكتشاف معناها وعلاقتها بحياتنا. نأخذ منه بدهشة ما ينقصنا، ونضيفه إلينا لكي نتحوّل إلى صورة المسيح ومثاله.هذه المحطّات تفتح أمامنا آفاقًا جديدة لتحوّلات روحيّة وإنسانيّة وأخلاقيّة عميقة. هذا الاقتداء بالمسيح جعل العديد من المسيحيّين يَبذلون حياتهم من أجله في الاستشهاد.يقول يسوع بكلّ وضوح لنيقوديموس ولنا "لا يمكن لأحد أن يلتحق بي إلّا إذا ولد من الماء والرّوح"(يوحنّا 3/ 3 – 5).هذا هو تعليمه."ليُضيء نورُ إيمانِكم على النّاس" (متّى 5/ 16).
܀ الصّوم مساحةٌ لخدمة الفقراء بفاعليّة أكبر.نصوم لكي نوفّر المال لعمل الخير، لمساعدة إخوتنا المحتاجين مباشرة أو بواسطة كنيستنا الرّعويّة، وليس لصرفه على أنفسنا في عيد القيامة! يقول يسوع: كلّ ما فعلتموه لواحدٍ من إخوتي هولاء الصّغار، فلي قد فعلتموه (متّى 25/40).
܀ في ظلِّ الظّروف الإقليميّة والعالميّة المحمومة وغير المسبوقة، لنصلِّ بثقة من أجل السّلام وانتهاء الصّراعات والحروب المدمّرة. لنطلب ذلك من الرّب الّذي وعدنا: "كلّ ما تطلبونه من الآب باسمي يُعطيكم إيّاه" (يوحنّا 16/23).
أسأل الرّبّ أن يباركنا جميعًا ليغدو هذا الزّمن اللّيتورجيّ المميّز بداية ممتازة freshe start ومساحة بهيّة للتّقدّم الرّوحيّ والإنسانيّ."
