رسالة الأباتي بو رعد في عيد مار أنطونيوس الكبير
1- في ختام هذه السّنة البوبيليّة الّتي كنّا فيها "فرحين في الرّجاء"، كلّنا رجاء أنّ ما أشعلته فينا هذه الذّكرى الفرحة من رعيّة في تعزيز أمانتنا لدعوتنا ولرسالتنا وللآباء، آيل إلى التّأجّج والاستمرار. نختتمها معكم يا أبناء عائلتنا التّربويّة الأنطونيّة باتقباس بعض الأضواء من وجه مار أنطونيوس النّيّر، شفيعنا وصاحب العيد. ومن إرثه الرّوحيّ الغنيّ. فمن مثله نتعلّم، ومن مسيرته نستلهم قيمًا تفيدنا في أداء واجبنا التّربويّ الشّيّق والمضني والمقدّس.
2- إستذكرنا طيلة هذه السّنة الفائتة محطّات من تاريخ رهبانيّتنا الطّويل. إستعدناها لنشكر الله على ما منّ به علينا من نعم عابرة للعصور والأجيال. تعلّمنا الكثير من إنجازات آبائنا وإخفاقاتهم، وتعلّمنا أكثر من خفقات قلوبهم وعزمهم. إنّ إرادتهم الصّلبة المبنيّة على صخرة إيمانهم بمن دعاهم ليتعرّفوا عليه ويُعرّفوا إخوتهم به، شدّدتنا في سلوك النّهج الرّهبانيّ الّذي أرساه أنطونيوس وتأوينه.
ومن هذا المعين الّذي غرفنا منه نتطلّع معكم لنروي ظمأ تلاميذها هذه السّنة للتّعرّف أكثر فأكثر إلى الله. مصدر كلّ خير وجمال. غايتنا إبراز غنى تراثنا الأنطونيّ الرّوحيّ والثّقافيّ، فيتعزّز انتماء تلاميذها إليه ويستقون منه ما يفيدهم في رسم مستقبلهم وبناء مجتمع وبلد "يحلو العيش فيه".
3- تؤدّي رهبانيّتنا رسالتها التّربويّة من خلال شبكة ومدارس تتميّز بالعمل المشترك والشّفافيّة والوحدة في التّنوّع. لكلّ منها خصوصيّة متأتّية من بيئتها وتاريخها، غير أنّها تتوالف ضمن روحانيّة أنطونيّة تستلهم نفس كوكب الصّحراء وتعاليمه. عماد هذه الرّوحانيّة هو شغف بالمطلق دفع الشّابّ أنطونيوس إلى ترك كلّ شيء للبحث عن وجه الله والإصغاء إلى صوته في عزلة الصّحراء. وإذ بقربه من الله يقرّب النّاس منه، فأضحت الصّحراء واحة لطالبي الصّفاء والسّلام. وبذلك أصبح هذا النّاسك معلّمًا لكثيرين وملهمًا لأجيال وأجيال من الرّهبان الّذين كرّسوا حياتهم لخدمة الرّبّ والقريب. شركائنا في هذه الرّسالة السّامية.
4- همّنا اليوم، نحن الرّهبان الأنطونيّين، أن نعكس في خدمتنا هذا التّكرّس، وأن نظهر بشكل أوضح ملامح هذه الرّسالة، من خلال التّعاطي الصّادق والشّفّاف مع تلاميذنا وأهلهم وأساتذتنا والإداريّين.
ومن هذا المنطلق، نؤكّد سعينا الدّؤوب والمتواصل إلى جعل مدارسنا الأنطونيّة واحات تربويّة نتشارك فيها جميعًا مسؤوليّة إنجاح رسالتنا الواحدة. كلّ من موقعه وبحسب إمكاناته. همّنا الأوّل والاخير خلق بيئة تربويّة سليمة تسمح لشبيبتنا تنمية كفاياتهم. وتساعدهم على صقل شخصيّتهم باعتمادنا مبدأ التّربية المتكاملة.
5- وفي هذه السّنة، ينظّم مكتبنا التّربويّ فعاليّات عدّة، غايتنا تعزيز الخدمة التّربويّة المشتركة وروح التّواصل بين تلاميذنا وتقوية انتمائهم "الأنطونيّ" إلى تراث عمره من عمر الرّهبانيّة ومداه مساحة الوطن كلّه.
ولمناسبة عيد شفيعنا مار أنطونيوس حضّر مرشدو مدارسنا ملفًّا خاصًّا بصاحب العيد، ضمّنوه كتابًا عن حياته وحياة الرّهبانيّة السّابقة والحاضرة، من إعداد أخينا الأب الياس كعوي وتنسيقه، مشكورًا. وما هذه المبادرات إلّا ترجمة لرغبتنا في تعزيز الشّراكة بين الأنطونيّين، ووسيلة لإحياء هذا العيد بطريقة تعكس قيم الرّهبانيّة، عبر التّوقّف على حياة كوكب البرّيّة وترجمتها في مسار رهبانيّتنا بمؤسّساتها كافّة.
6- لا يسعنا في هذه المناسبة إلّا أن نشكر الله، مع كلّ أبناء وطننا، على تعدّد انتماءاتهم، على نعمة زيارة قداسة البابا لاون لبلدنا. لقد شرّفنا قداسته بزيارتنا في لحظة حرجة من تاريخ بلدنا، حاملًا معه بشرى سلام ومحبّة لوطننا ولمنطقتنا. وشعاره شعار السّيّد المسيح: "طوبى لفاعلي السّلام". لقد عزّى بحضوره قلوبنا وبلسم بكلماته جراحاتنا. ذكّرنا أنّنا، على ضعفنا وعلى الرّغم من كثرة إخفاقاتنا السّابقة والحاضرة، نظلّ أفضل من يشهد للسّلام في عالم اليوم.
لقد بيّن لنا بذور الرّجاء المبعثرة في حياتنا الوطنيّة، والّتي غالبًا ما نغفل عنها، وشجّعنا ألّا نستسلم لمنطق التّقوقع والانعزال ولا أن نستسهل تمجيد الذّات ومعاداة الآخر والتّعميم والتّشكيك والكراهيّة. إنّ كلامه يعنينا أكثر من غيرنا ونتلقّفه بفرح، إذ يثبّتنا في ما فُطرنا عليه نحن الأنطونيّين، وفي ما نحن عليه عازمون. فمدارسنا كانت وما تزال واحة للتّنوّع والتّعايش، ومركزًا للتّدريب على قيم السّلام والاحترام المتبادل. وإنّما السّلام الحقيقيّ، كما يعلّمنا شفيعنا أنطونيوس، هو كالحياة، هبة من الله لا يستحقّها إلّا من أعلن الحرب على "شياطين" التّكبّر وتمجيد الذّات الفارغة والكاذبة، ومن تجرّأ على الإقرار بهشاشته وضعفه وتواضع أمام الله والقريب. ومن هذا السّلام الدّاخليّ ننهض إلى لقاء الآخر بشغف وحماس، يجذبنا اختلافه ولا يخيفنا، فنكمل معًا عقد "أخوّتنا الإنسانيّة" بـ"طفولة قلب جديد" ينبض فرحًا وسلامًا.
7- أحبّائي، يعلّمنا قدّيسنا العظيم انّ جهادنا، الأوّل والأكبر، هو ضدّ هذه النّزعات الّتي تتجاذبنا فننقاد إليها صاغرين باسم الحرّيّة والشّخصيّة وتقديس خصوصيّتنا على حساب خصوصيّة الآخرين وكرامتهم. ومواجهتنا لها ليست معركة، بل إنّها حرب تدوم مدى الحياة، لا غلبة لنا فيها على "عدوّ جنسنا البشريّ" إلّا "إلى حين".
8- فمسيرة أنطونيوس العاشق لله والمقارع كلّ أنواع "الشّياطين"، وعلى الرّغم من الفارق الزّمنيّ بيننا وبينه، تمدّنا بالقوّة والعزم لمواجهة الظّروف الانتقاليّة الّتي بشهدها بلدنا والعالم، عبر الصّلاة الخاشعة، والمشاركة الفاعلة في بناء مجتمع تسوده العدالة واحترام حقوق الإنسان. كما أنّها تحثّنا على النّضال من أجل تثبيت دعائم المواطنة الحاضنة لتنوّعنا، الضّامنة لحرّيّة التّعليم ضمن الأطر القانونيّة الضّابطة لها.
9- تعالوا أعزّائي نديم، بشفاعة مار أنطونيوس، بركة يوبيل رهبانيّتنا الأنطونيّة بالسّعي وراء فرح مبنيّ على رجاء حقيقيّ متجذّر في الواقع كما هو، لا على أوهام زائلة. هلمّوا نجدّد إيماننا بعناية الله فينا وثقتنا بعضنا ببعض المبنيّة على الصّدق والصّراحة المحبّة؛ فإنّهما عربون نجاحنا في تعزيز هذه النّعم الإلهيّة في ربوعنا. أقبلوا نقارع خطابات بائعي الأوهام الرّنّانة والفارغة الّتي لا تتيح إلّا اليأس والإحباط، بالتزامنا التّربية شبيبتنا على القيم والمعرفة الّتي هي فعل رجاء بامتياز. إنّها عمل دؤوب لتغيير واقعنا البائس بالعمل على مستقبل واعد لأولادنا يبنونه بأنفسهم ومع بعضهم، متّكلين على ما نزوّدهم به اليوم وعلى ما تعلّمناه من أزماتنا المتلاحقة والمريرة.
10- أعاد الله يوبيل رهبانيّتنا وذكرى أنطونيوس عليكم وعلى تلاميذتنا الأحبّاء بالبركة والسّلام لندوم "فرحين في الرّجاء".
عيد مبارك، وكلّ عام وأنتم بخير."
