بيتسابالا من نيقوسيا: الإهتداء هو السّماح لله بأن يفاجئنا دائمًا
خلال القدّاس، كانت لبيتسابالا عظة ركّز فيها على اهتداء بولس الرّسول، شارحًا أهمّيّة الاهتداء في المسيحيّة، وقال بحسب موقع البطريركيّة الرّسميّ:
"لحظة اهتداء الرّسول بولس الّتي نحتفل بها اليوم، ليست مجرّد حديث عن الخطيئة والغفران، ولا قصّة لرجل أخطأ ثمّ عاد عن مساره، بل هي قبل كلّ شيء قصّة عن لقاء.
هذا اللّقاء لا يأتي نتيجة السّعي، بل كمفاجأة؛ ولا ينشأ من الشّكّ، بل من يقين؛ ولا يحدث في لحظة ضعف، بل في قلب يقين دينيّ كامل.
بولس لم يكن يبحث عن الله، ولم يكن يمرّ بأزمة روحيّة، ولم يفقد إيمانه أو يشعر بالبعد عن الرّبّ. بل كان مقتنعًا تمامًا بأنّه على صواب، ومؤمنًا بأنّه يخدم الله بإخلاص وغيرة وتقوى وشغف. وهناك، في قلب هذا اليقين العميق الظّاهر بلا عيب، يلتقيه الرّبّ.
وهذه حقيقة حاسمة لنا جميعًا، نحن المجتمعون هنا اليوم، على اختلاف كنائسنا وتقاليدنا ومساراتنا الرّوحيّة: الله يلتقي الإنسان ليس فقط حين يضلّ الطّريق، بل أيضًا حين يكون واثقًا من ذاته. إنّه يدخل ليس فقط إلى هشاشتنا الظّاهرة، بل إلى يقيننا الدّينيّ، إلى أطر إيماننا المحكمة، وإلى ضماناتنا الرّوحيّة.
على طريق دمشق، يسقط بولس أرضًا، لكن قبل ذلك، يسقط يقينه الدّاخليّ. فالنّور الّذي يحيط به ليس مجرّد نور مبهر، بل نور كاشف ينزع كلّ ما هو مصطنع. لا يضيء الطّريق الخارجيّ فحسب، بل يكشف نوايا القلب ودوافعه المخفيّة.
والصّوت الّذي يسمعه لا يتّهم ولا يشرح، ولا يقدّم درسًا، بل يطرح سؤالًا واحدًا بسيطًا وعميقًا: "لماذا تضطهدني؟"
لم يقل يسوع: لماذا تضطهد تلاميذي؟ ولا: لماذا تضطهد جماعتي؟ بل قال: لماذا تضطهدني؟
في هذه الكلمة تنكشف إحدى أعمق حقائق السّرّ المسيحيّ: المسيح يعرّف نفسه بجسده. يجعل نفسه حاضرًا في الكنيسة، وسط هشاشتها وجراحها، وفي حياة جميع الإخوة والأخوات.
كلّما انكسرت الشّركة، وكلّما أُستبعد أو أُهين أخ أو أخت، وكلّما جُرحت الجماعة بالكبرياء أو القسوة أو اللّامبالاة، فإنّ المسيح نفسه هو الّذي يُمسّ.
تكتسب هذه الكلمة اليوم بيننا، نحن المجتمعون في هذه الكنيسة، قوّة ودلالة خاصّتين. فعلى الرّغم من انتمائنا إلى تقاليد كنسيّة متعدّدة، تذكّرنا بأنّ الوحدة ليست مجرّد زخرفة للإيمان، بل بُعد جوهريّ من سرّ المسيح نفسه. فالإنقسامات بين المسيحيّين لا تقتصر على أبعاد تاريخيّة أو مؤسّسيّة، بل تمسّ جسد الرّبّ عينه، الّذي لا يزال يتألّم من انقسام تلاميذه.
هنا يكمن أوّل تحوّل حقيقيّ لبولس: تحوّل في فهمه لله. يكتشف أن الله ليس فكرة تُدافَع عنها، بل شخص يدعو؛ ليس عقيدة تُفرض، بل علاقة تُقبَل؛ ليس مشروعًا بشريًّا يجب حمايته، بل عطيّة تسبق كلّ جهودنا ومبادراتنا.
بعد اللّقاء مباشرة، يفقد بولس بصره. لكن هذا العمى ليس عقوبة، بل زمن نعمة. إنّه صمت ضروريّ لتتجذّر فيه كلمة الله، وظلمة خصبة يتعلّم فيها الإنسان أن يتخلّى عن نظره المحدود، وألّا يعتمد بعد الآن على قدراته وحدها.
بولس، الّذي كان قائدًا، يجب أن يقبل الآن أن يقوده الآخرون. المعلّم يصبح تلميذًا، والمرشد يتعلّم أن يثق بتوجيهات الآخرين.
وهذا العمى يخاطبنا نحن أيضًا- نحن الكنائس العريقة، الغنيّة بالتّقليد واللّيتورجيا واللّاهوت والذّاكرة. أحيانًا يسمح الرّبّ بأن تخبو أنوارنا، وأن تهتزّ يقينيّاتنا، وأن تظهر هشاشتنا وحدودنا، ليس لتفقيرنا، بل لتوجيهنا نحو ما هو أساسيّ: الاتّكال على نعمته وحدها، نعمة لا تُمتلك بل تُستقبل.
الإهتداء ليس فعلًا فرديًّا أبدًا. بولس يحتاج إلى حنانيا، يحتاج إلى من يساعده على تجاوز خوفه ويستقبله كأخ، يحتاج إلى جماعة تؤمن بأنّ نعمة الله قادرة على العمل حتّى في الظّروف الّتي تثير فيها البشريّة الشّكّ وعدم الثّقة.
وهذه رسالة قويّة بشكل خاصّ للكنيسة الّتي تعيش في أرض الحدود والتّعايش مثل قبرص. عند مفترق طرق الشّعوب والثّقافات والأديان، تمرّ الشّهادة المسيحيّة بالقدرة على الاستقبال والثّقة والاعتراف بعمل الله، حتّى خارج أنماطنا المألوفة.
ومن هنا، تنفتح كلمة الله أيضًا على حياة الشّعوب والأمم والمؤسّسات. ونوجّه تحيّة احترام للسّلطات الدّينيّة والمدنيّة والدّبلوماسيّة الحاضرة اليوم، فمشاركتكم علامة اهتمام بالبُعد الرّوحيّ للإنسان، وبالدّور الّذي لا تزال التّقاليد الدّينيّة تؤدّيه في بناء العيش المشترك.
إنّ اهتداء بولس يذكّرنا بأنّ التّغيير الحقيقيّ لا ينبع من القوّة، بل من اللّقاء؛ لا من العنف، بل من الاعتراف بالآخر؛ لا من الفرض، بل من الإصغاء الصّبور.
وفي عالم مثقل بالنّزاعات والتّوترات الجيوسياسيّة والهجرات القسريّة والجراح غير الملتحمة، تكتسب كلمة الله بعدًا إنسانيًّا وعالميًّا عميقًا. فهي تؤكّد أنّه لا سلام من دون تغيير النّظرة، ولا مصالحة تدوم إلّا عبر الاعتراف بكرامة الآخر وتاريخه وألمه.
كان بولس يظنّ أنّه يخدم الله بالمواجهة، لكنّه يكتشف أنّ خدمة الله تمرّ عبر اهتداء القلب البشريّ. وهذا ينطبق أيضًا على كلّ سياق حياتنا: فالقوانين والمؤسّسات والدّبلوماسيّة وكلّ جماعة مدعوّة ليس فقط لإدارة موازين القوى، بل لحماية ما هو إنسانيّ، وحماية الشّخص، وتعزيز العدالة والسّلام.
إنّ قبرص، الواقعة عند ملتقى القارّات والثّقافات، هي رمز بليغ لهذه الدّعوة. إنّها أرض تعرف قيمة اللّقاء، لكنّها تعرف أيضًا ثقل الانقسام، وتعلّمنا مدى هشاشة السّلام، وكم هو ضروريّ حمايته بالصّبر والحوار والمسؤوليّة المشتركة.
شخصيّة بولس- الّذي عبر البحار والحدود بلا سلاح أو سلطة، بل بقوّة الكلمة والشّهادة- تبقى مرجعًا لزمننا. يذكّرنا بأنّ مستقبل الشّعوب لا يُبنى ضدّ أحد، بل معًا، وأنّ السّلطة الحقيقيّة تولد من الخدمة.
وعندما يستعيد بولس بصره، لا ينال مكافأة، بل رسالة:
"لقد اخترتك لتعرفني وتشهد لي."
الإهتداء المسيحيّ لا ينغلق على ذاته أبدًا. فمن يلتقي بالمسيح يُرسَل دائمًا. فالإيمان ليس شيئًا نمتلكه، بل عطيّة تُعطى لكي تُشارك.
إنّ وصيّة الرّبّ القائم- "اذهبوا إلى العالم أجمع وبشّروا بالإنجيل"- لم تُعهد إلى كنيسة واحدة، بل إلى جميع التّلاميذ.
وبولس لن يعلن ذاته، ولن يعرض اختباره كغنيمة، بل سيبشّر بالمسيح المصلوب والقائم، وبحماسة وذكاء وصراع وألم، حتّى يُنفق حياته كاملة.
وبذلك، يطرح احتفال اليوم أمامنا سؤالًا مفتوحًا وشخصيًّا لكلّ واحد منّا:
ما الّذي يدعونا الرّبّ إلى التّخلّي عنه، كأفراد وككنائس؟
ما اليقينيّات الّتي يطلب منّا التّخلّي عنها لنكون أكثر إخلاصًا للإنجيل؟
وما الخطوات نحو الشّركة والمصالحة والشّهادة المشتركة الّتي ما زلنا نؤجلّها؟
الإهتداء ليس مجرّد بداية المسيرة المسيحيّة، بل هو أسلوب حياة. إنّه السّماح لله بأن يفاجئنا دائمًا، حتّى حين نظنّ أنّنا قد عرفناه.
فلنطلب اليوم ذات النّعمة الّتي أُعطيت لبولس:
لا إيمانًا مريحًا، بل إيمانًا متحوّلًا؛ لا كنائس منغلقة على ذاتها، بل جماعات في مسيرة؛ لا أن "نرى أكثر"، بل أن نرى أفضل- بعيون المسيح- لكي نكون معًا شهودًا للإنجيل، حتّى أقاصي البحر والتّاريخ."
وفي ختام القدّاس، ألقى عدد من الحاضرين كلمات أكّدوا فيها أهمّيّة هذا العيد ودلالاته الرّوحيّة في إبراز وحدة الكنيسة اللّاتينيّة وعلاقاتها المستمرة مع الكنائس الأخرى.
