سوريا
10 آذار 2016, 10:04

المنشور البطريركي بمناسبة الصوم الأربعيني المقدّس 2016

بمناسبة الصوم الأربعيني المقدّس لهذا العام 2016، أصدر قداسة سيدنا البطريرك مار إغناطيوس أفرام الثاني منشوراً بطريركياً تجدون نصّه الكامل أدناه:


نهدي البركة الرسولية والأدعية الخيرية إلى إخوتنا الأجلاء: صاحب الغبطة مار باسيليوس توماس الأوّل مفريان الهند، وأصحاب النيافة المطارنة الجزيل وقارهم، وحضرات أبنائنا الروحيين نواب الأبرشيات والخوارنة والقسوس والرهبان والراهبات والشمامسة الموقرين والشماسات الفاضلات، ولفيف أفراد شعبنا السرياني الأرثوذكسي المكرّمين، شملتهم العناية الربّانية بشفاعة السيّدة العذراء مريم والدة الإله ومار بطرس هامة الرسل وسائر الشهداء والقدّيسين، آمين.

"كنت غريباً، فآويتموني" (متى 25: 35)

بعد تفقد خواطركم العزيزة، نقول: 
[1] في عالم أصبح الأخ فيه غريباً عن أخيه، ويعيش كلّ إنسان منفرداً يبحث عمّا يصلح له دون سواه، يعيد كلّ مؤمن النظر في علاقته مع الله ومع أخيه الإنسان. فيبني بذلك ما هدمته البغضاء والأنانية بعيداً عن المصالح الشخصية والتمييز العنصري والديني والطائفي الذي يفرّق بين أبناء المجتمع الواحد الذين يشعرون أنّهم غرباء فيه. من هنا، يرسم لنا الكتاب المقدّس طريقة التعامل مع الغرباء بحسب ما يرضي الله ويسرّه.
[2] عندما استقرّ شعب الله في أرض كنعان، زادت علاقتهم مع الغرباء وبات من الضروري أن يضعوا لأنفسهم قوانين للتعامل معهم. والغريب في العهد القديم هو الذي يختلف بالإيمان، بالعِرق أو بالعمل. فالذين كانوا يعبدون الآلهة الغريبة، أي عابدو الأوثان الذين كانوا يعيشون في محيط فلسطين، كانوا غرباء بالنسبة لأبناء الإيمان، أبناء إبراهيم واسحق ويعقوب. كذلك، كان غير اليهود يُعتَبرون غرباء لأنّهم من أجناس مختلفة من الأمم. وكان معظم الغرباء يفتقرون للمهارات العمليّة لذا كانوا يعملون بالسخرة: "أما جميع الشعب الباقي، الحثيين والأموريين والفرزيين والحويين واليبوسيين الذين ليسوا من إسرائيل، من بنيهم الذين بقوا بعدهم في الأرض الذين لم يفنِهم بنو إسرائيل، فجعل سليمان عليهم سخرة إلى هذا اليوم" (2 أخ 8: 7-8). بالتالي، لم تكن حياة الغريب في تلك الفترة أمراً سهلاً، إذ لم تكن لهم سلطة أو قوّة، بل كانت حياتهم رهن رحمة بني إسرائيل عليهم. لذا، أوصى الكتاب المقدّس: "ولا تضايق الغريب فإنّكم عارفون نفس الغريب لأنّكم كنتم غرباء في أرض مصر" (خر 23: 9). ويؤكّد سفر الخروج على إيجاد نوع من المساواة بين ابن الأرض نفسها والغريب النازل فيها عندما أمر بأن يحكم بين الجميع قانون واحد: "تكون شريعة واحدة لمولود الأرض وللنزيل النازل بينكم" (خر 12: 49). 
[3] أمّا في العهد الجديد، فالربّ يسوع المسيح يتغرّب إلى عالم الإنسان عبر التجسّد. بتجسّده، يخوض السيّد المسيح تجربة جديدة في عالم غريب عن عالم اللاهوت الذي هو فيه مع الآب والروح القدس. والعالم الذي فيه تجسّد هو مكان رفضه: "جاء إلى خاصّته وخاصّته لم تقبله" (يو 1: 11). 
[4] أعطى الربّ يسوع معنىً جديداً لمفهوم الغريب حيث الغربة الحقيقية هي غربتنا عن الله بسبب الخطيئة. فالخطيئة تفصل بين الله والإنسان وتجعل الإنسان الخاطئ غريباً عن الله الكلّيّ القداسة. والعيش بحسب العالم هو خضوع للخطيئة وبالتالي غربة عن الله. إنّ المسيحيّين يعيشون على هذه الأرض ولكنّهم لا ينتمون إلى هذا العالم. فكما قال الربّ يسوع: "أنتم لستم من العالم، أنا اخترتكم من العالم، لهذا يبغضكم العالم" (يو 15: 19). وبالتالي، فالمسيحيّون هم مواطنون في ملكوت الله حيث يؤكّد السيّد المسيح: "مملكتي ليست من هذا العالم" (يو 18: 36). وبالتالي، في هذا العالم، نحن غرباء، متغرّبين عن موطننا الروحيّ الحقيقي. 
[5] نرى أنّ الكتاب المقدّس بشكل عام، والعهد الجديد بشكل خاص، يوصي باستضافة الغرباء والإحسان إليهم. ولا شكّ أنّ الغريب واللاجئ والنازح والمهاجر يحتاجون إلى اهتمام أكبر من الآخرين لأنّ معاناتهم عظيمة وحاجاتهم اليومية تفوق قدرتهم وإمكاناتهم. لذا يندرجون ضمن مَن هم بحاجة لعناية أكبر لأنّهم يعيشون ظروفاً قاسية ويتعرّضون للمخاطر خارج قراهم ومدنهم وبلادهم. 
[6] لا تعرف الكنيسة حدوداً للمحبّة، إذ علّمنا الربّ يسوع بأن "ليس لأحد حبّ أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبّائه" (يو 15: 13). والكنيسة أمّ رؤوم، ترعى أبناءها دون تمييز وتعلّمهم خدمة الغرباء واستضافتهم. منذ بداية المسيحيّة، أقام الرسل والآباء أماكن خاصّة لاستضافة الغرباء وفرزوا من الإخوة مَن يحمل هذه المسؤولية ويعتني بالضيوف والغرباء، تلبيةً لدعوة معلّمنا السماوي: "لأنّي جعت فأطعمتموني، عطشت فسقيتموني، كنت غريباً فآويتموني" (متى 25: 35). 
[7] اليوم، يتعرّض المسيحيّون في المشرق لاضطهاد جديد: قتل ودمار، طرد وتهجير قسري، بل اقتلاع من الجذور. فنرى أعداداً هائلة من الناس يتركون أرضهم مُرغَمين، يكتنفهم الخوف والقلق، ولكن يقودهم الأمل بالعيش في مكان أفضل وفي ظروف أكثر إنسانية من التي دفعتهم إلى الهجرة. مع تأكيدنا على وجوب التمسّك بأرض آبائنا وأجدادنا، ولكن في ظلّ هكذا اضطهاد، لا يسعنا إلّا أن نمدّ إليهم يد العون والوقوف إلى جانبهم، فلا يحسّوا أنّ اللامبالاة مسيطرة على الناس وحتّى على المؤمنين. وبذلك، نعيد الرجاء إلى قلوب الذين شارفوا أن يفقدوه بسبب ما يحيط بهم من عنف وجرائم.
[8] هل ننسى المطرانين الحبيبين مار غريغوريوس يوحنا إبراهيم وبولس يازجي اللذين ما زالا في أرض غربتهما بين مَن لا يعرف الله ولا يهابه ولا يحترم الإنسان؛ ندعوكم أن تصلّوا من أجل عودتهما من غربتهما.
[9] خدمة الغرباء والمهجّرين تتيح لنا الفرصة لخدمة الربّ يسوع المسيح الذي عاش يوماً النزوح حيث لم تستطع أن تجد له أمّه مسكناً يستقبله يوم ميلاده بالجسد، فـ"أضجعته في مذود إذ لم يكن لهما موضع في المنزل" (لو 2: 7). كذلك، اختبر السيّد المسيح التهجير عندما أخذه يوسف إلى مصر بأمر الملاك ليلتجأ هناك بعيداً عمّن أرادوا أن يهلكوه (أنظر متى 2: 13-15). عندها كان بأمسّ الحاجة لمَن يستقبله ويمنحه مبيتاً لينام فيه. ولربّما احتاجت العائلة المقدّسة أيضاً لمَن يؤمّن لهم العمل، ومَن يقدّم لهم طعاماً، أو ما شابه من الأمور الضرورية للحياة. وعندما ابتدأ الربّ يسوع يكرز بملكوت الله خلال جولته الخلاصية بين الناس، أصبح غريباً حتّى قال عن نفسه: "أمّا ابن الإنسان فليس له مكان يسند إليه رأسه" (متى 8: 20).
[10] لذلك، أيّها الأحبّاء، نحن مدعوّون اليوم لأن نضع إمكانيّاتنا في خدمة الآخرين الذين قسى عليهم الزمن والظروف عبر تقديم الطعام والملبس والمأوى لهم. بذلك، نقدّم للربّ نفسه خدمةً، متمّمين وصيّته، فنسمع صوته القائل: "الحقّ أقول لكم بما أنّكم فعلتموه بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر، فبي فعلتم" (متى 25: 40). 
[11] لا شكّ في أنّ الثقافة التي تربّى عليها أبناؤنا المسيحيّون في المشرق تختلف كلّ الاختلاف عن تلك التي يجدونها في الغرب. وينعكس هذا الاختلاف في الصعوبات التي يواجهها اللاجئون في الاندماج في المجتمعات الغربية وعدم التأقلم الكلّيّ مع ما تطلبه أو تقدّمه. فنحن إذاً نحثّ أبناءنا الذين استقرّوا في الغرب بالتمسّك بنواحٍ من ثقافتنا لا نريد تغييرها كالهوية التي يجب أن نحافظ عليها، والتراث المسيحي المشرقي الذي قد نخسره في الغرب. ونحتاج أيضاً أن نعمل على مصالحة نواحٍ عديدة من ثقافتنا مع ثقافة المجتمع الغربي دون التأثّر بالفكر الإلحاديّ والعلمانيّة الغربيّة التي قد تتعارض وقيمنا المسيحية. والمهمّ هو أن نجد للتوافق بين ثقافة المشرق والغرب سبيلاً كي لا تصبح الهجرة سبباً في اضمحلال ثقافتنا وضياعها. 
[12] وهنا، نجد أنّ الهجرة تطرح على المستوى الدولي تساؤلات كبيرة تطال المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية في آن واحد. فهي تسلّط الضوء على انعدام العدالة الاجتماعية في بعض الدول، أو غياب بعض الحرّيات الضرورية لتوفير ظروف الحياة الكريمة لهم. وكذلك انعدام الحريّات الأساسية للإنسان في بعض الدول كحريّة المعتقد والدين، وحريّة التعبير وغيرها. لذا، أضحت الهجرة خطوة تعبّر عن رفض الخنوع والاستسلام للظروف التي تُفرَض علينا، وصارت تعكس رغبة بالعيش بكرامة والحفاظ على مقوّمات الحياة مع أبسط الحقوق والحريّات. 
[13] بات المسؤولون يناقشون سبل وضع القوانين والضوابط لتنظيم الهجرة والسيطرة عليها، لأنّها أضحت أداة ضغط على الدول التي تستقبل المهاجرين حيث بات البعض منهم يثيرون المشاكل في الدول المستضيفة، فضلاً عن نمو التطرّف العرقي والتعصّب الوطني لدى البعض. وهناك مَن يستخدم قضية المهاجرين سياسياً للضغط على الدول، في حين يتناسون الطابع الإنساني لهذه القضية ووجوب التعامل مع المهاجرين واللاجئين على أنّهم أشخاص يحتاجون للمساعدة والقبول والاهتمام. ولعلّ أبرز ما يصادفه اللاجئون في البلاد التي يهاجرون إليها هو سوء المعاملة والنظرة الدونيّة والرفض والاضطهاد، ممّا يزيد من معاناتهم بعدما يكونون قد اجتازوا الصعوبات وعرّضوا حياتهم وحياة أولادهم في الخطر ليبلغوا وُجهاتهم. كما وصلتنا أخبار حالات الاضطهاد بسبب الاختلاف الديني التي يعاني منها اللاجئون في بعض المخيّمات في أوروبا. نستنكر هذه الممارسات ونصلّي أن يُلهم الله السلطات المعنيّة لأخذ الإجراءات اللازمة لتفادي هذه الحالات. فضلاً عن الإتّجار بالبشر الذي استفحل في الآونة الأخيرة إلى جانب الاستغلال على أنواعه وسواها. فنسمع عن موت العديد من المهاجرين قبل أن يصلوا إلى هدفهم، بل كيف يقتلهم مهرّبوهم وهم في طريقهم إلى وجهاتهم الغربية. 
[14] لذا ندعو الجميع في هذا الصوم الأربعيني المقدّس، أن يفتحوا أبواب قلوبهم وبيوتهم لقبول الغرباء والمهجّرين، ومساعدة الإخوة الذين أقصتهم الظروف عن بيوتهم وأبعدتهم المآسي عن أرضهم، فينالوا بركة استضافة الغرباء، كما نالها إبراهيم الذي استضاف ملائكة دون أن يدري (تك 18: 1-15).
[15] أيّها الأحبّاء، فلنقدّم للربّ قلوبنا مكاناً يحلّ فيه، إذ نقرأ في سفر الرؤيا أنّه "هانذا واقف على الباب وأقرع، إن سمع أحد صوتي وفتح الباب، أدخل إليه وأتعشّى معه وهو معي" (رؤ 3: 20). وبهذه الطريقة، نستعدّ لاستقبال الربّ من خلال العودة إلى ذواتنا وتقديم التوبة النصوح. والصوم هو خير فرصة نغتنمها لعمل الخير والرحمة مع الآخرين ونظهر محبّتنا لأخينا الإنسان. 
[16] بارك الربّ صومنا وقبل صلواتنا وارتضى بتقدماتنا. نسأله أن يرحم أنفس موتانا ويؤهّلنا لنحتفل معاً بعيد قيامته المجيدة بالصحة والعافية، بشفاعة والدة الإله مريم والشهداء والقدّيسين أجمعين، آمين. ܘܐܒܘܢ ܕܒܫܡܝܐ ܘܫܪܟܐ.

صدر عن قلايتنا البطريركية في دمشق
في التاسع من شهر آذار سنة ألفين وستة عشر
وهي السنة الثانية لبطريركيتنا