المتربوليت سلوان: يا ربّ، صالحني معك... أنت الحقّ
إستهلّ سلوان الرّسالة بالآية: "إذا نسعى كسفراء عن المسيح كأنّ الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله" (2 كورنثوس 5: 20)"، ثمّ تابع قائلًا:
"في الصّوم الكبير، نرنو إلى المصالحة، إلى المصالحة مع الذّات ومع القريب ومع الله.
في هذا السّياق لا يسعنا أن ننسى بولس الرّسول الّذي أبرز عظم هذه النّعمة في رسائله. فهو يؤكّد اعتزازه وافتخاره بكوننا نلنا عطيّة المصالحة منذ الآن بربّنا يسوع المسيح (رومية 10: 11)؛ فـبها تصالحنا مع الله بموته يسوع لكنّنا بحياته نخلص (رومية 10: 10)؛ وهو أعطانا خدمة المصالحة بأن وضع فينا كلمة المصالحة حتّى يتصالح الجميع مع الله (2 كورنثوس 5: 18-20)؛ وهذا حصل على الصّليب إذ عمل يسوعُ الصّلحَ بدمه، مصالحًا الكلّ لنفسه، قاتلًا العداوة بينهم (أفسس 2: 16؛ كولوسي 1: 20).
هذا كلّه يحثّنا على القيام بعمل دؤوب عمل دؤوب في الاتّجاهات الثّلاثة، عمل مع نفسي، ومع قريبي، ومع الله. إنّه عمل التّوبة الشّموليّ الّذي يروم الشّفاء من كلّ علّة، ويطلب الغفران من كلّ خطيئة، ويرجو النّعمة الّتي تجعل هذه المصالحة ممكنة وفاعلة وقائمة. إنّها النّعمة الّتي للنّاقصين تكمّل.
على المقلب الآخر ممّا سبقت الإشارة إليه، يبرز مثال حيّ يجسّد حقيقة ما أشار إليه رسول الأمم ودعا إليه وزرع حقيقته في الكنائس الّتي بشّرها وفي قلوب المعاونين الذين تربّوا على يدَيه. وأقصد بهذا المثال سعي سلفي الحثيث والدّائم والمستمرّ ليعيش حقيقة هذه المصالحة، والّتي يعبّر عنها بصلاته القلبيّة هذه الأيّام على الوجه التّالي: "يا ربّ، أرجوك ارحـمْني. أصلحْني يا ربّ. صالحْني معك. أنتَ الحقّ".
بهذه الصّلاة يأتينا هذا الرّاعي كسفير للمسيح يعظنا الله به، على غرار الخبرة الّتي أوردها الرّسول: "إذا نسعى كسفراء عن المسيح كأنّ الله يعظ بنا. نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله" (2 كورنثوس 5: 20). ما أحلاها من بشرى ودعوة وحقيقة! وما أبهاه من رسول واقعيّ حقيقيّ نلمس فيه كلمات الحياة! وما أعظمها من خبرة نُقبل إليها بيقين الدّاعي إليها ومختبِرها والعامل من أجلها، حتّى في شيخوخته!
بهذه الصّلاة، اختصر هذا الرّاعي خبرةَ الكنيسة وأعطانا زبدتها وأظهر لنا حقيقة الإيمان والمدى الّذي يمكننا به أن نصل إليه في الانعطاف والسّؤال والبلوغ والتّصريح والاعتراف.
بهذه الصّلاة، كشف لنا هذا الرّاعي واقعيّة حياة التّوبة وعملها ونفاذها إلى أعماق الكيان فيتجلّى صاحبها أمانةً وسكبًا للذّات، وشوقًا وانتظارًا ورجاءً، لا بل نورًا وتوهّجًا وسلامًا.
بهذه الصّلاة نرنو إلى الّذي صالحنا معه ومع القريب ومع أنفسنا، نرنو إلى السّلام الّذي من لدن الله.
هذا ما اصطفيتُه لنفسي وللمؤمنين الأحبّاء ونحن على عتبة الصّوم الكبير. وهذا ما ينير درب اجتياز الصّوم ببوصلة هذا الرّاعي، الّذي حدّد لنا هذا القُرْب من الله ومن القريب، حدّدها لنا بعمل وخدمة المصالحة، والّتي تجعلنا بالحريّ خميرة كثيرة الثّمن في عالم غارق في ذاته، وغارق في المنافسة والمنازعة والخصومة والعداوة، وغارق في جهله محبّة الله له وتدبيره من أجله.
أرجو أن نسير معًا درب الصّوم وصلواته وعمل الإحسان الّذي يرافقه، درب الجهاد لتنقية الذّات والغفران والعطاء، درب حمل رجاء دعوتنا والشّهادة لها والعمل على تحقيقها، درب قيامة العالم بالإيمان بالإله الحقيقيّ الّذي يحبّنا ويبذل ذاته من أجلنا.
ألا باركْ يا ربّ دربنا إليك وإلى إخوتنا!".