العبسيّ في عيد البشارة: محبّة الله أقوى من خطيئة الإنسان
وبعد الإنجيل، ألقى العبسيّ عظة من وحي المناسبة، قال فيها بحسب "الوكالة الوطنيّة للإعلام": "ايّها الأحبّاء، إنّ سروري في هذا المساء كبير إذ نحتفل معًا لأوّل مرّة باللّيترجيّا الإلهيّة في عيد بشارة السّيّدة العذراء، عيد هذه الكنيسة وهذه الرّعيّة. وشكري أيضًا كبير لسيادة المطران جورج راعي الأبرشيّة الجزيل الاحترام الّذي أتاح لي أن أكون في ما بينكم في هذه المناسبة المقدّسة، وكذلك لحضرة الأب شارلي خادم هذه الكنيسة المحترم الّذي يخدمكم بمحبّة وتفان وإخلاص وتجرّد وغيرة. والشّكر الجزيل أيضًا لكم أنتم أيّها المحبوبون في الرّبّ على حضوركم ومشاركتكم.
في هذه المناسبة المقدّسة رغبت في أن نتأمّل معًا في معنى العيد الّذي نحتفل به اعتمادًا على نشيد العيد، على الطّروباريّة، كما نسمّيها بالمصطلح الكنسيّ اللّيترجيّ، الّتي ترنّمنا بها منذ دقائق والّتي تقول: "اليوم بدء خلاصنا وظهور السّرّ الّذي منذ الأزل. فإنّ ابن الله يصير ابن البتول. وجبرائيل بالنّعمة يبشّر. فلنهتف معه نحو والدة الإله: افرحي يا ممتلئة نعمة، الرّبّ معك" (نشيد العيد).
سرّ الله
وأشار إلى أنّ "مطلع النّشيد يوحي بأنّ الله كان لديه سرّ يحتفظ به لنفسه يحجبه حتّى عن الملائكة القدّيسين خدّامِه المقرّبين. ما هو هذا السّرّ؟ هذا السّرّ هو رغبة الله، أو هم كما نسمّيه في المصطلح اللّاهوتيّ تدبير الله في أن يشرك الإنسان في حياته الإلهيّة. إنّ الله، بقدرته وحكمته وصلاحه، كان خطّط ودبّر أن يُدخل الإنسانَ في عائلة الثّالوث. ولم يأتِ تدبير الله بعد أن أخطأ آدم وحوّاء، بل كان قبل أن يقعا في الخطيئة. لم تكن خطيئة أبوينا الأوّلين هي السّبب في أنّ الله تجسّد، إنّما كانت فكرة التّجسّد أو بالحريّ كان سرّ التّجسّد في قصد الله من قبل الخطيئة الأولى. ولم تصرف هذه الخطيئة الله عن سرّه ولم تعطّل هذا السّرّ، فإنّ محبّة الله، كما يقول بولس، هي أقوى من خطيئة الإنسان. إنّ الخطيئة الأولى جرحت الإنسان وأضعفته لكنّها لم تجعله يفقد الدّعوة الإلهيّة الّتي كان الله يحتفظ له بها في سرّه. وإنّ الخطيئة الأولى قد جعلت سرّ الله، أعني تدبيره في تأليه الإنسان، يتضمّن خلاصه وإنقاذَه من ضعفه وجرحه. ويعلن نشيد البشارة أنّ الله يكشف اليوم عن سرّه ويبدأ تحقيقه. كيف؟ بتجسّد ابن الله في أحشاء مريم البتول، هذا التّجسّد الّذي يصفه يوحنّا الرّسول في مطلع إنجيله بقوله عن ابن الله: "والكلمة صار بشرًا وسكن بيننا" (يوحنّا 1: 14)، والّذي يصفه متّى بقوله: "لمّا كانت مريم أمّه (يسوع) مخطوبة ليوسف وُجدَت، من قبل أن يسكنا معًا، حبلى من الرّوح القدس" (متّى 1:18)، والّذي أعلنه الملاك للعذراء، في إنجيل لوقا، بقوله لها: "ها أنت تحبلين وتلدين ابنًا وتسمّينه يسوع" (لوقا 1: 31)، والّذي يصفه الرّسول بولس بقوله: "لمّا بلغ ملء الزّمان أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة...لننال التّبنّي" (غلا 4: 4-6). ولكن ما هو هذا سرّ التّجسّد؟".
ابن الله وابن البتول
ولفت إلى أنّ "سرّ التّجسّد يعني أوّلًا، كما يفسّره النّشيد ببساطة ووضوح تامّين، أنّ ابن الله يصير ابن البتول. ماذا يعني هذا الكلام؟ إنّه يعني أنّ ابن الله أخذ من العذراء جسدًا وولد منها بفعل الرّوح القدس، فصار ابنُ الله هذا ابنَ البتول في الوقت عينه. يعني أنّ يسوع المسيح هو إله وإنسان معًا؛ يعني أنّ البشريّة قد اتّحدت، في يسوع المسيح، بالألوهة؛ يعني أنّ الإنسان اتّحد بالله، وتحقّق هكذا سرّ الله وتدبيره. وهذا ما نقرأه في صلوات عيد البشارة الّذي نحن محتفلون به إذ تقول هذه الصّلوات: "اليوم انكشف السّرّ الّذي منذ الدّهور، وابن الله يصير ابن البشر، حتّى إنّه باتّخاذه الأدنى يمنحنا الأفضل. آدم اشتهى قديمًا أن يصير إلهًا فخاب قصده ولم يصرّ، فصار الإله إنسانًا لكي يصير آدم إلهًا. فلتبتهج إذًا الخليقة ولتجذل الطّبيعة" (غروب التّقدمة، المجد...الآن... على آيات آخر الغروب). إنّ سرّ التّجسّد هو ركيزة الإيمان المسيحيّ وحقيقته الأساسيّة والجوهريّة. بمعنى آخر، إذا ألغينا من المعتقد المسيحيّ سرَّ التّجسّد نكون قد قوّضنا هذا المعتقد من أساسه واقتلعناه من جذوره. إنّ المسيحيّة هي، من هذا المنظار، ديانة التّجسّد. لذلك يقول نشيد العيد عن هذا التّجسّد إنّه رأس وبدء وفاتحة خلاصنا، يعني أنّ سرّ التّجسّد هو السّرّ الّذي تتعلّق به سائر الأسرار والّذي تنطلق منه سائر الأسرار.
جبرائيل يبشّر بالنعمة
إنّ النّعمة هنا تعني السّيّد المسيح نفسه، كما قال بولس الرّسول: "قد تجلّت نعمة الله المخلّصة لجميع النّاس" (تي 2: 11) النّعمة هي تجسّد الكلمة ابن الله بحسب شرح الطّبعة البولسيّة 11)، وأيضًا: إنّ الله "خلّصنا...نظرًا لقصده (= سرّه) الخاصّ ونعمته الّتي أعطيناها في المسيح يسوع... وأُظهرت الآن بتجلّي مخلّصنا يسوع المسيح" (غلا 1: 9-10). إنّ الملاك جبرائيل بشّر إذن العذراء مريم بيسوع المسيح. وعندما يصف نشيد العيد يسوع المسيح بأنّه النّعمة، متّبعًا بذلك القدّيس بولس، فإنّه يعني بالنّعمة هنا خلافَ الشّريعة أو النّاموس اليهوديّ. إنّ الملاك يبشّرنا كما يبشّر العذراء بأنّ السّيّد المسيح نفسَه سوف يحلّ محلّ الشّريعة والنّاموس. وهذا ما أعلنه أيضًا يوحنّا الرّسول في مطلع إنجيله حين قال عن المسيح: "من ملئه كلّنا أخذنا، ونعمة على نعمة. ذلك بأنّ الشّريعة أُعطيت على يد موسى، وأمّا النّعمة والحقّ فقد جاءا على يد يسوع المسيح" (يوحنّا 1: 16-17). أجل، إنّ الملاك جبرائيل بشّر العذراء بأنّ يسوع المسيح الّذي سيولد منها هو النّعمة أيّ هو الشّريعة الجديدة الّتي ستحلّ محلّ الشّريعة القديمة. وبتعبير آخر، ما عادت شريعة النّاس شيئًا مكتوبًا على ألواح من حجر ولا في الكتب، بل صارت الشّريعة شخصًا حيًّا هو شخص يسوع، وصارت هذه الشّريعة مكتوبة في قلب كلّ من يؤمن بيسوع ويلتزم بتعاليمه ويعمل أعماله.
فعندما يخاطب الملاك جبرائيل العذراء على أنّها ممتلئة نعمة فلأنّها ستحبل وتحمل في أحشائها الرّبّ يسوع الّذي هو النّعمة وتمتلىء منه، ويكون هو معها، ويحقّق فعلًا ما يعنيه اسمه الّذي طلب الملاك أن يُطلَق عليه: عمّانوئيل".
إفرحي
إنّ الملاك ينهي بشارته للعذراء بقوله: افرحي. ولا عجب، فإنّ سرّ الله الّذي جاء يكشفه للعذراء يستحقّ حقًّا أن تفرح له مريم وأن يفرح له العالم كلّه. وإنّ الكشف عن سرّ الله هذا هو حقًّا بشارة وبشارة ما بعدها ولا قبلها بشارة، إذ من سمع قطّ أنّ ابن الله يصير ابن البتول؟ إنّ الملاك نفسه حامل البشارة، كما تقول صلواتنا، "أتى النّاصرة يفكّر في نفسه منذهلًا من هذا الأمر العجيب قائلًا: كيف الّذي هو غير مدرَك في الأعالي يولَد من بتول... يتجسّد منها بكلمة؟" (غروب العيد، المجد...الآن... على "يا ربّ إليك...").
وإختتم العبسيّ عظته قائلًا: "عيد بشارة العذراء هو مناسبة ودعوة لنا لكي نتأمّل في سرّ التّجسّد الإلهيّ ونجدّد ونقوّي إيماننا به إذ هو ركيزة إيماننا. وعيد البشارة هو أيضًا دعوة لنا لكي نفرح. إنّ الفرح من ميزات المسيحيّ لأنّ الله كشف له عن دعوته وقصده وتدبيره وسرّه ( كلّها تعابير لحقيقة واحدة) أن يكون الله والإنسان معًا بواسطة تجسّد ابن الله من العذراء. إنّ البشارة تدعو دومًا إلى الفرح. والكنيسة سمّت هذا العيد عيد البشارة ولم تسمّه عيد الإنذار أو الوعيد أو ما إلى ذلك من التّسميات المشابهة، لأنّ فحواه يدعو حقًّا إلى الفرح وإلى نقض الحزن الّذي ألبسته الخطيئة الأولى للإنسان. في هذه المناسبة السّعيدة، أعيّد الّذين يحملون اسم بشارة وبشير وبشّار وبشرى، ونصلّي من أجلهم في هذا اليوم وفي هذه الذّبيحة الإلهيّة المقدّسة. والرّجاء، كلّ الرّجاء، أن يكون ابن الله المتجسّد موضوع إيماننا الرّاسخ ومحرِّك سلوكنا، وأن يكون الفرح سمة حياتنا الدّائمة".
