الرّاعي: لبنان ليس ساحة بل وطن، والإنسان فيه ليس رقمًا بل كرامة
ترأّس البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي في بكركي قدّاس الأحد الرّابع من زمن القيامة، والمتمحور حول ظهور الرّبّ للرّسل على البحيرة.
وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى الرّاعي عظة بعنوان: "ألقوا الشّبكة عن يمين السّفينة تجدوا" (يو 21: 6)، قال فيها:
"1. ربّنا يسوع المسيح القائم من الموت لا يفارق الكنيسة، بل يرافقها، يكلّمها، يسهر عليها، يوجّهها، كما فعل مع التّلاميذ، الكنيسة النّاشئة، في إنجيل اليوم، إنجيل الصّيد العجيب. فعند الصّباح وقف على الشّاطئ، والتّلاميذ في طريق العودة، بعد ليلة من الصّيد فاشلة، فناداهم وقال لهم: "ألقوا الشّبكة عن يمين السّفينة تجدوا" (يو 21: 6). ولمّا فعلوا أصابوا صيدًا عجيبًا: "مئة وثلاثًا وخمسين سمكة كبيرة، مع هذا الثّقل لم تتمزّق الشّبكة" (يو 21: 11).
هو إنجيل الإنسان، الّذي يعود إلى عاداته بعد الخيبة، فيكتشف أنّ الرّبّ لم يتركه، بل ينتظره على شواطئ الحياة. وكذلك شأن الكنيسة المولودة من سرّ موته وقيامته، هو معها "طول الأيّام حتّى نهاية العالم" (متّى 28: 20)، كما أكّد لها يوم إرسالها وقبيل صعوده إلى السّماء.
2.يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا، للمشاركة في هذه اللّيتورجيا الإلهيّة. وأوجّه تحيّة خاصّة لعائلة المرحوم طانيوس جريس شهوان، رئيس بلديّة أدما الدّفنة سابقًا، الّذي ودّعناه منذ خمسة وعشرين يومًا مع زوجته السّيّدة مادلين مارون فرح، وابنه وشقيقيه وسائر أنسبائه وأبناء بلدته ومعارفه الكثر. لقد أسفنا جدًّا على وفاته المبكرة وعلى عطاءاته الكثيرة في حقل الكنيسة والمجتمع، على مستوى الدّراسات والإحصاءات الاجتماعيّة والعلميّة. إنّنا نذكره في هذه الذّبيحة الإلهيّة مصلّين لراحة نفسه وعزاء أسرته.
3. إنّ إنجيل اليوم يرمز إلى سرّ الكنيسة في عمقها الحقيقيّ: السّفينة هي الكنيسة، البحر هو العالم، الشّباك هي كلمة الإنجيل، والصّيّادون هم الرّسل وكلّ من دُعي ليكون شاهدًا. في البداية، نختبر تعبًا بلا نتيجة، وكأنّ الجهد البشريّ، مهما كان كبيرًا، يبقى محدودًا عندما ينفصل عن حضور المسيح.
ولكن عندما يتدخّل الرّبّ ويوجّه، تتبدّل الصّورة بكلّيّتها، فنفهم أنّ الكنيسة ليست بقوّتها تعمل، بل بقوّة يسوع المسيح، الّذي يقودها، ويعطيها الثّمر، وهو الّذي يحفظها في وسط الأمواج والمصاعب المعاكسة.
وعندما تُذكر المئة والثّلاث والخمسون سمكة كبيرة، فترمز إلى الشّعوب المعروفة في زمن المسيح، أيّ أنّ الكنيسة مدعوّة أن تكون جامعة، وأن تحمل الرّسالة إلى الجميع، دونما استثناء.
لكنّها في مسيرتها لا تسير في بحر هادئ، بل في عالم مضطرب، مليء بالتّحدّيات، وهنا يتجلّى معنى قول الرّبّ: "سيكون لكم في العالم ضيق، لكن ثقوا، أنا غلبت العالم". ويتردّد في هذا السّياق قول القدّيس أغسطينوس: "الكنيسة تسير بين اضطهادات العالم وتعزيات الله"، فهي تتحمّل الألم لكنّها لا تفقد الرّجاء، لأنّها لا تعتمد على ذاتها، بل على من أرسلها.
4. في هذا المشهد، يظهر البعد اللّيتورجيّ بوضوح، إذ يجمع المسيح التّلاميذ حول الكلمة أوّلًا، ثمّ يقودهم إلى المشاركة في الطّعام الّذي أعدّه لهم. وهذا يعكس جوهر القدّاس الإلهيّ: الكلمة الّتي تنير، والذّبيحة الّتي تعزّي، والمناولة الّتي تقوّي.
فاللّيتورجيا ليست مجرّد طقس، بل هي لقاء حيّ، يتجدّد فيه الإنسان من الدّاخل، ويستمدّ منه قوّة ليكمّل مسيرته. إنّها لحظة يتحوّل فيها التّعب إلى معنى، والخوف إلى ثقة، والضّياع إلى طريق واضح، لأنّ المسيح فيها حاضر، يقودها، ويغذّيها، ويرسلها.
5. "ألقوا الشّبكة عن يمين السّفينة تجدوا". بهذه الكلمة ننظر إلى واقعنا الوطنيّ. كما أنّ الكنيسة تسير في بحر مليء بالتّحدّيات، كذلك الأوطان تسير في بحر متقلّب، أمواجه لا تهدأ، ظروفه لا تستقرّ.
لبنان اليوم يعيش هذه الحالة: بين رجاء وخوف، بين انتظار وقلق، بين هدنة نترقّب ثباتها، وواقع لا يزال هشًّا. نعيش زمنًا ننتظر فيه أن تدوم هدنة وقف إطلاق النّار، نراقب بحذر، نأمل بالمفاوضات الجارية. لكنّنا نبقى يقظين، لأنّ التّجارب علّمتنا أنّ الاستقرار لا يُبنى على التّمنّيات فقط، بل على العمل الدّؤوب.
الدّولة تحتاج إلى سلطة متماسكة، إلى قانون يسود، إلى مؤسّسات تعمل، وإلى جيش واحد موحّد يضبط ويحمي ويولّد الثّقة. فحيث يغيب القانون، تدخل الفوضى، وحيث تضعف الدّولة، يضيع الإنسان.
كما أنّ الكنيسة لا تنجح بقوّتها الذّاتيّة، بل بإصغائها لكلمة المسيح، كذلك الوطن لا يقوم إلّا إذا أُدير بحكمة ومسؤوليّة، على أساس الميثاق والدّستور والقوانين. نحن نرفض الحرب، ونتوق إلى السّلام، لكن السّلام لا يكون شعارًا فقط، بل يحتاج إلى قرار، إلى إرادة، إلى عمل جدّيّ، إلى طرح السّلاح جانبًا.
الأمواج التي تحيط بنا تارةً تحملنا إلى الطمأنينة، وتارةً أخرىى تعيدنا إلى الحيرة والقلق. هذا الواقع يتطلب قيادة ثابتة، ورؤية واضحة، وشجاعة في اتّخاذ القرار.
في وسط كلّ هذا، يبقى صوتنا واضحًا: لبنان ليس ساحة، بل وطن. والإنسان فيه ليس رقمًا، بل كرامة. هذا الصّوت يجب أن يصل، إلى كلّ من يعنيه الأمر، إلى كلّ مسؤول، إلى كلّ صاحب قرار. إنّ هذا الشّعب يريد أن يعيش، يريد دولة حرّة، سيّدة، مستقلّة، موحّدة، يريد استقرارًا، يريد مستقبلًا لأجياله.
6. فلنصلِّ، أيّها الإخوة والأخوات الأحبّاء: يا ربّ، نسلّمك كنيستك الّتي تسير في بحر هذا العالم، ونسلّمك وطننا في هذه المرحلة الدّقيقة، ونسلّمك كلّ قلب يحمل قلقًا أو ينتظر رجاءً.
علّمنا أن نلقي الشّبكة حيث تريد، أنت وأن نصغي إلى كلمتك بثقة، وأن نؤمن أنّك حاضر معنا حتّى في لحظات التّعب.
إمنحنا سلامك الّذي يفوق كلّ فهم، وثبّت رجاءنا، وقُد خطواتنا نحو مستقبل أكثر ثباتًا وطمأنينة، لأنّك أنت القائد الرّاعي، وأنت القوّة، وأنت الرّجاء الّذي لا يخيّب. فلك المجد والشّكر أيّها الآب والابن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين."
