لبنان
10 شباط 2026, 07:30

الرّاعي في رسالة الصّوم: الصّوم الكبير مسيرة صلاة وصدقة وصيام

تيلي لوميار/ نورسات
صدرت في عيد مار مارون، الرّسالة السّادسة عشرة الخاصّة بزمن الصّوم المبارك للبطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي، بعنوان: "الصّوم الكبير مسيرة صلاة وصدقة وصيام"، قدّم في سطورها توجيهاته الأبويّة لأبناء الطّائفة، إكليروسًا وعلمانيّين، في لبنان وبلدان الانتشار.

وجاء في الرّسالة: "مع إشراقة زمن الصّوم المبارك، يتجدّد أمامنا موسمٌ مقدّس يحمل في طيّاته نعمة خاصّة، ويضعنا أمام دعوة صادقة لتقويم حياتنا الرّوحيّة والنّفسيّة والاجتماعيّة. إنّ زمن الصّوم ليس مجرّد فترة من الامتناع عن طعام فقط أو ممارسة طقوس خارجيّة، بل هو زمن التّقدّم والارتقاء بالفضائل، وزمن النّموّ الرّوحيّ والتّوبة الحقيقيّة. هو دعوة للرّجوع إلى الله، ولتجديد القلب، ولإعادة ترتيب الحياة على أساس المحبّة والإيمان والحقّ.

في هذا الزّمن المبارك، تدعونا الكنيسة لعيش ثلاثًا: الصّلاة، والصّدقة، والصّوم.هذه الثّلاثيّة المتكاملة ليست ممارسات منفصلة، بل مسارٌ واحد يقود المؤمن نحو تحوّل داخليّ حقيقيّ، ويجعل من الصّوم فرصة للنّموّ الرّوحيّ والتّقوى العمليّة.

الصّلاة هي القناة الّتي نرتبط من خلالها بالله، ونفتح قلوبنا أمام حضوره الحيّ. الصّلاة في زمن الصّوم ليست واجبًا روتينيًّا، بل لقاء حيًّا مع الله، وممارسة للتّواضع والإصغاء، وفرصة لإعادة النّظر في حياتنا اليوميّة. بالصّلاة، يتعلّم المؤمن أن يسمع صوت الله في قلبه، وأن يكتشف إرادته، وأن يسمح للنّعمة بأن تغيّر حياته من الدّاخل. الصّلاة الصّادقة تمنح الرّوح السّلام والسّكينة، وتجعل القلب مستعدًّا لعيش بقية الصّوم بصدق وإخلاص.

نتيجة هذا كلّه، هي أنّ الصّوم ليس مجرّد فترة زمنيّة أو مظهر خارجيّ، بل هو زمن امتلاء بالنّعمة، وفرصة للتّقوى العمليّة، وطريق إلى فرح داخليّ حقيقيّ. بالصّلاة نرتقي، وبالصّدقة نُحبّ، وبالصّوم نتحرّر. هذا هو زمن الصّوم المجيد، زمن رسالة محبّة، زمن تهذيب الرّوح، وزمن شفاء النّفس والارتقاء الرّوحيّ.

فلنستقبل هذا الصّوم بقلوب منفتحة، ولنجعل من كلّ يوم فيه فرصة لتطبيق هذه الثّلاثيّة المباركة، ولنعدّ أنفسنا بالاستعداد الحقيقيّ للفرح القياميّ، ولنشهد بالإيمان الحيّ الّذي يغيّر حياتنا ويقوّي شهادتنا.

توجيهات راعويّة

أ- الصّوم الكبير والقطاعة فيه وخارجه

١. يدوم الصّوم الكبير سبعة أسابيع، استعدادًا لعيد الفصح. يبدأ في إثنين الرّماد، وينتهي يوم صباح عيد الفصح. ويقوم على الصّيام بالامتناع عن الطّعام من منتصف اللّيل حتّى السّاعة الثّانية عشرة ظهرًا، وبالقطاعة عن اللّحوم والبياض (الحليب ومشتقّاته والبيض).

بناءً على قرار اللّجنة البطريركيّة للشّؤون الطّقسيّة، لا تُقرع الأجراس ظهر سبت النّور، بل بعد صلاة المساء عند السّاعة السّادسة، لأنّ سبت النّور هو يوم صوم وصمت وتأمّل.

٢.يُفسّح من الصّوم والقطاعة أيّام السّبوت والآحاد والأعياد التّالية: مار يوحنّا مارون (٢ آذار)، الأربعون شهيدًا (٩ آذار)، مار يوسف (١٩ آذار)، بشارة العذراء (٢٥ آذار) وشفيع الرّعيّة. أمّا طيلة أسبوع الآلام من الإثنين إلى سبت النّور فيبقى الصّوم والقطاعة إلزاميّين.

الصّدقة هي ثمرة الصّلاة، وتجسيد عمليّ للمحبّة الإلهيّة في الحياة اليوميّة. في زمن الصّوم، تصبح الصّدقة أكثر من مجرّد عطاء مادّيّ؛ إنّها موقف إيمانيّ، وأداة لشّفاء النّفوس، ومساهمة فعليّة في بناء مجتمع يسوده الخير والعدل والمحبّة. بالصّدقة، ينفتح المؤمن على احتياجات الآخرين، ويتعلّم التّضحية، ويعيش معنى الكرم والرّحمة كما علّمنا السّيّد المسيح. هي جسور تصل بين القلوب، وتعيد للإنسان قيمة مشاركته ومحبّة أخيه الإنسان.

الصّوم هو ليس حرمانًا عن الطّعام فحسب، بل هو تدريب للرّوح، وتهذيب للنّفس، وممارسة للضّبط الدّاخليّ. بالصّوم، يتعلّم الإنسان الانفتاح على الله والآخر، ويبتعد عن كلّ ما يثقل القلب ويشوّش الرّوح. الصّوم الحقيقيّ يشمل الفكر والكلام والسّلوك، ويحوّل كلّ جوانب الحياة إلى مسار للنّموّ الرّوحيّ. بالصّوم، يتعلّم المؤمن أن يقول "لا" للرّغبات المعيقة، وأن يقول "نعم" للحياة المليئة بالفضيلة والمحبّة. إنّه مسار تحرّر داخليّ يسمح للقلب أن يشرق بنور الله ويشعر بالسّلام الحقيقيّ.

وهكذا تتكامل الثّلاث في زمن الصّوم:

. بالصّلاة نرتقي إلى الله،

. وبالصّدقة نصل إلى الآخر،

. وبالصّوم نتحرّر لنعيش هذا الارتباط بصدق ونضوج.

إنّ زمن الصّوم هو دعوة للنّموّ الرّوحيّ، للعودة إلى الله، ولتصحيح مسار الحياة، وتجديد العهد معه. وهو وقت للتّوبة الحقيقيّة الّتي تتجاوز النّدم، لتصبح التّغيير العمليّ والدّاخليّ الّذي ينعكس على كلّ جوانب حياتنا.
٣.يُعفى من الصَّوم والقطاعة على وجهٍ عامّ المرضى والعجزة الّذين يفرض عليهم واقعهم الصِّحِّي تناول الطَّعام ليتقوَّوا وخصوصًا أولئك الّذين يتناولون الأدوية المرتبطة بأمراضهم المزمنة والّذين هم في أوضاع صحّيَّة خاصَّة ودقيقة، بالإضافة إلى المرضى الّذين يخضعون للاستشفاء المؤقَّت أو الدَّوريّ. ومعلومٌ أنَّ الأولاد يبدأون الصَّوم في السَّنة الّتي تلي قربانتهم الأولى، مع اعتبار أوضاعهم في أيَّام الدِّراسة.

هؤلاء المعفيُّون من شريعة الصَّوم والقطاعة مدعوُّون للاكتفاء بفطورٍ قليلٍ كافٍ لتناول الدَّواء.

ونظرًا لمقتضيات الحياة وتخفيفًا عن كاهل المؤمنين والمؤمنات، تبقى شريعة القطاعة إلزاميّة، في الأسبوع الأوَّل من الصّوم الكبير، وفي أسبوع الآلام، على أن يُعوِّض من لا يستطيع الالتزام بالقطاعة بأعمال خير ورحمة.

٤.تُمارس في الكنيسة القطاعة بمناسبة ثلاثة أعياد، وقد حصرنا كلًّا منها بأسبوع بما لنا من سلطان. وهي الآتية: قطاعة القدِّيسين الرّسولين بطرس وبولس والرّسل الإثني عشر (من ٢١ إلى ٢٨ حزيران)، وقطاعة انتقال السَّيِّدة العذراء (من ٨ إلى ١٤ آب) وقطاعة الميلاد (من ١٦ إلى ٢٤ كانون الأوَّل).

٥. أمَّا قطاعة يوم الجمعة فتبقى على مدار السّنة. يُستثنى منها يوم جمعة أسبوع المرفع، وأيّام الجمعة الواقعة بين عيدي الفصح والعنصرة، وبين عيدي الميلاد والدّنح. وتُستثنى أيّام الجمعة الّتي تقع فيها الأعياد التّالية: ختانة الطّفل يسوع (أوَّل كانون الثّاني)، عيد مار أنطونيوس الكبير (١٧ كانون الثّاني)، دخول المسيح إلى الهيكل (٢ شباط)، عيد مار يوحنَّا مارون (٢ آذار)، عيد الأربعين شهيد (٩ آذار)، عيد مار يوسف (١٩ آذار)، عيد بشارة العذراء (٢٥ آذار)، عيد القدِّيسين الرّسولين بطرس وبولس (٢٩ حزيران)، عيد السَّيِّدة العذراء (١٥ آب)، عيدقطع رأس يوحنّا المعمدان (٢٩ آب)، عيد ميلاد العذراء (٨ أيلول)، عيد ارتفاع الصّليب المقدّس (١٤ أيلول)، عيد الحبل بسيّدتنا مريم العذراء بلا دنس (٨ كانون الأوّل)، عيد ميلاد الرّبّ يسوع (٢٥ كانون الأوّل)، عيد شفيع الرّعيّة، عيد قلب يسوع.

ب- الصّوم القربانيّ

هو الانقطاع عن الطّعام الخفيف من قبل الكهنة والمؤمنين إستعدادًا لتناول القربان الأقدس خلال الذّبيحة الإلهيّة أقلّه ساعةً قبل بدء القدّاس الإلهيّ. ونذكّر في المناسبة بالمحافظة على حالة النّعمة والحشمة في اللّباس والخشوع، واستحضار المسيح الرّبّ الحاضر تحت شكلي الخبز والخمر.

الخاتمة

٦.في ختام رسالة الصّوم هذه، نصلّي كي يكون هذا الزّمن المقدّس فرصة حقيقيّة للنّموّ الرّوحيّ، ولتجديد الإيمان، ولتعميق الرّجاء، ولممارسة المحبّة. نصلّي كي نقبل دعوة الكنيسة بقلوب منفتحة، وأن نسير معًا في هذا الطّريق الّذي يقود إلى القيامة.

فلنجعل من هذا الصّوم زمن صلاة صادقة، وزمن صدقة معطاءة، وزمن صوم يحرّر القلب ويجدّد الحياة، حتّى نبلغ فصح الرّبّ بقلوب متحوّلة، وحياة تحمل ثمار التّوبة والرّجاء. آمين."