الرّاعي في القدّاس على نيّة فرنسا: لبنان لا يقوم إلّا بحياده
خلال القدّاس، ألقى الرّاعي عظة بعنوان "قام يسوع وتراءى أوّلًا لمريم المجدليّة" (مر 16: 9)، قال فيها:
"يسعدني أن أحتفل اليوم معكم بهذه اللّيتورجيا الإلهيّة على نيّة بلدكم الصّديق فرنسا. فنسأل الله أن يقبل صلاتنا من أجل فرنسا وسلامها واستقرارها ونموّها، رئيسًا وشعبًا ومؤسّسات.
ويطيب لي أن أرحّب بالمدير العامّ لمؤسّسة l’Œuvre d’Orient، حضرة المونسنيور Hugues de Woillemont، وأشكره وكلّ أعضاء المؤسّسة، وخاصّة ممثّلها في لبنان العزيز Vincent ومعاونيه، على جميع المساعدات المتنوّعة الّتي تقدّمها بسخاء، بفضل توجيهاتكم، حضرة المونسنيور مديرها العامّ. فنسأل لكم النّجاح في مسؤوليّتكم الجديدة، وللمؤسّسة دوام النّموّ. وفي المناسبة، أهنّئكم على مرور 170 سنة على تأسيسها.
والآن اسمحوا لي سعادة السّفير أن أتلو بالعربيّة عظتي، وأنتم معكم ترجمتها بالنّصّ الفرنسيّ.
أيّها الإخوة والاخوات الأحبّاء،
1. مريم المجدليّة، يقول الإنجيل، هي "الّتي أخرج منها الرّبّ يسوع سبعة شياطين" (مر 16، 9)، للدّلالة أنّها كانت معروفة بكثرة خطاياها. هذه تابت، وغفر لها يسوع جميع خطاياها، عندما دخلت بيت سمعان الفرّيسيّ حيث كان يسوع، وغسلت رجليه بالطّيب والدّموع ونشّفتها بشعر رأسها، فقال يسوع لسمعان: "مغفورة لها خطاياها الكثيرة لأنّها أحبّت كثيرًا" (لو 7: 47).
فبتوبتها العظيمة، غُفرت لها خطاياها الكثيرة، وغيّرت سيرة حياتها كلّيًّا. ما يعني أنّها اختبرت "قيامة القلب"، فصارت جديرة بأن يتراءى لها المسيح القائم من الموت أوّلًا، ويسلّمها إعلان بشرى قيامته، لأنّها صارت جديرة بالتّصديق. لقد أصبحت رسولة القيامة لدى رسل المسيح.
2. يا لعظمة سرّ التّوبة. إنّه المعموديّة الجديدة الّتي يولد فيها الإنسان ابنًا لله من فيض محبّة المسيح الّذي مات فداءً عن خطايا البشريّة جمعاء، وقام لتبريرنا. وقد اختبر القيامة قبل حصولها ذاك لصّ اليمين الّذي صُلب مع يسوع، عندما انتهر رفيقه لصّ الشّمال، وهو يجدّف على المسيح المصلوب، إذ التفت إلى يسوع وقال له بكثير من التّوبة: "اذكرني متى تأتي في ملكوتك! فأجابه يسوع: اليوم تكون معي في الفردوس". (لو 23: 42 – 43).
3. إنّنا نحتفل بقيامة الرّبّ يسوع، الحدث الأعظم في تاريخ البشريّة، الحدث الّذي بدّل مجرى الزّمن، وغيّر معنى الحياة، وفتح أمام الإنسان باب الرّجاء الّذي لا يُقفل. فلو لم يقم المسيح، لكان إيماننا باطلًا، ورجاؤنا وهمًا، ولكان الموت هو النّهاية الحتميّة لكلّ إنسان ولكلّ شيء. لكن المسيح قام، فصار الرّجاء حقيقة، وصارت الحياة أقوى من الموت، وصار الإنسان مدعوًًّا إلى حياة جديدة لا تزول.
4. القيامة ليست حدثًا نؤمن به فقط، بل حياة نعيشها كلّ يوم، عندما نختار الحقيقة، ونتمسّك بالمحبّة، ونرفض الاستسلام. والقيامة هي أيضًا سلام. فالمسيح القائم هو ربّ السّلام، وهو الّذي قال: "السّلام لكم" (لو 24: 36). ونحن أبناء هذا السّلام، مدعوّون أن نحمله في قلوبنا، وأن ننشره في حياتنا. نريد سلامًا في داخل الإنسان، سلامًا في المجتمع، وسلامًا في الوطن. فالقيامة الّتي لا تصنع سلامًا تبقى ناقصة، والإيمان الّذي لا يتحوّل إلى سلام لا يكتمل.
5. إذا كانت القيامة قد غيّرت تاريخ البشريّة، فهي أيضًا دعوة لتغيير واقعنا الوطنيّ اللّبنانيّ. فلبنان اليوم يعيش مرحلة دقيقة، تتراكم فيها الأزمات وتتداخل فيها التّحدّيات. دمار وقتل وتشريد خلّفته الحرب الدّائرة بين حزب الله وإسرائيل، تعدّيات مستمرّة على الأرض والسّيادة، أزمات اقتصاديّة واجتماعيّة أثقلت كاهل المواطنين. تراجع في مؤسّسات الدّولة أدخل البلاد في حالة من القلق والجمود.
هذه الحرب والاعتداءات مرفوضة من الدّولة اللّبنانيّة ومن الشّعب، لأنّها تمسّ كرامة الإنسان وتضرب الاستقرار، ولا يمكن القبول بها كأمر واقع دائم. فإنّها تحاصر الصّامدين في بلداتهم مطالبين بالسّلام وإيقاف الحرب. ونطالب بفتح ممرّات إنسانيّة لتمرير المواد الغذائيّة والأدوية وسواها من حاجات يوميّة، بموجب القوانين الدّوليّة. أعني اتّفاقيّة جنيف الرّابعة لعام 1949 بموادها 23 و55 و56 و59، وبروتوكولها الإضافيّ الأوّل للعام 1977 في مادّتيه 54 و70، وقرار مجلس الأمن 1701 في مادته 11 (د).
6. لبنان ليس وطنًا للموت، بل للحياة. هو مساحة لقاء، ووطن مدعوّ ليعيش دوره كاملًا بعيدًا عن كلّ ما يشوّه هويّته.
لبنان لا يقوم إلّا بحياده، حيادٍ نابع من رسالته، حيادٍ يحفظه من الانزلاق في صراعات الآخرين، حيادٍ يبعده عن التّوتّرات والمؤامرات والتّحدّيات الّتي ليست له، حيادٍ يجعله مساحة لقاء لا ساحة نزاع.
إنّه الحياد النّاشط الإيجابيّ، حياد لا يعني الانغلاق، بل الحضور الفاعل، حياد لا يعني الضّعف، بل القوّة في الثّبات على الرّسالة، حياد يحمي لبنان ويصون دوره ويثبّت استقراره.
فلبنان، بموقعه وغناه وتاريخه، لا يجوز إلّا أن يكون حياديًّا، بعيدًا عن محاور الصّراع، ثابتًا في رسالته، أمينًا لهويّته، وفيًّا لدوره كجسر بين الشّرق والغرب. لقد قام لبنان عبر تاريخه مرّات عديدة، وفي كلّ مرّة نهض من تحت الرّكام. واليوم، رجاؤنا أن تكون قيامته قيامة حقيقيّة، ثابتة، قائمة على أسس الحقّ والحياة. فالمسيح قام مرّة واحدة وفتح طريق الحياة، ولبنان مدعوّ ليقوم قيامته الصّادقة الحقيقيّة، قيامته الّتي تعيد إليه رسالته، وتجعله منارة رجاء في هذا الشّرق.
فالمسيح قام! حقًّا قام!".
