الرّاعي في الشّعانين: تبقى دعوتنا أن نهتف سلامًا، سلامًا، سلامًا وكفى حربًا وقتلًا وتدميرًا!
كلام الرّاعي جاء في عظة عنوانها: "هوشعنا! مبارك الآتي باسم الرب، ملك إسرائيل" (يو 12: 13)، قال فيها:
"1. يسوع يدخل أورشليم لآخر مرّة ليشارك في عيد الفصح اليهوديّ، وكان مدركًا اقتراب ساعة آلامه وموته. وخلافًا لكلّ المرّات، لم يمنع الشّعب من إعلانه ملكًا، وارتضى دخول المدينة بهتافهم: "هوشعنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرّبّ، ملك إسرائيل". دخل أورشليم ليموت فيها ملكًا فاديًا البشر أجمعين، وليقوم من بين الأموات ملكًا مخلِّصًا إلى الأبد من أجل بعث الحياة فيهم. هذا يعني أنّه أسلم نفسه للموت بإرادته الحرّة.
2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا في هذا الاحتفال المبارك، مع ترحيب خاصّ بأطفالنا الأعزّاء، صغارنا الّذين يملؤون هذا العيد فرحًا ونورًا. اليوم هو عيدكم، عيد الأطفال الأحبّاء، عيد الشّعانين، عيد الأطفال بالثّياب الجديدة والشّموع المضيئة والقلوب البريئة. أنتم فرحة هذا العيد، وأنتم صورة البراءة الّتي استقبلت يسوع في أورشليم بهتافات: هوشعنا!
لكن قلوبنا تعتصر ألمًا وحزنًا على الأطفال الّذين قصفت أعمارهم صواريخ الحرب البغيضة على أرضنا؛ وعلى الأطفال المشرّدين مع أهلهم تحت هذه الأمطار والصّقيع بدون ثياب عندهم.
فإنّا نشكر كلّ المؤسّسات والأفراد الّذين يحملون إليهم المواد الغذائيّة والأدوية والثّياب، ونخصّ بالذّكر دولة مصر الّتي وصلت مساعداتها بالأمس. ونتضامن مع أهلنا المسالمين الصّامدين في بيوتهم، في الجنوب وسواه، ملتمسين السّلام ونهاية هذه الحرب المشؤومة.
ولكن ما يؤلمنا بالأكثر استشهاد والد وابنه على طريق دبل وهما جورج وابنه إيلي سعيد، كما يؤلمنا قتل صحافيّين، وطواقم طبّيّة، وعناصر من الجيش اللّبنانيّ، وضحايا مدنيّين في عدّة مناطق. كلّهم قضوا باستهدافات الجيش الإسرائيليّ. فإنّا نصلّي لراحة نفوسهم، وعزاء أهلهم.
3. في مثل هذا اليوم خرجت الجموع لاستقبال يسوع، حاملين أغصان النّخل والزّيتون، هاتفين: "هوشعنا! مبارك الآتي باسم الرّبّ، ملك إسرائيل". لقد استقبلوه كملك، لكن يسوع لم يدخل كملوك هذا العالم. لم يدخل بعظمة خارجيّة، بل دخل راكبًا على جحش، في صورة تعكس عمق تواضعه. إنّه ملك التّواضع، ملك السّلام، ملك يختار البساطة طريقًا، والمحبّة رسالة.
أغصان النّخل الّتي حملها الشّعب كانت علامة استقبال الملوك، وأغصان الزّيتون علامة السّلام، فاجتمع في هذا المشهد معنى الملك ومعنى السّلام. وكان هذا الدّخول هو الأخير قبل آلامه وصلبه، قبل أن يسلّم ذاته حبًّا وفداءً. وكانت الجموع كثيرة، لأنّهم أتوا إلى أورشليم للاحتفال بعيد الفصح بحسب العادة، وكانوا قد سمعوا عن يسوع، خاصّة بعد إقامته لعازر من الموت، فاندفعوا للقائه.
لكن في المقابل، كان الفرّيسيّون يتشاورون كيف يهلكون يسوع. وهكذا يتجلّى التّناقض بين من يهتف بالفرح، ومن يفكّر بالرّفض، بين من يرى النّور، ومن يختار الظّلمة. ويسوع، في وسط هذا كلّه، يدخل أورشليم بثبات، عارفًا طريقه، متمّمًا رسالته حتّى النّهاية.
4.إنّ إنجيل أحد الشّعانين يحمل رسالة عميقة لواقعنا اللّبنانيّ اليوم. فالشّعب الّذي خرج لاستقبال يسوع لم يحمل سلاحًا، بل حمل أغصان النّخل والزّيتون، علامة الفرح والسّلام. واليوم، ونحن نحمل هذه الأغصان، لا يمكن إلّا أن نتأمّل في واقع وطننا الّذي يعيش اضطرابات وتوتّرات على أرضه وحدوده. في وسط هذا الواقع، يأتي هذا العيد ليذكّرنا بأنّ خيارنا هو السّلام. أغصان الزّيتون الّتي نحملها ليست مجرّد رمز، بل هي موقف، هي إعلان بأنّنا نريد السّلام، ونتمسّك به، ونعيشه رغم كلّ التّحدّيات.
"هوشعنا" الّتي هتف بها اليوم هي صرخة رجاء، صرخة إيمان، صرخة تقول إنّنا نريد الخلاص، نريد أن يبقى وطننا في نور الحقّ. وفي زمن تميل فيه الأصوات إلى التّوتّر والانقسام، تبقى دعوتنا أن نهتف: سلامًا، سلامًا، سلامًا! وكفى حربًا وقتلًا وتدميرًا!
فالمسيح الّذي دخل أورشليم هو ملك السّلام، ونحن مدعوّون لنحمل هذا السّلام في قلوبنا، وفي بيوتنا، وفي مجتمعنا. إنّ قوّة الإنسان ليست في العنف، بل في قدرته على التّمسّك بالسّلام، وعلى حفظ الكرامة، وعلى الثّبات في الحقّ. وهكذا يصبح أحد الشّعانين دعوة حقيقيّة لنا لنكون شهودًا للسّلام، ولنحمل في حياتنا هذا الغصن الأخضر، علامة الرّجاء الّذي لا يخيّب، والإيمان الّذي لا ينكسر.
5. فلنرفع صلاتنا اليوم إلى الله، كي يبارك أطفالنا ويملأ قلوبنا فرحًا ونورًا، ويحمينا من ويلات الحرب، وكي يحفظ عائلاتنا في المحبّة والسّلام. نصلّي من أجل وطننا لبنان، لكي يحفظه الله من كلّ شرّ، ويمنحه الاستقرار والسّلام الدّائم والعادل والشّامل. ونصلّي لكي يبقى هذا الوطن أرض رسالة، أرض لقاء، أرض سلام، ولكي يمنح الله أبناءه القوّة والثّبات في هذه الظّروف. فنرفع المجد والشّكر للثّالوث القدّوس، الآب والابن والرّوح القدس، الإله الواحد، آمين."
