لبنان
10 شباط 2026, 06:00

الرّاعي صلّى في عيد مار مارون من أجل لبنان ومسؤوليه وشعبه

تيلي لوميار/ نورسات
إحتفل البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة بطرس الرّاعي بالقدّاس الإلهيّ في كاتدرائيّة مار جرجس المارونيّة في وسط بيروت، عاونه فيه رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس عبد السّاتر والنّائب البطريركيّ المطران حنّا علوان.

شارك في القدّاس: عميد السّلك الدّبلوماسيّ السّفير البابويّ المونسنيور باولو بورجيا، وبطريرك السّريان الكاثوليك مار إغناطيوس يوسف الثّالث يونان، وبطريرك الرّوم الملكيين الكاثوليك يوسف العبسيّ، وبطريرك بيت كيليكيا للأرمن الكاثوليك روفائيل بدروس الحادي والعشرون ميناسيان، وبحضور رئيس الجمهوريّة العماد جوزيف عون وعقيلته اللّبنانيّة الأولى السّيّدة نعمت عون، ورئيس مجلس النّوّاب الأستاذ نبيه برّي ورئيس مجلس الوزراء القاضي نوّاف سلام وعقيلته السّيّدة سحر سلام، وشخصيّات وزاريّة ودبلوماسيّة ونيابيّة وسياسيّة وعسكريّة وأمنيّة وقضائيّة ونقابيّة وإجتماعيّة وإعلاميّة، وأساقفة بيروت من مختلف الطّوائف وعدد من الرّؤساء العامّين والمدبّرين ولفيف من الكهنة والرّهبان، وعدد من الرّئيسات العامّات والرّاهبات ومدراء المستشفيات، ورؤساء المؤسّسات في الأبرشيّة وموظّفيها، وحشد من أبناء الرّعايا والمؤمنين.

وبعد الإنجيل المقدّس، ألقى البطريرك الرّاعي عظة بعنوان: "حبّة الحنطة إذا وقعت في الأرض وماتت أعطت ثمرًا كثيرًا" (يو 22:12)، وتوجّه فيها إلى الرّؤساء الثّلاثة والحاضرين مرحّبًا وقائلًا:

"1. يسعدني أن أرحّب بكم، باسم سيادة المطران بولس عبد السّاتر، رئيس أساقفة بيروت، وأنتم على رأس وزراء ونوّاب وأصحاب مقامات مدنيّة وروحيّة، وسيادة السّفير البابويّ وممثّلي أصحاب الغبطة البطاركة والسّادة الأساقفة، ومؤمنين ومؤمنات، أتيتم جميعًا للاحتفال بالعيد الوطنيّ لأبينا القدّيس مارون، أب الطّائفة المارونيّة. نرحّب بكم جميعًا في هذا العيد المجيد، عيد القداسة المتجذّرة في التّاريخ، عيد الإيمان الّذي لم ينكسر أمام الاضطهادات والضّيقات والصّعوبات، ولم يساوم على الحرّيّة والقيم الإنجيليّة، ولم يساكن الظّلم، بل حمل الصّليب ومشى وراء يسوع.

فإنّا نصلّي معكم ومن أجلكم لكي، بشفاعة القدّيس مارون، تتمكّنوا مع معاونيكم في السّلطتين التّشريعيّة والإجرائيّة، من حصر السّلاح، وتطبيق وقف إطلاق النّار والقرار 1701، وانسحاب إسرائيل من جنوبي لبنان، وبسط كامل سيادة الدّولة اللّبنانيّة على جميع أراضيها، وتمكين الجيش من تنفيذ خطّته، والقيام بعمليّة إعادة الإعمار، وإجراء الإصلاحات.

2. عاش القدّيس مارون في القسم الثّاني من الجيل الرّابع، وتوفّي سنة 410، ناسكًا في العراء، بمنطقة القورشيّة الواقعة بين مدينتَي أنطاكية وحلب. كتب سيرة حياته الأسقف تيودوريطس مطران القورشيّة في كتابه: "أصفياء الله". منحه الله هبة الشّفاء من أمراض النّفس والجسد بقوّة صلاته. كتب إليه من منفاه في الكوكاز القدّيس يوحنّا فم الذّهب بطريرك القسطنطينيّة، رسالة جاء فيها: "حتّى ولو كنّا بعيدين عنك بالجسد، فإنّنا نواصل التّفكير في نشاطاتك، فنطمئنّ ونحصل على الكثير من التّعزية، ونحن هنا في هذا المنفى. وجلّ ما نطلب منك أن تصلّي لأجلنا".

3. "حبّة الحنطة، إذا وقعت في الأرض وماتت، أعطت ثمرًا كثيرًا" (يو 12: 22). حبّة الحنطة هي المسيح نفسه الّذي مات مصلوبًا في أورشليم، فانبثقت من موته الكنيسة بعنصريها الإلهيّ والبشريّ. هذا الواقع حاضر أبدًا في سرّ الافخارستيّا. فالخبز الّذي يُكسر هو علامة السّيّد المسيح المعطى لنا، وهو في الوقت عينه دعوة لكنيسة الأرض، جماعة المؤمنين، ولكلّ مؤمن ومؤمنة أن يُكسر حبًّا، ليصير غذاءً روحيًّا ورجاءً للآخرين.

وحبّة الحنطة هذه تطبَّق على القدّيس مارون الّذي مات عن نفسه في جبل قورش، فولدت منه الكنيسة المارونيّة الّتي تجذّرت في لبنان، وانتشرت في العالم كلّه. إنّ حبّة الحنطة هذه تعلّمنا أنّ الحياة الّتي لا تعرف التّضحية تبقى عقيمة. والإنسان الّذي يرفض أن "يموت" عن أنانيّته لا يعطي ثمرًا. هناك كثيرون يمرّون في الحياة ولا يتركون أثرًا، لأنّهم لم يعطوا شيئًا، ولم يضحّوا بشيء، ولم يحملوا مسؤوليّة شيء، سوى كلامهم الفارغ.

4. هذا النّهج هو إنجيل التّضحية: موت عن الذّات وحياة، يدعونا إليه الرّبّ يسوع، وعاشه القدّيس مارون. يكتب الطّوباويّ البطريرك إسطفان الدّويهيّ في كتابه: "أصل الموارنة": أنّ عددًا من الرّجال النّسّاك والنّساء النّاسكات تتلمذوا على يد القدّيس مارون وسلكوا النّهج عينه تابعين الإنجيل فنذكر من بينهم البارّ سمعان العاموديّ والّذين تركوا الدّنيا، وطلبوا النّسك وعيشة التّقشّف في جبل قورش.

5. وشاءت العناية الإلهيّة أن تتطوّر المسيرة وتترسّخ، بفعل الإشراق الرّوحيّ وفعاليّة الفضائل في الأشخاص والجماعات، فتنتقل الرّسالة من أبوّة معلّم قدّيس وقدوة، إلى تلاميذ التفّوا حوله واقتنعوا بنهجه النّسكيّ وغيرته الرّوحيّة الإنسانيّة، إلى بيئة شعبيّة تحلّقت حولهم جميعًا وما لبثت أن بنت، تخليدًا لذكرهم، على اسم الشّفيع المميّز، أديرة عديدة، لاسيّما دير مار مارون على نهر العاصي.

في هذا الصّدد، يخبرنا الدّويهيّ "أنّ في هذه البلاد، شاع ذكر بعض قدّيسين، وقصدوا فيها حياة الوحدة. وبمدّة يسيرة من الزّمان، أصبح ديرًا عظيمًا، حتّى بلغ عدد رهبانه ثمان ماية، وكانت له الرّئاسة على سائر الأديرة".

6. حمل الموارنة في مجتمعهم السّريانيّ لواء الدّفاع عن العقيدة الّتي أعلنها مجمع خلقيدونيا (451) الّذي أثبت "أنّ في يسوع، ابن الله طبيعتين كاملتين إحداهما إلهيّة والثّانية بشريّة في أقنوم واحد".

وبسبب اتّحادهم الدّائم بكرسيّ بطرس في رومية، وبسبب عدم وجود بطريرك في أنطاكية، كرسيّ بطرس الأوّل، غير متّحد مع رومية، انتخب المطارنة الموارنة رؤساء الأديار أوّل بطريرك على كرسيّ أنطاكية بشخص أسقف البترون القدّيس يوحنّا مارون. وهكذا تكوّنت الكنيسة المارونيّة، وتمركزت في لبنان عبر العصور الصّعبة تارةً، والسّهلة تارةً أخرى، فكتبت تاريخها على أرضه، وأصبح لبنان الوطن الرّوحيّ للموارنة، إذ فيه الكرسيّ البطريركيّ والقدّيسون والأبرشيّات والرّهبانيّات والمؤسّسات والتّراث والآثار. وتشلّشت الطّائفة المارونيّة في أرضه وصخوره، وفيه عاشت مع إخوانهم المسلمين جمال العيش المشترك وحوار الحياة والثّقافة والمصير. ومن لبنان انتشرت في القارّات الخمس، فكانت لها فيها أبرشيّاتها ورعاياها ورسالاتها.

7. إنّ دعوة حبّة الحنطة في السّياق الوطنيّ هي دعوة إلى أن تتحوّل الطّاقات الفرديّة إلى مشروع جماعيّ، وأن تُستثمر المسؤوليّات في خدمة الخير العامّ، وأن يُعاد الاعتبار للقيم الّتي شكّلت هويّة هذا الوطن وهي: الحرّيّة، والعدالة، والتّضامن، والعيش المشترك.

في هذا الإطار، تبقى للموارنة رسالة وطنية تاريخيّة، رسالة متجذّرة في الإيمان بالإنسان، وفي الالتزام بالأرض، وفي الشّهادة للحرّيّة. رسالة لا تُختصر بدور، بل تُترجم بحضور واعٍ، وبمساهمة هادئة وبنّاءة في تثبيت أسس الدّولة، وتعزيز ثقافة الحوار، وصون صيغة العيش معًا.

8. في هذا العيد المبارك، نرفع صلاتنا إلى الله شاكرينه على نعمة القدّيس مارون، وعلى الكنيسة المارونيّة، وعلى كلّ من حمل الرّسالة بأمانة عبر الأجيال.

نصلّي من أجل وطننا لبنان، كي يبقى أرض لقاء ورسالة حرّيّة، ومساحة رجاء لكلّ أبنائه. نصلّي من أجل جميع المسؤولين، كي تُنار قلوبهم بالحكمة، وتُسند خطواتهم بروح المسؤوليّة، ويقودهم الضّمير إلى ما فيه خير الإنسان والوطن. نصلّي من أجل شعبنا، كي يبقى ثابتًا في الرّجاء، راسخًا في الإيمان، ومؤمنًا بأنّ حبّة الحنطة الّتي تُزرع بالأمانة تُثمر في أوانها. ونرفع المجد والشّكر للآب والابن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين".

وكان الرّئيس عون والبطريرك الرّاعي قد أضاء كلّ منهما شمعة أمام ذخائر مار مارون، كما كانت كلمة للمطران عبد السّاتر قال فيها: 

"صاحب الغبطة والنّيافة مار بشاره بطرس الرّاعي، أشكر لكم استجابتكم لدعوتي إلى الاحتفال بعيد القدّيس مارون برفقة أصحاب الغبطة والسّيادة وقدس الآباء العامّين والكهنة. وجودكم بيننا يا صاحب الغبطة هو علامة على روحكم الأبويّة الّتي تدفعكم دائمًا إلى أن تكونوا بين أولادكم، تصلّون معهم ولأجلهم وتصغون إلى مخاوفهم وتبعثون فيهم الرّجاء. وجودكم بيننا يا صاحب الغبطة هو تأكيد على تمسّك الكنيسة المارونيّة ببيروت مدينةِ الحوار والثّقافة عاصمةً للوطن الواحد غير المقسّم إلى دويلات دينيّة أو حزبيّة أو عقائديّة.

فخامة رئيس الجمهوريّة العماد جوزيف عون والسّيّدة الأولى، دولة رئيس مجلس النّوّاب الأستاذ نبيه برّي، ودولة رئيس مجلس الوزراء الأستاذ نوّاف سلام والسّيّدة عقيلته، أشكر لكم حضوركم معنا في هذا الصّباح المبارك برفقة كلِّ أركان الدّولة وأعضاء السّلك الدّيبلوماسيّ والمسؤولين في الأجهزة العسكريّة والأمنيّة وفي الهيئات الاجتماعيّة والمدنيّة والرّوحيّة. أشكركم يا فخامة الرّئيس أنتم الّذين منذ تسلّمكم مهام الرّئاسة تعملون لأجل نهضة الوطن ولأجل خير كلِّ مواطن على مساحة كلّ الوطن. أشكركم على جرأتكم في المواقف وعلى صراحتكم في الكلام. أشكركم على عنادكم في القرار وعلى حكمتكم وصبركم في تنفيذ القرار.

معكم نصلّي من أجل السّلام في لبنان والمنطقة. ولأجلكم نصلّي كي تتمكّنوا بمؤازرة الجميع من تنفيذ كلِّ بنود خطاب القسم.

لأجلكم نصلّي كي تستطيعوا أن تحموا مواطنيكم من كلِّ اعتداء وظلم وفساد من أيّ جهة أتى.

لأجلكم نصلّي كي تتمكّنوا من إعادة أموال المودّعين إليهم ومحاسبة من خرّبوا اقتصاد البلاد.

لأجلكم نصلّي كي تنكشف في عهدكم حقيقة انفجار مرفأ بيروت من أجل العدالة والحقّ.

حفظنا الرّبّ من كلّ سوء وحفظ لبنان بشفاعة القدّيس مارون. آمين".

وبعد القدّاس الإلهيّ الّذي خدمته جوقة مؤلّفة من جوقات رعايا السّيّدة الحدث والسّيّدة سنّ الفيل ومار يوسف بيروت بقيادة الأب فادي طوق الأنطونيّ، تقبّل الرّئيس واللّبنانيّة الأولى والبطريرك الرّاعي والمطران عبد السّاتر التّهاني بالعيد في صالون الكاتدرائيّة، وفق ما ذكر إعلام الأبرشيّة.