لبنان
23 آذار 2026, 06:00

الرّاعي: أهلنا الّذين صمدوا في أرضهم هم سياج الوطن ولبنان بحاجة إلى صرخة الحقّ والإيمان

تيلي لوميار/ نورسات
في أحد شفاء الأعمى، أكّد البطريرك المارونيّ الكاردينال مار بشارة طرس الرّاعي على حاجة لبنان اليوم إلى صرخة الأعمى، فكما أنّه "لم يقبل أن يسكت، كذلك لا يمكن أن يسكت صوت الحقّ، ولا يمكن أن تختفي الحقيقة مهما اشتدّ الظّلام".

كلام الرّاعي جاء في عظته خلال قدّاس الأحد الّذي ترأّسه في بكركي، وقال فيها تحت عنوان "يا معلّم، أن أبصر" (مر 10: 51):

"1. تذكر الكنيسة المارونيّة في هذا الأحد شفاء أعمى أريحا. فهذا الأعمى الجالس على قارعة الطّريق يستعطي، لم يكن يرى يسوع بعينيه المنطفئتين، لكنّه كان يراه ببصيرته الدّاخليّة، أيّ بعقله المستنير بالإيمان. فدعاه باسمه البيبليّ: "يا ابن داود ارحمني" (مر 10: 47)، أيّ أيّها المسيح الآتي حامل الرّحمة الإلهيّة، ارحمني. ولمّا سأله يسوع: "ماذا تريد أن أصنع لك؟" (مر 10: 50)، لم يطلب حسنة، بل طلب النّظر: "يا معلّم، أن أبصر" (مر 10: 51). فأجابه يسوع: "أبصر، إيمانك خلّصك" (مر 10: 52). لقد كان المبصر الوحيد بين الجمع الغفير، لأنّه كان يمتلك البصيرة الدّاخليّة بإيمانه وعقله وضميره. كما يسعدني أن ارحّب برئيس بلديّة القوزح البلدة الجنوبيّة الحبيبة، ونصلّي من أجل نهاية الحرب وعودتهم إلى أرضهم.

2. يسعدني أن أرحّب بكم جميعًا للاحتفال معًا بهذه اللّيتورجيا الإلهيّة، مع ترحيب خاصّ بالهيئة الإداريّة الجديدة لرابطة سيّدة إيليج، برئاسة عزيزنا السّيّد تيدي أبو رجيلي. فنتمنّى لها التّوفيق والنّجاح في مهمّتها ونشاطاتها.

3. يؤلمنا في الصّميم أن نرى الحرب الدّائرة بين حزب الله وإسرائيل تتواصل، رغمًا عن إرادة اللّبنانيين المخلصين والحكومة. فلا رحمة ولا شفقة بالمهجّرين من بيوتهم وبلداتهم رجالًا ونساءً وأطفالًا، وقد بلغ عددهم مليون وثلاثمائة ألف، وبالضّحايا القتلى وقد بلغوا الألف، بالإضافة إلى حوالي ثلاثة آلاف جريح.

ونتضامن مع الصّامدين في بلداتهم، رافضين الحرب وطالبين السّلام. ونحيّي شاكرين كلّ الّذين، أشخاصًا ومؤسّسات، يقدّمون المساعدات على أنواعها للنّازحين وللصّامدين. ونصلّي إلى الله كي ينهي الحروب والنّزاعات ويوطّد السّلام العادل والدّائم والشّامل.

4. ذاك الأعمى الجالس على قارعة الطّريق، كان يعيش على هامش الحياة لعدم اعتبار النّاس له، مثل الفقراء وذوي الإعاقات. فقلّما يعتبرهم النّاس، ويقصونهم عن حياتهم. لكن أعمى أريحا خذل هؤلاء النّاس، لكونه كان بينهم المبصر الحقيقيّ. فهم عرفوا يسوع سطحيًّا، أنّه "يسوع النّاصريّ" لا أكثر ولا أقلّ. أمّا ذاك الأعمى صاحب البصيرة الدّاخليّة فرآه على حقيقته، رآه أنّه المسيح ابن داود حامل الرّحمة الإلهيّة، والنّور للعميان. وقد قال يسوع عن نفسه يومًا: "أنا نور العالم، من يتبعني، لا يمشي في الظّلام" (يو 8: 12).

5. إنجيل الأعمى يحمل بعدًا ليتورجيًّا، لأنّه يكشف لنا معنى اللّقاء مع يسوع في حياتنا. نحن مثل هذا الأعمى. نأتي حاملين ضعفنا، ظلامنا، جراحنا، ونصرخ إليه في داخلنا: "يا ابن داود ارحمني". اللّيتورجيا هي اللّحظة الّتي يتوقّف فيها يسوع معنا، مع كلّ واحد وواحدة منّا، يسمع صلاتنا، ويمنحنا نوره. فالقدّاس هو لقاء مع نور المسيح، الّذي ينير عقولنا، ويقوّي إيماننا، ويجدّد حياتنا، ويخرجنا من الظّلمة إلى النّور، ومن الضّعف إلى الرّجاء.

6. هذا الإنجيل لا يخصّ فقط حياة الفرد، بل يحمل رسالة عميقة لحياة الوطن. فكما كان هذا الأعمى جالسًا على جانب الطّريق، مهمّشًا، متروكًا، كذلك هناك شعوبنا وشعوب آخرون يعيشون اليوم على هامش الألم والمعاناة.

لبنان اليوم يعيش ظروفًا صعبة، نعيش اعتداءات على أرضنا، وتوتّرات على حدودنا، وضغوطًا تمسّ كرامة شعبنا.

وهناك من أهلنا من اضطرّوا إلى ترك بيوتهم وأراضيهم، ويعيشون آلام النّزوح. لكن هناك صورة أهلنا الّذين صمدوا والّذين تمسّكوا بأرضهم، مطالبين بالسّلام. هؤلاء هم سياج الوطن، وحُماته الحقيقيّون، الّذين يحفظون الأرض بإيمانهم وثباتهم. إنّهم يشبهون هذا الأعمى، الّذي رغم ضعفه لم يفقد صوته، بل صرخ بإيمان.

وطننا اليوم بحاجة إلى هذه الصّرخة، صرخة الحقّ، صرخة الإيمان، صرخة التّمسّك بالنّور، بالسّلام، بالمصالحة. كما أنّ الأعمى لم يقبل أن يسكت، كذلك لا يمكن أن يسكت صوت الحقّ، ولا يمكن أن تختفي الحقيقة مهما اشتدّ الظّلام.

7.في ضوء إنجيل شفاء الأعمى، لا بدّ من الإضاءة على واقع المواطنين الّذين يعانون من ظلمة العدالة بحقّ الموقوفين والمساجين عندنا. فمن غير المقبول، بل من غير الإنسانيّ، أن يتحوّل الاحتجاز إلى عقوبة، وأن يصبح التّوقيف الاحتياطيّ حكمًا غير معلن، وأن تمتلئ السّجون بمن لم تُحسم بعد قضاياهم، فتصبح حياتهم معلّقة، وأعمارهم تُستنزف. فالعدالة لا تفقد معناها فقط حين تُنتهك، بل أيضًا حين تتأخّر، وحين يُترك الإنسان معلّقًا بين الاتّهام والحكم، وبين الرّجاء والمجهول.

8.لهذا، المطلوب اليوم تسريع إجراءات المحاكمة، وتفعيل القضاء بكلّ ما يقتضيه ذلك من جدّيّة وفعاليّة، ومعالجة واقع السّجون، والبحث في حلولٍ عمليّة لهذه المعضلة. لم يعد الأمر يحتمل التّأجيل، ولا مسألةً تقبل التّبرير.

إنّنا اليوم أمام جرحٍ وطنيّ وإنسانيّ عميق، جرحٍ نازف يكشف مقدار ما بقي فينا من حسّ العدالة، وما بقي في مؤسّساتنا من احترامٍ لصورة الإنسان وكرامته.

9. ستبقى الكنيسة دائمًا إلى جانب الإنسان: تحمل ألمه، تحرس كرامته، ترفع صوته، وتُذكّر العالم أجمع بأنّ العدالة الّتي لا تقوم على الإنسانيّة، ليست بعدالة، وأنّ الوطن الّذي لا يحفظ حقوق وكرامة الإنسان، يفقد شرعيّة حضوره في وجدان أبنائه.

10. لنرفع صلاتنا اليوم إلى الله، أيذها الإخوة والأخوات الأحبّاء، لكي يفتح أعين قلوبنا لنرى نوره، ولكي يقوّي إيماننا لنثبت في الرّجاء. نصلّي من أجل وطننا لبنان، لكي يحفظه الله من كلّ شرّ، ويمنحه السّلام والاستقرار. نصلّي من أجل أهلنا النّازحين، لكي يعزّيهم الله ويعيدهم إلى أرضهم، ونصلّي من أجل أهلنا الصّامدين، لكي يقوّيهم ويبارك ثباتهم. ولله كلّ مجد وشكر، الآب والابن والرّوح القدس، الآن وإلى الأبد، آمين."