الفاتيكان
25 شباط 2026, 11:40

البابا: يمكن لكلّ ثقافة أن تكون مكان لقاء مع المسيح

تيلي لوميار/ نورسات
بمناسبة انعقاد المؤتمر اللّاهوتيّ الرّعويّ حول ظهورات العذراء مريم سيّدة غوادالوبي في العاصمة المكسيكيّة من 24 وحتّى 26 شباط/ فبراير، وجّه البابا لاون الرّابع عشر رسالة إلى المشاركين.

وكتب البابا في هذه الرّسالة بحسب "فاتيكان نيوز": 

"أحيّيكم من كلِّ قلبي وأشكركم على عملكم التّأمّليّ حول علامة الانثقاف الكامل الّتي شاء الرّبّ أن يهديها لشعبه في شخص القدّيسة مريم العذراء سيّدة غوادالوبي. عند التّأمّل حول انثقاف الإنجيل، يجدر بنا أن نعرف الطّريقة الّتي أظهر بها الله نفسه وقدّم لنا بها الخلاص.

لقد شاء الله أن يُظهر نفسه لا ككيان مجرّد ولا كحقيقة مفروضة من الخارج، بل من خلال الدّخول تدريجيًّا في التّاريخ والحوار مع حرّيّة الإنسان. "بعدما كلّم الله آباءنا قديمًا بالأنبياء مرّات كثيرة وبطرق شتّى"، أظهر الله ذاته كلّيًّا في يسوع المسيح، الّذي فيه لم ينقل رسالة فحسب، بل بذل ذاته؛ ولهذا السّبب، كما يُعلِّم القدّيس يوحنّا الصّليب، لم تتبقَّ بعد المسيح كلمة أخرى ننتظرها، ولا يوجد شيء آخر يقال، فقد قيل كلّ شيء فيه. إنّ البشارة تقوم أوّلًا في جعل يسوع المسيح حاضرًا وفي متناول الجميع. يجب على كلّ عمل للكنيسة أن يسعى لإدخال الكائن البشريّ في علاقة حيّة معه، تلك العلاقة الّتي تنير الوجود، وتسائل الحرّيّة، وتفتح مسيرة ارتداد، وتهيّئ لقبول عطيّة الإيمان كاستجابة للحبّ الّذي يعطي المعنى ويعضد الحياة في جميع أبعادها.

ومع ذلك، فإنّ إعلان البشرى السّارّة يحدث دائمًا ضمن خبرة ملموسة. إنّ أخذ ذلك في عين الاعتبار يعني الاعتراف بمنطق سرّ التّجسّد والتّشبّه، والّذي به "الكلمة صار جسدًا وحلّ بيننا"، متّخذًا حالتنا البشريّة، بكلّ ما تتضمّنه في تكوينها الزّمنيّ. ويترتّب على ذلك أنّه لا يمكن تجاهل الواقع الثّقافيّ للّذين ينالون الإعلان، ويمكننا أن نفهم أنّ الانثقاف ليس تنازلًا ثانويًّا ولا مجرّد استراتيجيّة رعويّة، بل هو مطلب جوهريّ لرسالة الكنيسة. وكما أشار القدّيس بولس السّادس، فإنّ الإنجيل- والبشارة بالتّالي- لا يتماهى مع أيّ ثقافة معيّنة، ولكنّه قادر على اختراقها جميعًا بدون الخضوع لأيّ منها.

إنّ انثقاف الإنجيل، انطلاقًا من هذه القناعة، هو اتّباع المسار نفسه الّذي سلكه الله: الدّخول باحترام ومحبّة في التّاريخ الملموس للشّعوب لكي يُعرف المسيح حقًّا، ويُحبّ ويُقبل من داخل خبرتهم الإنسانيّة والثّقافيّة الخاصّة. وهذا يعني تبنّي اللّغات، والرّموز، وطرق التّفكير، والشّعور والتّعبير لكلّ شعب، ليس فقط كأدوات خارجيّة للإعلان، بل كأماكن حقيقيّة ترغب النّعمة في أن تسكنها وتعمل فيها. ومع ذلك، من الضّروريّ توضيح أنّ الانثقاف لا يعني "تقديس الثّقافات" أو اتّخاذها كإطار تفسيريّ حاسم للرّسالة الإنجيليّة، ولا يمكن اختزالها في تكييف نسبيّ أو مواءمة سطحيّة للرّسالة المسيحيّة؛ إذ لا يمكن لأيّ ثقافة، مهما بلغت قيمتها، أن تتماهى ببساطة مع "الوحي" أو تصبح المعيار النّهائيّ للإيمان. إنّ إضفاء الشّرعيّة على كلّ ما هو معطى ثقافيًّا أو تبرير الممارسات أو الرّؤى للعالم أو الهيكليّات الّتي تتعارض مع الإنجيل وكرامة الشّخص البشريّ، سيكون بمثابة تجاهل واقع أنَّه على كلّ ثقافة- مثل كلّ واقع بشريّ- أن تستنير وتتحوّل بالنّعمة المنبثقة من سرّ المسيح الفصحيّ.

الإنثقاف هو عمليّة شاقّة ومنقِّية، من خلالها يتعرّف الإنجيل- مع بقائه كاملًا في حقيقته- على "بذور الكلمة" الحاضرة في الثّقافات، ويميّزها ويتبنّاها، وفي الوقت نفسه ينقّي ويرفع قيمها الأصيلة، ويحرّرها ممّا يطمسها أو يشوّهها. إنّ بذور الكلمة هذه، كآثار لعمل الرّوح المسبق، تجد في يسوع المسيح معيار أصالتها وكمالها. ومن هذا المنظور، تعتبر القدّيسة مريم العذراء سيّدة غوادالوبي درسًا في التّربية الإلهيّة حول انثقاف الحقيقة الخلاصيّة. فيها لا يتمّ تطويب ثقافة ما ولا جعل فئاتها مطلقة، ولكن لا يتمّ تجاهلها أو احتقارها أيضًا: بل يتمّ تبنّيها وتنقيتها وتجلّيها لكي تصبح مكانًا للّقاء مع المسيح. تُظهر الـ"Morenita" (السّيّدة السّمراء) أسلوب الله في الاقتراب من شعبه؛ محترمًا في نقطة انطلاقه، مفهومًا في لغته، وحازمًا ورقيقًا في قيادته نحو اللّقاء بالحقيقة الكاملة، بـ"ثمرة بطنها" المباركة. على عباءة "التيلما"، وبين الورود المرسومة، تدخل البشرى السّارّة إلى العالم الرّمزيّ لشعب ما وتجعل قربها مرئيًّا، مقدّمةً حداثتها بدون عنف أو إكراه. وهكذا، فإنّ ما حدث في التّيبيياك لا يقدّم كنظريّة ولا كتكتيك، بل كمعيار دائم لتمييز رسالة الكنيسة التّبشيريّة، المدعوّة لإعلان الإله الحقيقيّ الّذي به نحيا بدون فرضه، ولكن أيضًا بدون تمييع الحداثة الجوهريّة لحضوره المخلّص.

اليوم، في مناطق كثيرة من القارّة الأميركيّة والعالم، لم يعد من الممكن اعتبار انتقال الإيمان أمرًا مفروغًا منه، لاسيّما في المراكز الحضريّة الكبرى والمجتمعات التّعدّديّة، الّتي تتّسم برؤى للإنسان وللحياة تميل إلى تهميش الله في النّطاق الخاصّ أو الاستغناء عنه. في هذا السّياق، يتطلّب تعزيز العمليّات الرّعويّة انثقافًا قادرًا على الحوار مع هذه الوقائع الثّقافيّة والأنثروبولوجيّة المعقّدة، بدون تبنّيها بشكل غير نقديّ، لدرجة توليد إيمان بالغ وناضج، يصمد في سياقات صعبة وغالبًا ما تكون معادية. وهذا يعني تصوّر انتقال الإيمان ليس كتكرار مجزّأ للمحتويات ولا كإعداد وظيفيّ محض للأسرار، بل كمسيرة تتلمذ حقيقيّة، تشكّل فيها العلاقة الحيّة مع المسيح مؤمنين قادرين على التّمييز، وتقديم دليل لرجائهم، وعيش الإنجيل بحرّيّة وصدق. لذلك، يصبح التّعليم الدّينيّ أولويّة لا غنى عنها لجميع الرّعاة. فهو مدعوّ لكي يحتلَّ مكانة مركزيّة في عمل الكنيسة، ويرافق بشكل مستمرّ وعميق عمليّة النّضج الّتي تؤدّي إلى إيمان مفهوم يعاش حقًّا بطريقة شخصيّة وواعية، حتّى لو كان ذلك يعني السّير عكس تيّار الخطابات الثّقافيّة السّائدة.

في هذا المؤتمر، أردتم إعادة اكتشاف وفهم كيفيّة نشر المحتوى اللّاهوتيّ لحدث غوادالوبي بشكل مناسب، وبالتّالي نشر الإنجيل نفسه. فليمنحكم مثال وشفاعة الكثير من القدّيسين المبشّرين والرّعاة الّذين واجهوا التّحدّي نفسه في زمنهم- طوريبيو دي موغروفيخو، خونيبيرو سيرا، سيباستيان دي أباريسيو، ماما أنتولا، خوسيه دي أنشييتا، خوان دي بالافوكس، بيدرو دي سان خوسيه دي بيتانكور، روكي غونزاليس، ماريانا دي خيسوس، فرانسيسكو سولانو، وغيرهم- النّور والقوّة لمواصلة الإعلان اليوم. ولترافق وتلهم القدّيسة مريم العذراء سيّدة غوادالوبي، نجمة البشارة الجديدة، كلّ مبادرة نحو الذّكرى المئويّة الخامسة لظهورها. وأمنحكم من كلّ قلبي فيض البركة الرّسوليّة."