البابا: كلمة الله هي وديعة الكنيسة
البابا وخلال المقابلة العامّة أكّد أنّ "الكنيسة، في عقيدتها وحياتها وعبادتها، تخلّد وتنقل إلى جميع الأجيال كلّ ما تؤمن به"، وقال في هذا السّياق بحسب "فاتيكان نيوز":
"نتابع قراءتنا لدستور المجمع المسكونيّ "كلمة الله" حول الوحي الإلهيّ، نتأمّل اليوم في العلاقة بين الكتاب المقدّس والتّقليد. ويمكننا أن نأخذ مشهدين إنجيليّين كخلفيّة لهذا التّأمّل. في المشهد الأوّل، الّذي تدور أحداثه في العلّيّة، يقول يسوع في خطابه الوداعيّ العظيم لتلاميذه: "قُلتُ لَكم هذه الأشياءَ وأنا مُقيمٌ عِندَكم. ولكِنَّ المُؤَيِّد، الرُّوحَ القُدُسَ الَّذي يُرسِلُه الآبُ بِاسْمي، هو يُعَلِّمُكم جَميعَ الأشياء ويُذَكِّرُكم جَميعَ ما قُلتُه لَكم. [...] متى جاءَ هوَ، رُوحُ الحَقّ، أَرشَدكم إِلى الحَقِّ كُلِّه". أمّا المشهد الثّاني فيقودنا إلى تلال الجليل، حيث يظهر يسوع القائم من بين الأموات لتلاميذه الّذين تملّكهم العجب والشّكّ، ويعطيهم وصيّة: "إِذْهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، [...] وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكم به". في كلا المشهدين، يتّضح الرّابط الوثيق بين الكلمة الّتي قالها المسيح وانتشارها عبر القرون.
هذا ما يؤكّده المجمع الفاتيكانيّ الثّاني باستخدام صورة موحية: "إنَّ التّقليد المقدَّس والكتاب المقدّس مرتبطان أحدهما بالآخر ارتباطًا وثيقًا ومتواصلًا. فبما أنّهما ينبعان من الينبوع الإلهيّ نفسه، فهما يشكّلان، إن جاز التّعبير، كلًّا واحدًا ويتّجهان نحو الهدف نفسه". إنّ التّقليد الكنسيّ يتفرّع عبر مسار التّاريخ من خلال الكنيسة الّتي تحفظ كلمة الله وتفسّرها وتجسّدها. وفي هذا الصّدد، يشير تعليم الكنيسة الكاثوليكيّة إلى مقولة لآباء الكنيسة: "إنّ الكتاب المقدّس مكتوب في قلب الكنيسة قبل أن يُكتب على أدوات مادّيّة"، أيّ في النّصّ المقدّس.
وعلى خطى كلمات المسيح الّتي ذكرناها، يؤكّد المجمع أنّ "التّقليد الّذي هو من أصل رسوليّ يتقدّم في الكنيسة بمؤازرة الرّوح القدس". ويحدث ذلك من خلال الفهم الكامل عبر "تأمّل المؤمنين ودراستهم"، ومن خلال الخبرة الّتي تولد من "إدراك أعمق للأمور الرّوحيّة"، ولاسيّما، من خلال كرازة خلفاء الرّسل الّذين نالوا "موهبة الحقيقة الأكيدة". باختصار، "إنّ الكنيسة، في عقيدتها وحياتها وعبادتها، تخلّد وتنقل إلى جميع الأجيال كلّ ما تؤمن به".
من المشهور في هذا السّياق تعبير القدّيس غريغوريوس الكبير: "الكتاب المقدّس ينمو مع الّذين يقرؤونه". وكان القدّيس أوغسطينوس قد صرّح قبله بأنّ "كلام الله واحد، يتطوّر في الكتاب المقدّس كلّه، وكلمة واحدة تتردّد على أفواه العديد من القدّيسين". لذا، فإنّ كلمة الله ليست شيئًا متحجّرًا، بل هي واقع حيّ وعضويّ يتطوّر وينمو في التّقليد. وهذا التّقليد، بفضل الرّوح القدس، يفهم الكلمة في غنى حقيقتها ويجسّدها في إحداثيّات التّاريخ المتغيّرة. وفي هذا السّياق، نجد طرحًا موحيًا للقدّيس يوحنّا هنري نيومان، ملفان الكنيسة، في كتابه "تطوّر العقيدة المسيحيّة". فقد أكّد أنّ المسيحيّة، سواء كخبرة جماعيّة أو كعقيدة، هي واقع ديناميكيّ، كما أشار يسوع نفسه في أمثال الزّرع: واقع حيّ يتطوّر بفضل قوّة حيويّة داخليّة.
يحثّ الرّسول بولس تلميذه ومعاونه تيموثاوس مرارًا: "يا تيموثاوس، احفظ الوديعة". ويردّد الدّستور العقائديّ في الوحي الإلهيّ "كلمة الله" صدى هذا النّصّ البولسيّ حيث يقول: "إنّ التّقليد المقدّس والكتاب المقدّس يشكّلان وديعة واحدة لكلمة الله الموكلة إلى الكنيسة"، ويفسّرها "التّعليم الحيّ في الكنيسة الّذي يُمارس باسم يسوع المسيح". إنّ مصطلح "وديعة" في أصله القانونيّ، يفرض على المودع لديه واجب الحفاظ على المحتو- وهو في هذه الحالة الإيمان- ونقله سليمًا. إنّ "وديعة" كلمة الله لا تزال اليوم في أيدي الكنيسة، ويجب علينا جميعًا، في مختلف الخدمات الكنسيّة، أن نواصل الحفاظ عليها في نزاهتها، كنجم قطبيّ يرشدنا في مسيرتنا عبر تعقيدات التّاريخ والوجود.
ختامًا، أيّها الأعزّاء، لنصغِ مرّة أخرى إلى الدّستور العقائديّ "كلمة الله" الّذي يبرز التّرابط بين الكتاب المقدّس والتّقليد: "إنّهما مرتبطان ومتّحدان ببعضهما البعض لدرجة أنّه لا يمكن أن يوجد أحدهما دون الآخر، وكلاهما، بطريقته الخاصّة، وبتأثير الرّوح القدس الواحد، يساهمان بشكل فعّال في خلاص النّفوس"."
