العالم
20 نيسان 2026, 12:30

البابا ترأّس القدّاس في ساوريمو- أنغولا بمشاركة نحو ثلاثين ألف مؤمن

تيلي لوميار/ نورسات
قبل ترؤّسه القدّاس الإلهيّ في ساحة ساوريمو، توقّف البابا لاون الرّابع عشر في كاتدرائيّة سيّدة الصّعود مصلّيًا لفترة وجيزة أمام القربان المقدّس.

في السّاحة الرّئيسيّة للمدينة، احتفل البابا بمشاركة قرابة ثلاثين ألف مؤمن، وإليهم توجّه بعظته قائلًا بحسب إعلام الكرسيّ الرّسوليّ": "في كلّ جزءٍ من العالم، تعيش الكنيسة كشعبٍ يسير مقتفيًا أثر المسيح، أخينا وفادينا: فهو، الرّبّ القائم من بين الأموات، ينير لنا الطّريق إلى الآب، وبقوّة الرّوح يقدّسنا، لكي نحوّل أسلوب حياتنا بحسب محبّته. هذه هي البُشرى السّارّة، الإنجيل الّذي يجري كالدّم في العروق، يسندنا على طول الطّريق. وهو الطّريقُ الّذي قادني اليوم إلى هنا، معكم! في فرح وجمال جَمعِنا، المجتمع باسم يسوع، لنصغي بقلبٍ منفتح إلى كلمته الخلاصيّة، لأنّها تجعلنا نتأمّل في سبب وغاية اتّباعنا للرّبّ يسوع.

في الواقع، عندما صار ابن الله إنسانًا، قام بأعمال بليغة ليُظهر مشيئة الآب: أنار الظّلمات بمنح البصر للعميان، وأعطى صوتًا للمظلومين بإطلاق ألسنة الخُرس، وأشبع جوعنا إلى العدالة بتكثير الخبز للفقراء والضّعفاء. من يسمع بهذه الأعمال ينطلق باحثًا عن يسوع. في الوقت نفسه، رأى الرّبّ يسوع ما في قلوبنا وسألنا هل كنَّا نطلبه بدافع الشّكر أم بدافع المصلحة، وبدافع الحسابات أم بدافع المحبّة. في الواقع، قال للجموع الّتي كانت تتبعه: "أَنتُم تَطلُبونَني، لا لأَنَّكم رَأَيتُمُ الآيات، بل لأَنَّكُم أَكَلتُمُ الخُبزَ وشَبِعتُم" (يوحنّا 6، 26). فكلماته تكشف مقاصد الّذين لا يرغبون في لقاء شخص، بل في استهلاك أشياء. رأت الجموع يسوع وسيلةً لشيءٍ آخر، مزوّدًا للخدمات. ولو لم يعطهم ما يأكلون، لما اهتمّوا بأعماله وتعاليمه.

هذا ما يحدث عندما يُستبدل الإيمان الحقيقيّ بتديّنٍ خرافيٍّ تجاريّ، حيث يصير الله صنمًا يُطلب فقط عندما نحتاج إليه، وبقدر ما نحتاج إليه. حتّى أجمل عطايا الله، الّذي يهتمّ دائمًا بشعبه، تتحوّل حينئذٍ إلى مطلبٍ أو مكافأة أو وسيلة ابتزاز، ويُساء فهمها من قِبل من يتلقّاها. وهكذا يبيّن لنا الإنجيل أنّ هناك دوافع خاطئة لطلب المسيح، ولاسيّما عندما يُعتبر معلِّمًا روحيًّا أو جالب حظّ. وحتّى الهدف الّذي سعت إليه تلك الجموع غير مناسب: فهم لم يبحثوا عن معلِّم يحبّونه، بل عن قائدٍ يجلّونه لمصلحتهم الخاصّة.

لكن موقف يسوع منّا مختلف تمامًا: في الواقع، هو لا يرفض هذا البحث غير الصّادق، بل يدفعه إلى التّوبة. ولا يطرد الجموع، بل يدعو الجميع إلى فحص ما يخفق في قلوبنا. المسيح يدعونا إلى الحرّيّة: لا يريد عبيدًا أو زبائن، بل يطلب إخوةً وأخوات يهب لهم ذاته كلّها. ولكي نُجيب بإيمانٍ على هذه المحبّة، لا يكفي أن نسمع عن يسوع: من الضّروريّ أن نقبل معنى كلامه. ولا يكفي أيضًا أن نرى ما يفعله: من الضّروريّ أن نتبعه ونقتدي بمبادرته. وعندما نرى، في علامة الخبز المشترك، إرادة المخلّص الّذي بذل ذاته من أجلنا، إذّاك نقترب من اللّقاء الحقيقيّ بيسوع، الّذي يصير اتّباعًا ورسالةً وحياة.

هكذا تحوّل تحذير الرّبّ يسوع للجموع إلى دعوة: "لا تَعمَلوا لِلطَّعامِ الَّذي يَفْنى، بلِ اعمَلوا لِلطَّعامِ الَّذي يَبْقى فَيَصيرُ حَياةً أَبَدِيَّة" (يوحنّا 6، 27). بهذه الكلمات، أشار المسيح إلى عطائه الحقيقيّ لنا: فهو لا يدعونا إلى إهمال خبزنا اليوميّ، بل العكس، يضاعفه بوفرة ويعلّمنا أن نطلبه في الصّلاة. إنّه يربّينا على الطّريقة الصّحيحة لطلب خبز الحياة، الطّعام الذي يسندنا إلى الأبد. وهكذا تجد رغبة الجموع جوابًا أعظم وأعجب: فالمسيح لا يعطينا طعامًا يفنى، بل خبزًا لا يجعلنا نفنى، لأنّه طعام الحياة الأبديّة.

إنّ عطاياه تُنير حاضرنا: في الواقع، نرى اليوم أنّ كثيرًا من رغبات النّاس تُحبَط بفعل العنف، وتُستغلّ من قبل المتسلّطين، وتُخدع بفتنة الغِنَى. عندما يفسد الظّلم القلوب، يصير خبز الجميع مُلكًا لقلّة من النّاس. أمام هذه الشّرور، المسيح يصغي إلى صراخ الشّعوب ويجدّد تاريخنا: ينهض بنا من كلّ سقوط، ويعزّينا في كلّ ألم، ويشجّعنا في الرّسالة. وكما أنّه الخبز الحَيّ الّذي يعطينا إيّاه دائمًا، أي الإفخارستيّا، كذلك تاريخه لم يعرف نهاية، ومن ثمّ أزال النّهاية، أي الموت، من تاريخنا، الّذي فتحه الرّبّ القائم من بين الأموات بقوّة روحه. المسيح حيّ! هو فادينا. هذا هو الإنجيل الّذي نعلنه، فنجعل جميع شعوب الأرض إخوة. هذا هو الإعلان الّذي يحوّل الخطيئة إلى مغفرة. هذا هو الإيمان الّذي يخلّص الحياة!

الشّهادة الفصحيّة، إذًا، تمَسُّ بالتّأكيد المسيح، المصلوب الّذي قام من بين الأموات، ولكنّها لذلك تمَسُّنا نحن أيضًا: ففي المسيح يرتفع صوت إعلان قيامتنا. نحن لم نأتِ إلى العالم لنموت. ولم نُولد لنصير عبيدًا لا لفساد الجسد ولا لفساد النّفس: فكلّ شكل من أشكال الظّلم والعنف والاستغلال والكذب ينكر قيامة المسيح، الّتي هي عطيّة حرّيّتنا الأسمى. وهذا التّحرير من الشّرّ والموت لا يحدث فقط في نهاية الأزمنة، بل في تاريخ كلّ يوم. فماذا يجب أن نعمل لنقبل هذه العطيّة؟ الإنجيل نفسه يعلّمنا ذلك: "عَمَلُ اللهِ أَن تُؤمِنوا بِمَن أَرسَل" (يوحنّا 6، 29). نعم، أن نؤمن! اليوم نقول ذلك معًا بقوّة وبشكرٍ لك، أيّها الرّبّ يسوع. نريد أن نتبعك ونخدمك في القريب: فكلمتك هي لنا قاعدة حياة، ومعيار الحقّ.

"طوبى [...] لِلسَّائرينَ في شَريعةِ الرَّبّ" (راجع مزمور 119، 1): هكذا أنشدنا في المزمور. أيّها الأعزّاء، إنّ الرّبّ يسوع هو الّذي يرسم الطّريق لهذه المسيرة، لا احتياجاتنا الضّروريّة ولا موضات العصر. لذلك، فإنّ المسيرة الكنسيّة، في اتّباع يسوع، هي دائمًا "سينودس القيامة والرّجاء" (الإرشاد الرّسوليّ، الكنيسة في أفريقيا، 13)، كما أكّد القدّيس البابا يوحنّا بولس الثّاني في إرشاده الرّسوليّ لأفريقيا: لنواصل في هذا الاتّجاه الحكيم! ومع الإنجيل في القلب، سيكون لديكم شجاعة أمام الصّعاب وخيبات الأمل: فالطّريق الّتي فتحها الله لنا لن تزول أبدًا. في الواقع، الرّبّ يسوع يسير دائمًا بخطانا، لكي نستطيع أن نتابع طريقه: المسيح نفسه يمنح الاتّجاه والقوّة للمسيرة، مسيرة نريد أن نتعلّم أن نعيشها أكثر فأكثر كما يجب، أيّ مسيرة سينوديّة.

وبصورة خاصّة، "الكنيسة تعلن البشرى السّارّة لا بإعلان الكلمة الّتي تسلّمتها من الرّبّ يسوع فحسب، بل أيضًا بشهادة الحياة، الّتي بها يبرّر تلاميذ المسيح الإيمان والرّجاء والمحبّة الّتي فيهم" (المرجع نفسه، 55). وباشتراكنا في الإفخارستيّا، خبز الحياة الأبديّة، نحن مدعوّون إلى أن نخدم شعبنا بتفاني الّذي ينهض بالإنسان من كلّ سقوط، ويبني من جديد ما دمّره العنف، ويشارك بفرح في روابط الأخوّة. ومن خلالنا، تثمر مبادرة النّعمة الإلهيّة ثمارًا طيّبة، لاسيّما في الشّدائد، كما يبيِّن مثال أوّل الشّهداء إِسْطِفانُس (راجع أعمال الرّسل 6، 8-15).

أيّها الأعزّاء، شهادة الشّهداء والقدّيسين تشجّعنا وتحثّنا على مسيرة الرّجاء والمصالحة والسّلام، حيث تصير عطيّة الله التزام الإنسان في العائلة، وفي الجماعة المسيحيّة، وفي المجتمع المدنيّ. وإذ نسير فيها معًا، على ضوء الإنجيل، ستنمو الكنيسة في أنغولا بحسب تلك الخصوبة الرّوحيّة الّتي تنطلق من الإفخارستيّا وتستمرّ في الاهتمام الشّامل بكلّ إنسان وبكلّ الشّعب. وبصورة خاصّة، فإن حيويّة الدّعوات الّتي تختبرونها هي علامة على الاستجابة لعطيّة الله، الغنيّة دائمًا للّذي يقبلها بقلبٍ نقيّ. وبفضل خبز الحياة الجديدة الّذي نشترك فيه اليوم، يمكننا أن نواصل مسيرة كلّ الكنيسة، الّتي غايتها ملكوت الله، ونورها الإيمان، ونَفَسُها المحبّة."