"الأمّ"... بقلم الأب الياس كرم
"يطلّ علينا عيد الأمّ هذا العام وفي القلوب غصّة على فراق أمّهات انتقلنا من بيننا إلى مراعي السّماء بسبب الوباء الفتّاك ومن دون استئذان أو وداع. كما ويطلّ العيد أيضًا وفي قلوب أمّهات حزنٌ وتفجعٌ على فلذات أكبادهنّ خطفهم الوباء من دون أن تلقي عليهم نظرة وداع.
هذا العام ليس بمقدور الأغلبيّة السّاحقة من النّاس أن تقدّم للأمّ هديّة ولو متواضعة بسبب الغلاء الفاحش الّذي حطّ رحاله في وطننا بسبب ما نتخبّط به من أزمات.
إستوقفني مشهد رجل جاء زائرًا قبر أمّه حاملاً في يديه مجموعة أزهارٍ قطفها عن الطّريق وقد خجل عندما تفاجأ بي في الكنيسة، وسارع ليبرّر ما يحمله بالقول: "قولك يا أبونا إمّي بتزعل إذا ما قدرت اشتريلا باقة ورد"، علمًا أنّ باقة الورد اليوم أسعارها لا تقدّر. سارعت إلى القول: "يا أخي إنّ والدتك تصلّي لك من الأخدار السّماويّة سواء بباقة ورد أو من دونها، المهمّ أنّك قصدت الكنيسة في عيد الأمّ لتضيء لها شمعة وتضع على باب قبرها هذه الأزهار الرّائعة". ذكّرته بكلام يسوع عن أزهار الحقل للّتي قال عنها "إنّه ولا سليمان في كلّ مجده كان يلبس كواحدة منها". بعدها قصدنا مدفن والدته وصلّينا حتّى يكون ذكرها مؤبّدًا.
غياب الأمّ عن العائلة بالإجمال يُفقدها الحبّ والحنان والعطف والدّفء والحكمة والإدارة والأمان، كما للأسف يمكنه أن يسبّب تشرذمًا وضياعًا في صفوف العائلة. لهذه الدّرجة دور الأمّ أساسيّ في التّربية والتّوجيه والتّعليم، وهي الّتي تسهر على أولادها وتشعر بجوعهم وعطشهم ومرضهم وخوفهم. وقد جاء في سفر الأمثال: اِمْرَأَةٌ فَاضِلَةٌ مَنْ يَجِدُهَا؟ لأَنَّ ثَمَنَهَا يَفُوقُ اللآلِئَ." (أم 31: 10).
لذا نصلّي دائمًا أن تكون الأمّهات على مثال مريم طائعات لكلمة الله، وهي القائلة: "هُوَذَا أَنَا أَمَةُ الرَّبِّ. لِيَكُنْ لِي كَقَوْلِكَ."
نعم ليس من باب الصّدفة أن يتزامن عيد الأمّ قبل أيّام من عيد بشارة والدة الإله. تَجسّد المسيح من عذراء نقيّة طاهرة، اختار أن يولد من أمّ لم تعرف فسادًا، وبمولده هذا قدّس أحشاء الأمّهات. وقد ورد في إنجيل لوقا أنّ أمرأة رفعت صَوْتَهَا مِنَ الْجَمْعِ وَقَالَتْ لَهُ: "طُوبَى لِلْبَطْنِ الَّذِي حَمَلَكَ وَالثَّدْيَيْنِ اللَّذَيْنِ رَضِعْتَهُمَا."... (لو 11: 27) ولكن يسوع سارع بالقول: "بَلْ طُوبَى لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ وَيَحْفَظُونَهُ" (لو 11: 28).
ليس المهمّ أن تنجب المرأة أولادًا، ولكن الأهمّ أن تربّي أولادها التّربية الصّالحة وتزرع فيهم الرّبّ بمعاونة زوجها، وكم نحن اليوم بأمسّ الحاجة إلى دور فعّال للأمّهات في مجتمعنا لحفظ العائلة من التّفكّك الأسريّ والانحلال الاجتماعيّ والفلتان الأخلاقيّ.
في مثل هذه الأزمات الّتي نعيشها يأتي دور الأمّ كحافظ للعائلة وكحافز أساسيّ للصّمود في وجه الأعاصير الّتي تزعزع أسس كياننا. عليها تقع مسؤوليّة إدارة البيت بالدّرجة الأولى سواء على صعيد تنظيم المصاريف أو لجهة الكلمة الطّيّبة الّتي تعزّي بها زوجها الرّازح تحت كاهل الهموم المعيشيّة. هذا فضلاً عن توجيه الأولاد للحفاظ على صحّتهم النّفسيّة والجسديّة نظرًا للحالة الّتي يعيشونها.
الأمّ الصّالحة والتّقيّة والورعة والمتواضعة والمحبّة مدرسة بكلّ ما للكلمة من معنى، وعليها نستطيع أن نعوّل لغدٍ مشرقٍ رغم كلّ الصّعاب لأجل حفظ الوطن والمواطنين من كلّ ضرر.
لقد قال سمعان الصّديّق لمريم "وَأَنْتِ أَيْضًا يَجُوزُ فِي نَفْسِكِ سَيْفٌ، لِتُعْلَنَ أَفْكَارٌ مِنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ." (لو 2: 35)، وكانت مريم تحفظ كلَّ شيء في قلبها، وهي الّتي شهدت على محاكمة ابنها وصلبه، ولكن بصبرها وإيمانها ورجائها عاينته وشهدت على قيامته وقَالَ لَهَا يَسُوعُ عند القبر: "يَا مَرْيَمُ" فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالَتْ لَهُ: "رَبُّونِي!" الَّذِي تَفْسِيرُهُ: يَا مُعَلِّمُ." (يو 20: 16). من هنا كلّ أمّ تتحمّل وتصبر وتعرف الكتب سوف يستجيب الرّبّ لطلباتها، أوليس هو الّذي لبّى طلب أمّه في عرس قانا الجليل وحوّل الماء إلى خمر وكانت تلك العجيبة الأولى!
أناشد الأمّهات في عيدهنّ أن يرفعن الدّعاء للرّبّ ويطلبن منه بإلحاح أن ينقذنا من هذا الوباء ومن كلّ الأمراض والشّدائد والأحزان والضّيقات والكوارث والحروب والفاسدين والنّاهبين، ومن هذه الأزمة والضّائقة المادّيّة الّتي نعيشها، علّنا نعود ونكرّمهن بما يليق في عيدهنّ وعلى مدار الأوقات.
كلّ عام وجميع الأمّهات بخير سائلاً الله أن يقدّس حياة الأحياء منهنّ، وينيّح اللّواتي انتقلن من بينهنّ إلى عرش الله."