الأب شربل أوبا الباسيليّ الشّويريّ يكشف سرّ الحبّ
"أيّها الأحبّاء، تكرّمُ الكنيسةُ الكاثوليكيّةُ الغربيّةُ في شهرِ أيّار من كلِّ سنة، أمَّنا وسيّدتَنا مريمَ العذراء، الفائقةَ القداسةِ والدّائمةَ البتوليّة. أمّا كنيستُنا الشّرقيّةُ البيزنطيّةُ فتخصّصُ لها النّصفَ الأوّلَ من شهرِ آب، قبلَ عيدِ انتقالِها إلى السّماءِ بالنّفسِ والجسد. فإنّ المسيحَ، ابنَها الكلّيَّ القداسةِ وأخانا، وهبَنا إيّاها أمًّا، عندما كانت واقفةً تحتَ أقدامِ الصّليبِ على الجلجلة، قائلًا للقدّيسِ يوحنّا: "هذه أمُّك". نحن جميعُنا أولادُها، إنّها أمُّ البشريّة. مريم، ابنةُ اللهِ الآب، ووالدةُ اللهِ الابن، وعروسةُ اللهِ الرّوحِ القدس.
سِرُّ الحُبِّ
إنّه سرُّ الحبّ! إذ لا يمكنُ أن يفهمَه العقلُ البشريُّ. وحدَه الإيمانُ يستطيعُ أن يفسّرَ كيفَ أنّ خليقةً استطاعت أن ترقى إلى منزلةٍ كهذه، وأن تصبحَ موضوعَ عجبِ الثّالوثِ الأقدس. لكنْ، بما أنّ الأمرَ يعني أمَّنا، نجدُ– إذا استطعنا القول– سهولةً أكثرَ في فهمِ حقيقةِ الإيمانِ هذه من سواها.
سِرُّ التَّضْحِيَةِ الصَّامِتَةِ
لم تُعْفَ مريمُ طوالَ حياتها الأرضيّةِ من الألم، والتّعبِ، وشكوكِ الإيمان، بالرّغم من أنّ اللهَ أرادَ أن يمجّدَها. لقد أجابَ الرّبُّ باندهاشٍ، تلك المرأة الّتي أطلقَتِ المدائحَ يومًا ليسوعَ هاتفةً: "طوبى للبطنِ الّذي حملَكَ وللثّديين اللّذين رضعْتَهما، فقال يسوع: بل طوبى لمن يسمعُ كلمةَ اللهِ ويحفظُها!" كان هذا مديحًا لوالدتِه، على جوابِها: "فليكن ذلك"، وقبولِها الصّادقِ، والسّخيِّ، وغيرِ المحدودِ، الّذي يظهرُ لا بأعمالٍ بيّنةٍ، بل بتضحيةٍ يوميّةٍ، صامتةٍ وخفيّة. وكما سمعْنا في إنجيلِ اليوم: "إن كان أحدٌ يحفظُ كلامي، فلن يرَى الموت إلى الأبد".
بتأمّلنا لهذه الحقائق، نفهمُ بطريقةٍ أفضل منطقَ الله. نستخلصُ أنّه ليسَ بالأعمالِ العسكريّةِ الكبرى الّتي نقومُ بها، أو نتخيّلُها أحيانًا، تُعطى حياتُنا قيمةً فائقةَ الطّبيعة، بل بالقبولِ الأمينِ للمشيئةِ الإلهيّةِ والسّخاءِ في التّضحيةِ اليوميّة.
فإذا كنّا نريدُ أن نغدوَ "إلهيّين"، وإذا كنّا نريدُ أن نرتديَ من ملءِ الله، ينبغي أن نبدأَ بأن نكونَ بشريّين جدًّا، بتحمّلنا وضْعَنا كأناسٍ عاديّين تجاهَه، وتقديسِ صِغَرِنا الظّاهر. هكذا عاشت مريم. تلك الممتلئةُ نعمًا، عاشت حياةً عاديّةً، تلك الّتي أُجلِست فوقَ الملائكةِ والقدّيسين. فمريم هي خليقةٌ على مثالِنا، بقلبٍ كقلبِنا، قابلٍ للأفراحِ والبهجة، للآلامِ والدّموع. ولكنّ التّباينَ كبيرٌ بينَ طهارةِ وتواضعِ وكرمِ مريم، وبين حقارتِنا وأنانيّتِنا. من الطّبيعيّ، بعد اكتشافِها، أن يحدوَنا الشّوقُ لتقليدِها، واتّخاذِها مثالاً لنا نحن خلائقَ الله، مثلَها، ويكفي بأن يكونَ جهدُنا صادقًا كي يحقّقَ الرّبُّ، فينا أيضًا، أمورًا كبرى: "لأنّ القدير صنع إليّ أمورًا عظيمة".
مريمُ هي مثالُ الجوابِ على النّعمة. فإذا ما تأمّلنا حياتَها، فسوفَ ينيرُنا الرّبُّ كيما نعرفَ كيفَ نؤلّهُ وجودَنا العاديّ. على ممرّ السّنة، وغالبًا يوميًّا، فيما نحتفل بالأعياد السّيّديّة، نفكّرُ بالعذراءِ ونكرّمُها. في صلواتِنا الطّقسيّةِ البيزنطيّةِ نختُمُ الصّلواتِ دائمًا بذكرِ العذراء. فإذا ما استفدنا من هذه اللّحظاتِ لنتخيّلَ تصرّفَ أمِّنا، في هذه الأعمالِ المناطةِ بنا، فسوف نقلّدُ مَثَلَها شيئًا فشيئًا، وننتهي بالتّشبّهِ بها، كما يتشبّهُ الأولادُ بأمِّهم.
التّشبُّهُ بمريم
لنبدأْ بالتّشبّهِ بحبّها. فالمحبّةُ لا تقتصرُ على العواطف، بل يجب أن تظهرَ بالكلام، وقبلَ كلِّ شيءٍ بالأعمال. إذ إنَّ العذراءَ لم تعلنْ فقط قبولَها إنّما أتمّت، في كلّ حينٍ، قرارَها الحازمَ والنّهائيّ. فعلينا أن نتصرّفَ بالمثل: عندما يدفعُنا حبُّ الله ونكتشفُ إرادتَه، علينا أن نلتزمَ بأن نكونَ أوفياءَ، صادقين حقًّا. "ليس من يقول لي يا ربّ، يا ربّ يدخل ملكوت السّماوات، بل من يعمل بمشيئة أبي الّذي في السّماوات".
لذلك ينبغي أن نقلّدَ لباقةَ مريمَ الطّبيعيّة والفائقة الطّبيعة. إنّها خليقةٌ مميّزةٌ في تاريخِ الخلاص: فيها "الكلمةُ صارَ جسدًا وحلّ بيننا". كانت شاهدةً، كلُّها رقّةٌ وقد عاشت في الخفاء: لم ترد أن تتلقّى المدائحَ، إذ لم تكن تبغي المجدَ لنفسها. فأمامَ المعجزاتِ الكبرى وهتافاتِ الجماهيرِ كانت تختفي. في دخوله إلى أورشليم، عندما كان المسيحُ راكبًا جحشًا صغيرًا يُحتفَى به كملِك، لم تكن مريمُ هناك. لكنّنا نجدُها قربَ الصّليب، عندما هرب الجميع. هذا التّصرّفُ له نكهةٌ طبيعيّةٌ خاصّة بعظمةِ وعمقِ وقداسةِ نفسِها.
فلنسعَ إلى التّشبّهِ بطاعتِها لمشيئةِ الله، طاعةٍ يمتزجُ فيها بطريقةٍ متناغمةٍ النّبلُ والخضوع. فالعذراءُ مريم تصغي بانتباهٍ إلى ما يريدُه منها الله. إنّها تتأمّلُ في ما لا تفهمُه. إنّها تسألُ عمّا لا تعرفُه. ثمّ تندفعُ بكلّ كيانها لإتمامِ المشيئةِ الإلهيّة: "إنّي أمة الرّبّ، فليكن لي بحسب قولك!". القدّيسةُ مريم، مثالُنا في كلّ شيء، تعلّمُنا الآنَ أنّ طاعةَ اللهِ ليست عبوديّةً، ولا تُخضِع ضميرَنا. بل تحثُّنا باطنيًّا على أن نكتشف "حرّيّة أبناءِ الله".
فلنتوسّلْ إليها اليومَ لكيما تجعلَنا تأمّليّين، وتعلّمَنا فهمَ نداءاتِ الرّبِّ المستمرّة والمتكرّرة على باب قلبِنا. فلنصلِّ لها قائلين: يا مريمُ أمَّنا، لقد جلبْتِ لنا يسوعَ على هذه الأرض، وهو من كشف لنا حبَّ اللهِ أبينا، ساعدينا على اكتشافِه، وسطَ الانشغالاتِ اليوميّةِ العديدة، علّمي فكرَنا وإرادتَنا أن يصغيا إلى صوتِ الله، وإلى نداءاتِ النّعمة. تشفّعي عند ابنِك يسوعَ أن يُنجّيَ العالمَ أجمعَ من الوباءِ الّذي يفتِكُ بنا هذه الأيّام. آمين".