إبراهيم: قيامة المسيح هي الضّمانة الأكيدة بأنّ الشّرّ لا ينتصر، وأنّ الظّلم لا يدوم، وأنّ الحياة أقوى من كلّ موت
"المسيح قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للّذين في القبور."
بهذه البشرى الخلاصيّة الّتي تتردّد أصداؤها في الكنيسة منذ فجر القيامة، أوجّه إليكم رسالتي في عيد الفصح المجيد، عيد الأعياد وموسم المواسم، حيث تبلغ مسيرة الفداء ذروتها في انتصار الحياة على الموت، والنّور على الظّلمة، والرّجاء على اليأس.
إنّ قيامة ربّنا يسوع المسيح ليست مجرّد ذكرى نحتفل بها، بل هي حقيقة إيمانيّة حيّة، تتجدّد فينا كلّ يوم، وتدعونا إلى عبور دائم من الموت إلى الحياة، من الخطيئة إلى النّعمة، ومن الانغلاق إلى الرّجاء. إنّها دعوة شخصيّة وجماعيّة لكلّ واحد منّا، لكي يختبر قوّة الله المحيية في قلب ضعفه، ويشهد لها في عالمٍ يحتاج اليوم أكثر من أيّ وقت مضى إلى نور القيامة.
أيّها الأحبّاء،
نعيش هذا العيد المجيد في زمن دقيق يمرّ به وطننا الحبيب لبنان، حيث تتراكم الأزمات وتشتدّ الضّيقات، وتثقل هموم الحياة كاهل العائلات، ويجد الكثير من أبنائنا أنفسهم أمام تحدّيات قاسية، سواء على المستوى الاقتصاديّ أو الاجتماعيّ أو الإنسانيّ. إنّ واقعنا اليوم يحمل الكثير من ملامح الجمعة العظيمة: ألم، وضيق، وانتظار ثقيل، وأسئلة مشروعة عن المستقبل.
ولكن، وسط هذا الواقع الصّعب، يأتينا نور القيامة ليؤكّد لنا أنّ الجمعة العظيمة ليست النّهاية، وأنّ القبر ليس المصير الأخير، وأنّ الله لا يترك شعبه في ظلمات الموت. فكما دحرج الحجر عن قبر المسيح، كذلك يستطيع أن يبدّد حجارة اليأس والخوف الّتي تعترض طريقنا، ويمنحنا قوّة جديدة لننهض ونبدأ من جديد.
إنّ قيامة المسيح هي الضّمانة الأكيدة بأنّ الشّرّ لا ينتصر، وأنّ الظّلم لا يدوم، وأنّ الحياة أقوى من كلّ موت. ومن هنا، فإنّ دعوتنا ككنيسة مؤمنة، وكأبناء هذا الوطن، أن نحمل هذا الرّجاء إلى قلب مجتمعنا، وأن نترجمه مواقف مسؤولة، والتزامًا أخلاقيًّا، وعملًا دؤوبًا في سبيل بناء إنسانٍ جديد ومجتمعٍ أكثر عدلًا وتضامنًا.
أيّها الأحبّاء،
إنّ الإيمان بالقيامة يفرض علينا مسؤوليّة أن نكون شهودًا أحياء لهذا الحدث الخلاصيّ، لا بالكلام فقط، بل بالفعل والحياة. أن نقوم من أنانيّتنا إلى المحبّة، من انقساماتنا إلى الوحدة، من يأسنا إلى رجاء ثابت لا يتزعزع. إنّ عالمنا اليوم بحاجة إلى مسيحيّين يحملون روح القيامة في سلوكهم، فيكونون علامات رجاء في محيطهم، وأدوات سلام في مجتمعهم.
وفي هذا الإطار، أدعوكم جميعًا إلى التّمسّك بقيم الإنجيل، وإلى تعزيز روح التّضامن بينكم، وإلى الوقوف إلى جانب المتألّمين والمحتاجين، لأنّ في كلّ عمل محبّة صادق تتجلّى قيامة المسيح من جديد. كما أدعو أبناءنا الشّباب إلى عدم الاستسلام لليأس، بل إلى التّمسّك بأرضهم ورسالتهم، والعمل بإيمان وثقة من أجل مستقبل أفضل.
أيّها الأحبّاء،
إنّ الكنيسة، في مسيرتها عبر التّاريخ، عرفت أزمنة صعبة، لكنّها بقيت ثابتة لأنّها تستند إلى الرّبّ القائم من بين الأموات. وكذلك وطننا لبنان، الّذي مرّ بمحن كثيرة، مدعوّ اليوم إلى قيامة جديدة، قيامة تبدأ من قلوب أبنائه، من تجدّد ضمائرهم، ومن التزامهم الصّادق بخدمة الخير العامّ، بعيدًا عن المصالح الضّيّقة والانقسامات.
فلنصلِّ معًا، في هذا العيد المبارك، من أجل لبنان، لكي يفيض عليه الرّبّ من نعمته، ويمنحه السّلام والاستقرار، ويقود مسؤوليه إلى اتّخاذ القرارات الحكيمة الّتي تحفظ كرامة الإنسان وتصون مستقبل الأجيال.
كما أرفع صلاتي من أجل المرضى والمتألّمين، من أجل الفقراء والمهمّشين، من أجل كلّ عائلة مجروحة أو متعبة، لكي يلمسوا قوّة القيامة في حياتهم، وينالوا التّعزية والرّجاء.
أيّها الأبناء والبنات الأحبّاء،
ليكن هذا العيد دعوة لنا جميعًا إلى تجديد إيماننا، وإلى عيش القيامة في تفاصيل حياتنا اليوميّة، فنكون نورًا في الظّلمة، وخميرة خير في مجتمعنا، وشهودًا أمناء للمسيح الّذي أحبّنا حتّى الموت، وقام ليمنحنا الحياة.
أمنحكم جميعًا بركتي الرّسوليّة، سائلًا الرّبّ القائم من بين الأموات أن يملأ قلوبكم بالسّلام، وبيوتكم بالفرح، وحياتكم بالرّجاء.
المسيح قام... حقًّا قام!".
