لبنان
02 نيسان 2025, 05:55

إبراهيم في تذكار يوحنّا السّلّميّ: للارتقاء على سلّم الحياة الرّوحيّة

تيلي لوميار/ نورسات
أحيا رئيس أساقفة أبرشيّة الفرزل وزحلة والبقاع للرّوم الملكيّين الكاثوليك المطران ابراهيم ابراهيم تذكار البارّ يوحنّا السّلّميّ في الأحد الرّابع من الصّوم المقدّس، خلال قدّاس إلهيّ ترأّسه في كاتدرائيّة سيّدة النّجاة- زحلة.

وللمناسبة، ألقى ابراهيم عظة جاء فيها: "نلتقي اليوم في أحدٍ من أكثر آحاد الصّوم عمقًا وجمالًا، الأحد الرّابع من الصّوم الكبير، المكرّس لذكرى قدّيسٍ عظيم من آباء الكنيسة، راهبٍ صامتٍ ناطق، ناسكٍ متّقدٍ بنار الرّوح، عاش في قلب سيناء فصار نارًا على رأس جبل، إنّه القدّيس يوحنّا السّلّميّ، صاحب "سُلَّم الفضائل"، ذاك الّذي ارتقى الدّرجات بدموعه ونسكه، ورفع الكنيسة كلّها معه إلى الأعالي.

هذا الأحد، أيّها الإخوة، هو دعوة حارّة في قلب الصّوم لنتذكّر أنّ الغاية ليست فقط الصّوم عن الطّعام، بل أن نرتقي نحن أيضًا، درجة تلو درجة، على سلّم الحياة الرّوحيّة، من التّوبة إلى النّقاوة، من الاتّضاع إلى المحبّة، من النّسك إلى التّألّه.

القدّيس يوحنّا لم يكتب كتابًا نظريًّا. بل كتب من اختبارات قلبه، من معاناته، من جهاده الطويل، بعد 40 سنة من الصّمت والصّلاة. عاش في الصّحراء، لكنّه سكن في عمق قلب الله. وما "السّلّم" الّذي كتبه إلّا صورة عمّا اختبره: أنّ الملكوت لا يُعطى بسهولة، بل يحتاج إلى تعب روحيّ، إلى صبر، إلى جهاد داخليّ. في زمن الصّوم، نُدعى نحن أيضًا أن نكون متسلّقين على هذا السّلّم، لا متفرّجين عليه.

أوّل درجات هذا السّلّم، أيّها الأحبّة، ليست العجائب، ولا التّأمّلات اللّاهوتيّة، بل القطع مع الخطيئة. البداية هي في التّوبة، في الاعتراف، في ترك ما يُثقِّل أقدامنا. لا يمكننا الصّعود إن كنّا نُقيِّد أنفسنا بسلاسل الحقد أو الأنانيّة أو الكبرياء. سلّم يوحنّا يبدأ من التّواضع، وهذا هو سرّ كلّ ارتفاع.

علَّمنا يوحنّا أنّ الحياة الرّوحيّة ليست طريقًا مفروشًا بالورود، بل مليئة بالانحدارات والصّعوبات، ولكنّها ليست طريقًا لليأس، بل طريقًا للرّجاء. فإن سقطتَ، لا تبكِ فقط، بل انهض. وإن تعثّرت، لا تنسَ أنّ الله لا يبحث عن الّذين لا يسقطون، بل عن الّذين ينهضون دائمًا بثقة في رحمته.

قال يوحنّا: "كما أنّ الّذين يسقطون في البحر لا يغرقون ما لم يبقوا فيه، كذلك الإنسان لا يهلك في الخطيئة إن لم يستسلم لها."

ما أعمق هذا الكلام! نحن لا نهلك إن سقطنا، بل إن بقينا ساقطين.

وفي أعلى السّلّم، بعد ثلاثين درجة من الجهاد الرّوحيّ، لا يضع يوحنّا "السّلطة"، ولا "العلم"، بل يضع المحبّة. فكل الفضائل تُختصر بها. لا قيمة للنّسك إن لم يكن بدافع الحبّ. لا معنى للصّلاة إن لم تنبع من قلبٍ يحبّ الله والقريب. المحبّة هي قمّة السّلّم، وبدونها، مهما صعدنا، سنكون قد ضللنا الطّريق.

أين نحن اليوم، أيّها الأحبّة؟ هل ما زلنا عند أقدام السّلّم، نعيش في خمول روحيّ؟ هل تسلّقنا بضع درجات ثم توقّفنا بسبب التّجارب أو التّعب؟ هل سقطنا من ارتفاعٍ روحيّ؟ لا بأس... فإلهنا ليس إله حساب، بل إله قيامة. هو لا يقيس بعدد الدّرجات الّتي صعدناها، بل بنيّة القلب.

كلّ واحدٍ منّا مدعوّ اليوم أن يُحدِّد درجته على هذا السّلّم، لا ليقارن، بل ليبدأ من جديد، لأنّ الصّوم فرصة للصّعود، للتّجدّد، للعودة إلى الذّات وإلى الله.

القدّيس يوحنّا يرينا الطّريق، لكن الهدف هو شخص، هو يسوع المسيح نفسُه."

وإختتم ابراهيم عظته قائلًا: "فلنُصلِّ في هذا الأحد أن يمنحنا الرّبّ قلبًا متواضعًا، وشجاعة روحيّة، وأن يضع في داخلنا نارًا لا تنطفئ، لنسير إلى القيامة، حاملين معنا ليس الإنجازات، بل الدّموع، والرّجاء، والإيمان، والمحبّة. آمين".