أفرام الثّاني في رسالة العيد: الميلاد هو برهانٌ أنّ "الله محبّة"
"أبناءنا الرّوحيّين الأعزّاء في جميع أنحاء العالم
حفظتهم العناية الرّبانيّة
«ܡܰܢܽܘ ܚܙܳܐ ܟܰܝ ܥܽܘܠܐ ܕܚܳܐܰܪ ܟܽܠܶܗ ܠܟܽܠ ܕܽܘܟ܆ ܕܳܡܶܐ ܚܶܙܘܶܗ ܕܗܽܘܝܽܘ ܡܕܰܒܰܪ ܟܽܠ ܒܶܪ̈ܝܳܬܐ ܕܰܠܥܶܠ ܘܕܰܠܬܰܚܬ܆ ܕܳܡܶܐ ܚܝܳܪܶܗ ܠܗܰܘ ܦܳܩܽܘܕܐ ܕܰܠܟܽܠ ܦܳܩܶܕ» (ܡܳܪܝ̱ ܐܰܦܪܶܝܡ܆ ܡܰܕܪ̈ܳܫܶܐ ܕܒܶܝܬ ܝܰܠܕܐ)
"مَن يا ترى رأى طفلاً ينظر بكلّيّته إلى كلّ مكانٍ؟ يوحي منظرُه بأنّه يدبّر كلّ البرايا، في العلى والعمق. توحي نظرتُه بأنّه الآمر الّذي يأمر الجميع" (مار أفرام السّريانيّ، أناشيد الميلاد).
أيّها الأحبّاء،
عيد الميلاد هو وقتٌ نجدّد فيه إعلان إيماننا بالله الواحد الضّابط الكلّ، خالق السّماء والأرض، ومدبّر الكون بأسره، الّذي وُلد من عذراء في بيت لحم. إنّه وقتٌ نختبر فيه محبّة الثّالوث الأقدس، ونقتبل بإجلالٍ سرّ التّجسّد. إنّه أيضًا وقتٌ نتوب فيه ونتأمّل بالابن الّذي صار جسدًا، والّذي "ارتضى وجاء بنعمته إلينا لأجل حياة وخلاص الجنس البشريّ" (معنيث مار سويريوس الأنطاكيّ)، فندعو تلك النّعمة نفسها لتعمل في حياتنا وتمنح عالمنا الفرح والسّلام.
هو أيضًا فرصةٌ لنقفَ بانذهالٍ أمام مشهد الميلاد المجيد، ونتأمّل الطّفل الملك مضجعًا في مذودٍ بسيطٍ وهو في الوقت عينه يحمل الكون ويدبّره. ونستذكر هذه الصّلاة الجميلة الّتي نتلوها في صلاة مساء يوم الاثنين، وفيها تُصوَّر العذراءُ وهي تقول: "ܠܰܘ ܐܶܢܐ ܛܥܶܢܬܶܗ ܠܰܒܪܐ܆ ܗܽܘܝܽܘ ܕܰܛܥܺܝܢ ܠܺܝ ܘܰܡܕܰܒܰܪ ܣܰܘ̈ܦܶܐ ܕܰܐܪܥܐ"، "لستُ أنا مَن حَملَ الابن، بل هو مَن يحملني ويدبّر أقطار الأرض" (من كتاب الصّلوات اليوميّة الاشحيم).
الميلاد هو وقتٌ نعاين فيه محبّة الله الضّابط الكلّ الّذي يسوس العالم بدقّةٍ فلا يدع أيّ تفصيلٍ صغيرٍ يخرج عن النّظام. في الواقع، إنّ طفل ذاك المذود في بيت لحم هو العلامة العجيبة لمحبّة الله ورحمته. إنّه الدّليل على مخطّط الله الخلاصي. فالله خلق العالم ليعيش بتناغمٍ، ويستمرّ بتدبير مشيئته ونعمته.
الميلاد هو برهانٌ أنّ "الله محبّة" (1 يو 4: 8)، فهو ليس مجرّد "مهندسٍ" يضع قوانينَ ويصمّم خلائقَ، وهو ليس ناظرًا بعيدًا يشاهد العالم من عليائه؛ إنّما هو "الكلمة (الّذي) صار جسدًا وحلّ فينا" (يو 1: 14). إنّه "عمّانوئيل – الله معنا" (را إش 7: 14، مت 1: 23). إنّه المخلّص المنتظَر الّذي تنبّأ عنه إشعياء، فقال: "لأنّه يولَد لنا ولدٌ ونُعطَى ابنًا، وتكونُ الرّياسة على كتفه، ويُدعَى اسمه عجيبًا، مشيرًا، إلهًا قديرًا، أبًا أبديًّا، رئيس السَّلام. لِنُموِّ رياسته، وللسّلام لا نهاية على كرسيّ داود وعلى مملكته، ليثبّتها ويعضدها بالحقّ والبرّ، من الآن إلى الأبد" (إش 9: 6-7). وهو ملك الملوك الّذي جاء إليه المجوس، ملوك المشرق، ليسجدوا له ويقدّموا هداياهم.
مملكتُه فريدةٌ لا مثيل لها: تاريخنا البشريّ يُظهر أنّ الممالك الأرضيّة تُبنى على الأسلحة؛ إنّها ممالك الكبرياء والأنانيّة والبغضاء والحسد ومحبّة السّلطة. إنّها ممالك الحروب والتّوسّع (الاستعمار)، حيث الخدّام (الجيوش) يجاهدون ويحاربون (را يو 18: 36). إنّها ممالك ليست بحسب قلب الله! لقد أساء البشر استخدام السّلطة المعطاة لهم، فظلم بعضهم بعضًا والحال أنّهم خُلقوا أحرارًا لينموا بالمحبّة نحو بعضهم البعض ونحو الله، وكان من المفترض أن يكونوا وكلاء أمناء على الأرض وعلى بعضهم البعض.
بَيد أنّنا، نحن– الشّعب السّالك في الظّلمة– أبصرنا نورًا عظيمًا (را إش 9: 2)، فالله جاء لكي "يملك على بيت يعقوب إلى الأبد" (لو 1: 33)، يعقوب الجديد، أيّ الكنيسة، جماعة الّذين قبلوه وآمنوا باسمه (را يو 1: 12). إنّه المسيح الملك و"مملكته ليست من هذا العالم" (يو 18: 36)، لأنّها مملكة المحبّة والسّلام والعدالة وبذل الذّات والتّضحية.
أيّها الأحبّاء،
هذا هو الميلاد؛ إنّه وقتٌ نعرف فيه كم أحبّ الله العالم فتخلّى عن مجده، وأخلى ذاته، ووُلد في وسطنا. إنّه وقتٌ نطرح فيه الخوف خارجًا ونثق بالكامل بالله الّذي يحكم الكون ويضبطه. إنّه وقتٌ نتّحد فيه بالصّلاة من أجل عالمنا الّذي نعيش فيه، سائلين الطّفل المولود، ملك الملوك ورئيس السّلام أن يُعيد السّلام في أوطاننا ومجتمعاتنا وعائلاتنا وحياتنا، وخاصّةً في سورية والعراق ولبنان والشّرق الأوسط بأكمله، وأن يُلهمَ الحكّام الأرضيّين ليعملوا من أجل العدالة والمحبّة في عالمنا، ويضعوا حدًّا لبؤس الملايين الّذين يعانون من الظّلم والعنف والحروب حول العالم.
الميلاد هو وقتٌ نسأل فيه الله أن يمنحنا أن نتشارك نعمتَه وبشارة تجسّده مع المتروكين والمهمّشين والمضطَهَدين والفقراء. إنّه وقتٌ نهتف فيه بصوتٍ واحدٍ: "ليأتِ ملكوتك" (را مت 6: 10)، ونضرع إليه ليأتيَ ويملك على قلوبنا ويتمّم وعده بأنّ "ها ملكوتُ الله داخلكم" (لو 17: 21)، فيجعلنا أحرارًا (را يو 8: 36) من الخطيئة ومحبّة العالم، لنستطيع أن نقدّم ذواتنا له بحريّة. كما نصلّي من أجل أخوينا الحبيبين مطراني حلب المخطوفين بولس يازجي ومار غريغوريوس يوحنّا إبراهيم، أعادهما الله إلى أبرشيّتيهما بسلامة ليحتفلا بعيد الميلاد بفرح وسلام.
نسأل الله أن يدبّر عالمنا على الدّوام ويقودنا إلى مذود السّلام! ونصلّي ضارعين إليه ليجعل هذا العيد سبب بركةٍ لأبناء كنيستنا السّريانيّة الأرثوذكسيّة كافّة، بل للعالم، كلّ العالم، ونسأله أن يكون العام الجديد مليئًا بالخيرات والبركات للجميع".