أحد بشارة زكريّا
نستخلص من هذه القراءات كلمة لحياتنا الروحيّة. فقد سمعنا في سفر القضاة أن كان رجلٌ من صُرعَة، من عشيرة دانٍ، اسمه مَنوح، وكانت امرأته عاقرًا لا تلد، فتراءى ملاك الربّ للمرأة وقال لها: إنّكِ عاقرٌ لم تلدي، ولكنّك ستحملين وتلدين ابنًا. فانتبهي الآن ولا تشربي خمرًا ولا مُسكِرًا، ولا تأكلي شيئًا نجسًا، لأنّك ستحملين وتلدين ابنًا لا يعلو رأسه موسًى، لأنّ الصبيّ يكون نذيرًا لله من البطن، وهو يبدأ بخلاص إسرائيل من يد الفَلِسطينيّين.
ليتورجيا ميّتة للإله الحيّ
كم إنّ أوجه الشبه قريبةٌ بين البشارتَين الملائكيّتين! في البشارة الأولى، الملاك يعلن لمَنوح وامرأته عن ولادةٍ قريبة، شمشون النذير الذي سوف يخلّص شعبه من أيدي أعدائه الفَلِسطينيّين؛ وفي الثانية، جبرائيل يعلن لزكريّا الكاهن عن ولادة يوحنّا الذي سوف "يهيّئ للربّ شعبًا مُعدًّا خير إعداد" (لو ١: ١٧). الحدث الخارق الذي عاشه زكريّا لم يكن إذًا جديدًا البتّة، بل هو يشهدُ بأنّ الله حاضرٌ أبدًا، لا ينسى وعوده لشعبه، قادرٌ أن يتدخّل حيث المستحيل فيتمّم مشروعه الخلاصيّ. لمَ طلب إذًا زكريّا علامةً من الملاك تصديقًا على كلامه؟ إنّها علامة شكّ! ولكنّ السؤال الأقوى يجدر أن يكون: لمَن كان زكريّا يُحرق البخور في مقدس الهيكل؟ أَلِإِلهٍ سمِعَ أنّه صنعَ الآيات في الماضي وهو غائبٌ في حاضره؟
"والآن نضرع إليك على عطر البخور"...
"وها أنت تكون صامتًا، لا تقدر أن تتكلّم" (لو ١: ٢٠). لقد أراد الملاك جبرائيل أن يجرّب زكرّيا بالبُكم، عسى أن يفتح قلبه للآية المزمعة أن تحصل في بيته. ونحن أيضًا، كم من مرّةٍ نجعل من ليتورجيّتنا شعائرَ ميّتةً لا نبض فيها، فارغةً من الإيمان بالإله الحيّ الذي ما تخلّى قطّ عن شعبه، حتّى أرسل في ملء الأزمنة ابنه ليكون معنا حتّى نهاية العالم. "والآن…" هي العبارة التي نجدها في كلّ صلاة غفران والتي تُعرَف بالـ"حسّاية"، وكأنّ أجدادنا بالإيمان الذين ألّفوا هذه الصلوات أرادوا أن يذكّرونا دومًا بأنّ ليتورجيّتنا لا تحيا إلّا إذا خاطبَت واقعنا وطالته. والآن! ما أكثر بقع الموت والعقم التي تلفّ سماءنا وسماء وطننا الغالي! فهلّا أصغَيْنا إلى صوت الله الذي استجاب طِلبة زكريّا، وهو يقول لكلٍّ منّا كما قال لزكريّا: لا تخَفْ!