لبنان

رجوع
الخميس 31 كانون ثاني 2019 / المصدر: TeleLumiere/Noursat

الأب وديع السقيّم في قداس على نيّة تلميذي مدرسة المركزية: بمقدار كآبةِ الأرضِ وحزنِها، تفتحُ السّماءُ ذراعيها لإستقبال "فرح" و"ديفيد" ووالدتهما
"في بيتِ أبي منازلُ كثيرةٌ، أنا أَمضي لأُعِدَّ لكم مكانًا؛ وحيث أكونُ أنا تكونونَ أنتم أيضًا". (يوحنا)أطفأ القدرُ قناديلَ الدّفءِ، ليُشعِلَ جمرةَ الغياب، كأسٌ مريرةٌ ارتشفها والدٌ مفجوع، يفتّش في زوايا بيته عن عائلةٍ مزّقتها طواحينُ القدر، وغدَرَ بها سكونُ اللّيل فخسرَ مملكتَهُ في لحظةٍ سوداء.

لوعةٌ وأسى، دموعٌ وحسرة، كلماتٌ تعرّت من مضامينها، 
بمقدار كآبةِ الأرضِ وحزنِها، تفتحُ السّماءُ ذراعيها لإستقبال "فرح" إبنِ السبعِ سنوات، و"ديفيد" إبنِ الأربع سنوات، ملاكين طاهرين، تغمرُهما والدةٌ حنون، رافقَت ولديْها في أولى خطواتِهما، ضمّتهما إلى صدرها، وأبَتْ أن تتركهما وحيدَين في مشوارهما الأخير، وهي اليوم تُمسك بيديهما وتحلّق بهما نحو السّماء.
يعزُّ عليَّ اليوم أن ارفعَ الصّلاة مع عائلةِ المدرسة على راحة نفس "فرح و ديفيد"، وهما في نضوةِ الحياة وريعانِ الطّفولة ونشوتِها، صدى ضحكاتِهما يترّددُ في الصّفوف، وقعُ أقدامِهما يتسابقُ في الملاعب، شقاوتُهما ترتسمُ بين قناطرِ المدرسة.
الاثنين انتظرَكما الرّفاقُ ولم تصلا، ربّما تأخّرت والدتُكم باصطحابكما، وطال الانتظار، بردَ المقعد، حارَت العيون، تجمّدَت الشّفاه، وماتَت الكلمات أمام هول الفاجعة.
المعلّماتُ والإدارة في غفلةٍ من عدم التّصديق عن طفلَين ذنبُهما أنّهما عشقا الحياة، فكانا خمرةَ الحبِّ وسكرةَ الأبوّة لوالدِهما "أنطوان"، ونشوةَ الأمومة لوالدتهما "أناستازيا". 
ما أقساكَ يا موت، وما أرحمَكِ أيّتها القيامة.
فبالقيامة ينتصرُ الحبُّ على الموت، لذلك علينا أن نرتميَ في حضنِ الله، لكي نرتويَ من حبِّه وندوسَ الموتَ كما فعلَ المسيح.
أيّها الأبناء الأحباء،
أيَّ كلمةِ عزاء نخاطبُ بها الوالدَ المفجوع، والعائلةَ الكريمة، ونحن وإيّاهم شركاءُ في اللوعةِ والحزنِ والمأساة. 
واليوم وإن كنا نتألّمُ معهُ، لكي نتمجّدَ معه، حينئذ يضيءُ الأبرارَ كالشّمس في ملكوتِ أبيهم. وليكن عبورُنا من ظلمةِ هذه الحياة طريقًا نحو نورِ مجدِ الله.
أيّها الحبيبين "فرح" و"ديفيد"
هزمَتنا الحياةُ بِكُما، وخسرناكما والوالدة. 
طويْتُما العمرَ باكرًا، واختَزَلْتما السنينَ وريشُكما ناعمٌ طريّ.
لم تَنْغَمِسا في فنونِ الحياة، ولم تعرفا طعمَها ولونَها، 
وكأنَّ السماءَ نادتكُما لتلوّنا زُرقتَها بابتسامتِكما، وتكحّلا ليلَها بسوادِ عيونِكما، وتنثرا على الكون أريجَ عطرِكما، تطوّفا بفضائِها ترشّان براءةَ الطّفولة، ونضارةَ القلب، وعلى ثغرِكما قبلاتٌ تُهديانها للوالد، للعائلة، للرفاق، للمعلمات، ولكلّ من احبّكما.... 
بإسم عائلةِ المدرسةِ التي آلمَها هذا الرّحيل المفاجئ والمباغت، ومن تعاليم الإنجيل وبرجائِنا المسيحيّ نرددُّ أنّ الموتَ هو بابُ العبور الذي ينتظرُنا المسيحُ بعدَه وعندَه، فاتحًا لنا ذراعيه وقلبَه، هاتفين: "اليوم تكونون معي في الفردوس".
اليوم أمسى الموتُ سَفرًا نحو الآب الذي فيه ومعه نستودعُ روحَنا. اليوم ملاكان شفيعان في السّماء، يتضرّعان لنا عند الآب؛ صلّوا لـ "أنطوان" لعائلتكم ولمدرستكم من عليائكم. "فرح" و"ديفيد" لن ننساكما. آمين.




To Advertise   إعلانات