15 أغسطس 2026
مقالات

الأب محفوض: من أجمل ما قيل في مريم العذراء!

يضيء خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض على أجمل ما قيل في مريم العذراء عشيّة عيد رقادها، متوقّفًا بشكل خاصّ عند ما قاله القدّيس غريغوريوس بالاماس، ويكتب:

“ماذا قال القدّيس غريغوريوس بالاماس بمناسبة رقاد سيّدتنا الطّاهرة والدة الإله مريم العذراء الدّائمة.

يُشكّل الحبّ والواجب معًا عظتي اليوم من أجل محبّتكم. ليس الأمر أنّني أرغب فقط، بدافع حبّي لكم، ولأنني مُلزمٌ بالتعاليم المقدسة، في أن أُوصل إلى آذانكم المُحبة لله كلمة خلاص، فأُغذي بها أرواحكم، بل إن كان هناك ما يربطنا بالواجب والحب، ويُمكن ذكره بثناءٍ للكنيسة، فهو العمل العظيم لأم الله، العذراء مريم.

إذًا، إذا كان “موت البارّ مُكرّمًا” (أنظر مزمور ١١٥: ٦) و”يُحتفى بذكرى البارّ بترانيم التّسبيح” (أمثال ١٠: ٧)، فكم بالأحرى يجب أن نُكرّم بحمدٍ عظيم ذكرى أقدس القدّيسات، تلك التي تُمنح القداسة للقدّيسين، أعني العذراء مريم، والدة الإله! وهكذا نحتفل اليوم برقادها المقدّس أو انتقالها إلى حياة أخرى، حيث إنّها، مع كونها “أدنى قليلاً من الملائكة” (مزمور ٨: ٦)، بقربها من إله الكلّ، وفي الأعمال العجيبة التي سُجّلت وأُنجزت من أجلها منذ بدء الخليقة، قد ارتقت إلى أعلى من الملائكة ورؤساء الملائكة وجميع الجيوش السّماويّة التي تفوقهم. من أجلها، يُعلن الأنبياء حاملو الله النّبوءات، وتُصنع المعجزات لتُنبئ بتلك الأعجوبة المستقبليّة للعالم أجمع، والدة الإله العذراء الدّائمة.

لقد أمضت بضع سنوات في قدس الأقداس نفسه، حيث تمتّعت تحت رعاية ملاك بتغذية لا توصف لم ينجح آدم نفسه في تذوّقها؛ لأنّه لو فعل ذلك، مثل هذه الطّاهرة، لمّا انحرف عن الحياة، على الرّغم من أنّه كان بسبب آدم ولكي تثبت أنّها ابنته، فقد خضعت قليلاً للطّبيعة، كما فعل ابنها، الذي صعد الآن من الأرض إلى السّماء.

جرت مراسم مغازلة روحانيّة خاصّة بالعذراء، تحيّة غريبة تفوق الكلام وجّهها إليها رئيس الملائكة، نازلاً من السّماء، وكشوفات وتحيّات من الله قلبت إدانة حوّاء وآدم، وأصلحت اللّعنة التي حلّت بهما، وحوّلتها إلى نعمة. ملك الكلّ “اشتهى جمالاً روحانيًّا” للعذراء الدّائمة، كما تنبّأ داود (مزمور 44: 11)، و”سجد للسّماء ونزل” (مزمور 17: 9) وظلّلها، أو بالأحرى، حلّت فيها قوة العليّ الجليلة. لم يُظهر الله حضوره عبر الظّلام والنّار، كما فعل مع موسى الرّائي، ولا عبر العاصفة والسّحاب، كما فعل مع إيليّا النّبيّ، بل دون وساطة، ودون حجاب، غطت قدرة العليّ الرّحم الطّاهر البكر، دون أن يفصل بينهما شيء، لا هواء ولا أثير ولا شيء محسوس ولا شيء فوق محسوس.

فقد حدث في الرّحم ليس اتّحادًا فحسب، بل تكوينًا أيضًا، وكان ذلك الشّيء المتكوّن من قدرة العليّ والرّحم البكر المقدّس هو كلمة الله المتجسّدة. وهكذا سكنت كلمة الله في والدة الإله بطريقة لا تُوصف، وانطلقت منها حاملةً الجسد.

كان موت والدة الإله بمثابة إحياء للحياة، إذ نقلها إلى حياة سماويّة خالدة، ويُعدّ إحياء ذكراها حدثًا بهيجًا واحتفالًا للعالم أجمع. فهو لا يُجدد فقط ذكرى أعمال والدة الإله العجيبة، بل يُضيف إليها أيضًا ذلك التّجمّع العجيب في جنازتها المقدسة لجميع الرسل القديسين الذين جُلبوا من كل أمة، وترانيم هؤلاء الذين تجلّت فيهم نعمة الله، والحضور الحاني للملائكة وجوقة ترانيمهم، والطّقوس الدّينيّة التي أحاطت بها، يتقدّمونها ويتبعونها، ويعينونها ويدافعون عنها ويُحمون.

وفي تلك الأثناء، كان الرّبّ صباؤوت نفسه، ابن العذراء الدّائمة، حاضرًا، الذي سلّمت إليه روحها الإلهيّة، التي من خلالها، وبها، انتقل جسدها إلى عالم الحياة السّماويّة الأبديّة، كما كان وما زال يليق. في الحقيقة، نال كثيرون فضلًا إلهيًّا ومجدًا وقوّة، كما يقول داود: «أما أولاديك يا ربّ، فهم في نظري أكرم الأفاضل، وسلطاتهم أشدّ جبروتًا. سأحصيهم، فيكثرون أكثر من الرمل» (مزمور ١٣٨: ١٧). ويقول سليمان: «كثيرة من البنات نلن ثروة، وكثيرات عملن ببسالة، أمّا هي فقد فاقت الجميع، رجالًا ونساءً» (انظر أمثال ٣١: ٢٩). فبينما كانت هي وحدها تقف بين الله والبشريّة جمعاء، صار الله ابن الإنسان وجعل البشر أبناءً لله؛ فجعلت الأرض سماويّة، وألهت البشريّة، وهي وحدها من بين جميع النّساء أظهرت أنّها أمّ بالفطرة وأمّ الله متجاوزة كلّ قوانين الطّبيعة، وبميلادها الذي لا يوصف – ملكة الخليقة كلّها، الأرضيّة والسّماويّة. وهكذا رفعت من هم تحتها بذاتها، وأظهرت على الأرض طاعة للأمور السّماويّة أكثر من الأمور الأرضيّة، فنالت استحقاقات أعظم وسلطة أسمى، ومن التّكليف الذي تلقّته من السّماء بالرّوح القدس، أصبحت أسمى الأسمى وأجلّ ملكة لجنس مبارك.

لكن الآن، تسكن أم الله في السّماء حيث رُفعت اليوم، وهذا يليق بها، فالسّماء مكانٌ مناسبٌ لها. إنّها “تقف عن يمين ملك الكلّ، متسربلة بثوبٍ من ذهبٍ مُزَيَّنٍ بألوانٍ مُتنوعّة” (انظر المزمور 44: 9)، كما تقول النّبوءة المزموريّة عنها. ويُقصد بـ”الثّوب المُزَيَّن بالذّهب” جسدها المُشعّ إلهيًّا، المُزَيَّن بألوانٍ مُتنوعّةٍ تُمثّل كلّ فضيلة. هي وحدها في جسدها، مُمَجَّدةٌ من الله، تنعم الآن بالملكوت السّماويّ مع ابنها. فالأرض والقبر والموت لم تُبقِ جسدها، مُنشئ الحياة ومُستقبل الله، إلى الأبد – المسكن المُفضَّل على السّماء وسماء السّماوات. إذًا، إذا كانت روحها، التي كانت مسكنًا لنعمة الله، قد صعدت إلى السّماء بعد أن فقدت كلّ شيء في الدّنيا، وهو أمرٌ جليّ، فكيف لا يُرفع إلى السّماء الجسد الذي لم يستقبل في داخله ابن الله الأزليّ الوحيد، منبع النّعمة المتدفّق، بل أظهر جسده أيضًا بالولادة؟ أو إذا كانت، وهي في الثّالثة من عمرها ولم تكن قد امتلكت بعدُ ذلك السّكنى السّماويّ، لا تحمل جسدنا وهي في قدس الأقداس، وبعد أن بلغت كمالاً فائقًا حتّى في جسدها بفضل تلك المعجزات العظيمة، فكيف يُعقل أن يفسد ذلك الجسد ويعود إلى الأرض؟ كيف يُمكن لأحدٍ أن يتصوّر مثل هذا الأمر؟ وهكذا، يُمجَّد الجسد الذي أنجب مع مولوده بمجد يليق بالله، ويُقام “تابوت القداسة” (مزمور ١٣١: ٨)، . تُقدِّم أكفان الكتّان وأغطية الدّفن للرّسل برهانًا على قيامة والدة الإله من بين الأموات، إذ بقيت وحدها في القبر، وعندما فحصها الرّسل وجدوها هناك، كما كان الحال مع السّيّد. لم تكن هناك حاجة لبقاء جسدها في الأرض قليلًا، كما كان الحال مع ابنها وإلهها، ولذلك رُفعت مباشرة من القبر إلى عالم سماويّ، ومنه تُشعُّ أنوارًا ونعمًا إلهيّة ساطعة، تُنير الأرض؛ وهكذا يُبجِّلها المؤمنون ويُعجبون بها ويُرنِّمون لها.

وهذا ما تملكه الآن فوق كلّ شيء: أنّها أصبحت خالدة بعد الموت، وتسكن وحدها مع ابنها والله في جسدها. ولهذا السّبب تفيض من جسدها بنعمتها الوفيرة على من يكرّمونها – فهي وعاءٌ للنّعم العظيمة – وهي تمنحنا حتّى القدرة على التّطلّع إليها. وبسبب جودها، تُغدق علينا هباتٍ سامية، ولا تكفّ عن تقديم جزيةٍ وفيرةٍ وناجحةٍ نيابةً عنا.

من يستطيع أن يصف بكلمات جمالكِ الإلهيّ الباهر، يا عذراء أمّ الله؟ تعجز الأفكار والكلمات عن وصف صفاتكِ، فهي تفوق العقل واللّغة. ومع ذلك، يحقّ لنا أن ننشد لكِ ترانيم الحمد، فأنتِ وعاءٌ يحوي كلّ نعمة، وكمال كلّ ما هو خير وجميل، ولوحةٌ وأيقونةٌ حيّةٌ لكلّ خير واستقامة، إذ أنتِ وحدكِ من استحقّتِ أن تنالي كمال كلّ عطيّة من عطايا الرّوح القدس. أنتِ وحدكِ من حملتِ في رحمكِ من فيه كنوز كلّ هذه العطايا، وصرتِ له مسكنًا بديعًا؛ ومن ثم رحلتِ عن الدّنيا إلى الخلود، وانتقلتِ من الأرض إلى السّماء، كما يليق، لتسكني معه أبدًا في مسكنٍ سماويّ. ومن هناك، أنتِ دائمًا حريصةٌ على ميراثكِ، وبشفاعتكِ الدّائمة لديه، تُظهرين الرّحمة للجميع.

بقدر ما هي أقرب إلى الله من جميع الذين تقرّبوا إليه، استحقّت والدة الإله مزيدًا من الاهتمام. ولا أتحدّث هنا عن البشر فقط، بل عن مراتب الملائكة أيضًا. كتب إشعياء عن قادة الجيوش السّماويّة: «ووقف السّرافيم حوله» (إشعياء 6: 2)؛ أمّا داود فيقول عنها: «عن يمينك وقفت الملكة» (مزمور 44: 8). هل تلاحظون الفرق في المكانة؟ ومن هذا تتضح أيضًا عظمة مكانتهم. السّرافيم يحيطون بالله، لكنّ الملكة وحدها قريبة منه. إنّها موضع إعجاب الله وإشادته، إذ يُعلن عنها، كما لو كان، بالأعمال العظيمة التي أُنجزت في سبيله، ويقول، كما ورد في نشيد الأناشيد: «ما أجمل رفيقتي!» (انظر نشيد الأناشيد 6: 4)، فهي أكثر إشراقًا من النّور، وأكثر زينةً من الحدائق الإلهيّة، وأكثر جمالًا من العالم أجمع، المرئيّ وغير المرئيّ. إنّها ليست مجرّد رفيقة، بل هي أيضًا عن يمين الله، فحيث جلس المسيح في السّماوات، أيّ عن «يمين الجلال» (عبرانيين 1: 3)، هناك أيضًا تقف هي، بعد أن صعدت من الأرض إلى السّماوات.

لهذا السّبب، يُقدّم النّبيّ الملائكة أنفسهم وهم يُمجّدون الإله الخارج منها، قائلين: «مبارك مجد الرّبّ من مكانه» (حزقيال 3: 12). ويعقوب البطريرك، إذ نظر إلى هذا العرش من خلال الرّموز (الألغاز)، قال: «ما أشدّ رهبة هذا المكان! ما هذا إلّا بيت الله، وهذا باب السّماء» (تكوين 28: 17). أمّا داود، فقد انضمّ إلى جموع المؤمنين، الذين هم كأوتار آلة موسيقيّة أو كأصوات مختلفة من أجيال متعدّدة انسجمت في إيمان واحد من خلال العذراء الدّائمة، فأطلق لحنًا عذبًا في مدحها، قائلًا: «أُخلّد اسمكِ في جيل جيل، فتُسبّحكِ الشّعوب إلى الأبد، وإلى دهر الدّاهرين». ألا ترون كيف تُسبّح الخليقة بأسرها العذراء مريم، ليس فقط في الماضي، بل «إلى الأبد، وإلى دهر الدّاهرين»؟ وهكذا يتّضح جليًّا أنّها، على مرّ العصور، لن تكفّ عن إحسانها إلى كلّ الخليقة، ولا أعني بذلك الطّبيعة المخلوقة التي نراها من حولنا فحسب، بل أعني أيضًا قادة الجيوش السّماويّة العظام، الذين تتّسم طبيعتهم باللّامادّيّة والتّسامي. يُبيّن لنا إشعياء بوضوح أنّه من خلالها وحدها نتشارك مع الله ونلمسه، تلك الطّبيعة التي تتحدّى اللّمس، إذ لم يرَ السّيرافيم يأخذون الجمر من المذبح دون وساطة، بل بملقط، وبواسطته لامس الجمر شفاه الأنبياء وطهّرها (انظر إشعياء 6: 6-7). وقد رأى موسى الملقط في تلك الرّؤيا العظيمة لإشعياء حين رأى العليقة مشتعلة بالنّار، لكنّها لم تحترق بعد. ومن ذا الذي لا يعلم أنّ العذراء مريم هي تلك الشّجيرة وتلك الملقط، هي التي حملت بنفسها (مع أنّ رئيس الملائكة ساعدها في الحمل) النّار الإلهيّة دون أن تحترق، هو الذي يغفر ذنوب العالم، الذي لمس البشريّة من خلالها، وبلمستها واتّحادها الذي لا يوصف طهّرنا تمامًا. لذلك، هي وحدها الحدّ الفاصل بين الطّبيعة المخلوقة وغير المخلوقة، ولا سبيل لأحد أن يصل إلى الله إلّا إذا استنار بها حقًا، ذلك المصباح المتألّق حقًّا بالألوهيّة، كما يقول النّبيّ: «الله في وسطها، فلن تتزعزع» (مزمور 45: 5).

لذا فهي كنز ومسؤولة عن غنى الألوهيّة. فمن المرسوم الأزليّ في السّماوات أن ينال الأدنى شأنًا ما وراء الوجود، بوساطة الأعلى شأنًا، والعذراء مريم أعلى شأنًا من الجميع. من خلالها ينال كلّ من ينعم بالله نعمته، وكلّ من يعرف الله يدرك أنّها حُصر المتعالي، وكل من يُسبّح الله يُسبّحها معه. هي سبب ما سبقها، وناصرة ما بعدها، وفاعلة الأمور الأبديّة. هي جوهر الأنبياء، ومبدأ الرّسل، والأساس المتين للشّهداء، وفرضيّة معلّمي الكنيسة. هي مجد أهل الأرض، وبهجة الملائكة، وزينة الخليقة كلّها. هي بداية الخيرات التي لا تُوصف، ومصدرها وجذرها؛ هي ذروة كلّ مقدس وتمامه.

يا عذراء إلهيّة، والآن كيف لي أن أصف كلّ ما يخصك؟ كيف لي أن أمجّد كنز المجد كلّه؟ إنّ ذكراك وحدها تقدّس من يحفظها ومجرّد التّأمّل فيك يجعل العقل أكثر صفاء فترفعينه مباشرة الى الله. بكِ تُصفى عين العقل وبكِ تُنير روح الإنسان بسكنى روح الله، إذ أصبحتِ  أمينة على كنز النّعم الإلهيّة وخزنتها لا لتحفظي بها لنفسكِ بل لتجعلي الطّبيعة المخلوقة ممتلئة بالنّعمة.

يا سيّدتي أنعمي بسخاء برحمتك ونعمكِ على جميع شعبكِ، فهذا ميراثكِ! أبعدي عنّا المخاطر التي تهدّدنا، انظري كيف نُستنزف من قبل أهلنا والغرباء من قِبل من هم في الدّاخل والخارج. إرفعي الجميع بقوّتك: هدّئي إخوتنا في الإنسانيّة، وشتّتي من يعتدون علينا من الخارج كما تُشتّتين الوحوش الضّارية. قيسي عونكِ وشفاءكِ بما يتناسب مع عواطفنا، وامنحي أرواحنا وأجسادنا نعمةً وافرةً تكفي لكلّ حاجة. وإن عجزنا عن استيعاب فيضكِ فزيدي قدرتنا، وامنحينا إيّاه بهذه الطّريقة حتّى إذا ما خلصنا بنعمتكِ، نمجّد الكلمة الأزليّ الذي تجسّد منكِ لأجلنا مع أبيه الأزليّ وروحه المُحيي الآن وكلّ آن وإلى أبد الآبدين، آمين.”

(بتصرّف)