23 يوليو 2026
مقالات

من البطريرك الدّويهي إلى البطريرك الحويّك: مسيرة قداسة وإيمان كنيسة ورؤية وطنيّة

غاص راعي أبرشيّة أستراليا ونيو زيلاندا وأوقيانيا المارونيّة المطران أنطوان- شربل طربيه بمسيرة البطريركين المارونيّين الطّوباويّيين إسطفان الدّويهيّ والياس الحويّك، في مقال عنوانه: “من البطريرك الدّويهي إلى البطريرك الحويّك: مسيرة قداسة وإيمان كنيسة ورؤية وطنيّة”، وكتب على عتبة احتفال لبنان بعرس تطويب بطريرك لبنان الكبير:

“يعيش لبنان وشعبه مرحلة تاريخيّة مصيريّة خطيرة؛ فظلام الحرب يلفّ البلاد انطلاقًا من جنوبها، حيث يتصاعد غبار التّدمير ويتزايد عدد الضّحايا والجرحى في حرب عبثيّة فُرِضت على لبنان، ولم يكن اللّبنانيّون غرباء عنها، بل أدخلتهم في خضمّ صراع موجع وخطير نأمل ألّا يطول.

وفي خضمّ هذه الظّلمة الحالكة، ظلمة الخوف والقلق على المصير، تشرق علينا من جديد شمس القداسة والقدّيسين مع إعلان قداسة البابا لاون الرّابع عشر المكرّم البطريرك إلياس الحويّك طوباويًّا للكنيسة الجامعة.

فالعناية الإلهيّة لم ولن تترك لبنان وشعبه لمصير مجهول؛ فبعد تطويب البطريرك العلًامة إسطفان الدّويهيّ سنة 2024، بطريرك النّهضة الرّوحيّة والهويّة المارونيّة، تطوّب الكنيسة في 25 تمّوز الجاري بطريركًا آخر هو المكرّم البطريرك إلياس الحويّك، صاحب الأيدي البيضاء في زمن الحرب والمجاعة، والّذي كتب صفحات مجيدة في تاريخ لبنان الحديث ورسالة الكنيسة المارونيّة فيه.

ويلتقي الطّوباويّان على قناعات راسخة قادت الموارنة من وطنهم الرّوحيّ والتّراث اللّيتورجيّ المقدّس إلى وطنهم الجغرافيّ ودولة لبنان الكبير، الّتي أرادوها مساحة للتّفاعل والتّعايش مع شركائهم في الوطن. وفي هذا الإطار، لا بدّ من التّوقّف عند بعض الأمور الأساسيّة في حياة ومسيرة الطّوباويّين وشهادتهما، والإضاءة على بعض إنجازاتهما:

الطّوباويّ البطريرك إلياس الحويّك (1843 – 1931)

قائد مسيرة إنشاء الوطن الجغرافيّ للّبنانيّين: دولة لبنان الكبير

كان البطريرك الحويّك من أبرز من عملوا على استرجاع حدود لبنان التّاريخيّة بعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى، وقد أدرك حينها أنّ متصرّفيّة جبل لبنان تفتقر إلى مقوّمات أساسيّة من سهول زراعيّة واسعة ومرافئ كبرى وموارد طبيعيّة. لذلك، طالب باسم اللّبنانيّين في المذكّرة الّتي قدّمها في مؤتمر الصّلح في باريس سنة 1919 بعودة لبنان إلى حدوده التّاريخيّة، لكي تقوم دولة مستقلّة قابلة للحياة والاستمرار اقتصاديًّا وجيوسياسيًّا.

وقد دافع البطريرك الحويّك عن لبنان الكبير ضمن مفهوم أوسع للسّيادة الوطنيّة المبنيّة على تنوّع طائفيّ داخليّ وانفتاح على التّنوّع الحضاريّ في الشّرق والغرب، رافضًا أن يكون لبنان منعزلًا عن محيطه العربيّ أو أن يكون مستعمرة تابعة للغرب. وكان من الواضح في رؤيته الوطنيّة أنّ لبنان لا يمكن أن يقوم على مبدأ العدديّة، بل على مبدأ التّعدّديّة ضمن الشّراكة الوطنيّة والوحدة في التّنوّع. وقد أدرك في الوقت عينه استحالة قيام دولة لبنانيّة على مبدأ الأحاديّة الدّينيّة أو الفكريّة أو السّياسيّة.

فدولة لبنان الكبير الّتي أُعلنت سنة 1920 لم تنشأ فقط بقرار دوليّ أو بتسوية سياسيّة معيّنة، بل نتيجة مسيرة تاريخيّة طويلة كان للبطريرك الحويّك الدّور الأساسيّ مع نخبة لبنانيّة في الوصول إلى إنجازها. وحول حدود لبنان الكبير والمدن الملحقة به، تشير المذكّرة السّياسيّة المرسلة من الإدارة الفرنسيّة لعصبة الأمم (في 13 آب/أغسطس 1920) إلى أنّ لبنان يطالب بالحدود الّتي اعترفت فرنسا له بها عام 1860. وممّا جاء في المذكّرة أيضًا أنّ فرنسا لا يمكنها فصل بيروت القديمة عن لبنان، والّتي كانت تتألّف من أقضية صيدا وصور ومرجعيون وطرابلس، لأنّ بيروت هي عاصمة لبنان، بالإضافة إلى الأقضية الأربعة: حاصبيا وراشيا وبعلبك والبقاع.

وعلى هذا الأساس، وفي 31 آب/ أغسطس، أعلن الجنرال غورو قيام دولة لبنان الكبير من قصر الصّنوبر في بيروت، بحضور رجال الدّين والسّياسيّين والأعيان وممثّلي الطّوائف، ولاسيّما البطريرك المارونيّ إلياس الحويّك، ومفتي بيروت الشّيخ مصطفى نجا؛ للإشارة بأنّ المسلمين والمسيحيّين على السّواء موافقون على صيغة لبنان الكبير، رغم أنّه لا بدّ من الإشارة إلى وجود مجموعة من اللّبنانيّين عارضت بشكل كبير قيام دولة لبنان الكبير آنذاك.

لقد أراد البطريرك الحويّك انتقال لبنان من “تجمّع طوائف” إلى “اجتماع طوائف” في جمهوريّة لبنانيّة حديثة. واللّافت في كلّ ذلك وعيه الوطنيّ بأنّ لبنان لا يمكن أن يقوم ويستمرّ إلّا من منطلق تقديم “المواطنة” على “المطائفة”، أيّ تقديم الرّوابط الوطنيّة على الرّوابط الدّينيّة والطّائفيّة.

الطّوباوي البطريرك الحويّك: ذاكرة “لبنان الكبير”

خلال الحرب العالميّة الأولى، ضربت لبنان مجاعة استمرّت سنوات بسبب الحصار البحريّ الّذي فرضته قوّات الحلفاء، والتّدابير العسكريّة العثمانيّة الّتي حدّت من وصول المواد الغذائيّة إلى البلاد، ورافق ذلك انتشار الجراد الّذي فتك بالمحاصيل الزّراعيّة.

وأمام المجاعة والفقر والموت الّتي طالت معظم اللّبنانيّين في تلك المرحلة، لم يتردّد البطريرك الحويّك في أخذ التّدابير اللّازمة لتخفيف وطأة الأزمة؛ فأمر بفتح الأديرة والمؤسّسات الكنسيّة لاستقبال المحتاجين، وعمل على تأمين ما تيسّر من مساعدات غذائيّة، وأطلق حملات إغاثة واسعة، وتواصل مع جهات دوليّة وكنسيّة لمساعدة المنكوبين من كلّ الطّوائف اللّبنانيّة.

والجدير بالذّكر هو التّعاون الوثيق في تلك المرحلة بين البطريرك الحويّك والأباتي إغناطيوس داغر التّنّوري، الرّئيس العامّ للرّهبانيّة اللّبنانيّة المارونيّة، الّذي قام بعد نيل بركة البطريرك برهن أملاك الرّهبانيّة للدّولة الفرنسيّة مقابل إرسال الأموال لإطعام الجياع وإيواء الفقراء.

وبنتيجة ذلك، ارتبط اسم البطريرك الحويّك ليس فقط بإعلان دولة لبنان الكبير، وإنّما أيضًا بعمله الدّؤوب لرفع كابوس الموت جوعًا والفقر المدقع عن أبناء وبنات شعبه خلال الحرب العالميّة الأولى، حتذى عُرِف بـ”أب الفقراء والمساكين”. وبعد انتهاء الحرب، ترأّس وفد لبنان إلى مؤتمر الصّلح في باريس عام 1919، مطالبًا بإنشاء دولة مستقلّة تتمتّع بحدود واضحة تضمن لها مقوّمات الحياة والاستمرار، فعُرف أيضًا بـ”أب لبنان الكبير”.

الطّوباويّ البطريرك الحويّك وتأسيس “جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة”

أسّس البطريرك الحويّك جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات في 15 آب من العام 1895، بالتّعاون مع الأمّ روزالي نصر والأخت إسطفاني كردوش.

منذ بداية حياته الكهنوتيّة في العام 1870، كان البطريرك الحويّك يفكّر في إنشاء جمعيّة رهبانيّة وطنيّة رسوليّة تُعنى بالتّربية والتّعليم. راودته هذه الفكرة خلال جولاته في القرى والمدن عندما كان كاهنًا ثمّ أسقفًا، حيث كان يرى مدى الفقر والجهل في مجتمعات تلك البلدات، وبالأخصّ في المناطق النّائية. أراد البطريرك الحويّك لهذه الرّهبنة أن تحمل اسم العائلة المقدّسة وأن تهتمّ بالدّرجة الأولى بتعليم الفتيات، لإيمانه بأنّ الفتاة هي أمّ المستقبل، وأنّ الأمّ هي قلب العائلة وعمودها؛ لأنّها هي من تربّي إنسان المستقبل، أكان هذا الإنسان معلّمًا أم فلّاحًا أم جنديًّا أم كاهنًا.

العذراء مريم في حياة الطّوباويّ البطريرك الحويّك

حمل البطريرك الحويّك همّ كنيسته وشعبه وعمل على ربط الجغرافيا مباشرة بالسّماء، وتحديدًا بالسّيّدة العذراء. ففي احتفال أقيم في الأوّل من أيّار من العام 1908، تمّ افتتاح مزار سيّدة لبنان في حريصا والّذي استغرق بناؤه 4 سنوات. بعد ذلك، قام البطريرك بإعلان يوم الأحد الأوّل من شهر أيّار عيدًا سنويًّا لسيّدة لبنان، وقال في تدشين المزار:

“إنّ العواصف الّتي تتجمّع فوق نفوسنا، إنّما العذراء الّتي حرست الجبل حتّى اليوم ستظلّ حارسة له. وكما في ليل المعركة يتناقل الجنود كلمة التّعارف لئلّا يسقطوا في الكمائن، كذلك نحن، فلنتناقل كلمة السّرّ والرّجاء، ألا وهي مريم العذراء”.

ولا بدّ أيضًا من التّوقّف عند المنشور عن العذراء الّذي أصدره في العام 1903 ويقول فيه:

“إنّ لبنان هو مملكة مريم العذراء، وأنّ ما يدلّ على ذلك هو الصّلوات الموروثة من الأجداد، ومعابد مريم القديمة والحديثة في كلّ قرية، والانتظام في أخويّاتها، والاشتراك في ورديّاتها وثوبها، والاحتفال بشهرها المبارك في كلّ بيت من بيوت الموارنة”.

علاوة على ذلك، فإنّ ما دُوِّن في السّجلّ الأوّل للمزار يدلّ على عمق الرّوحانيّة المريميّة الّتي عاشها البطريرك وكيف كرّس لبنان وشعبه لها: “تقبَّلي أيّتها الأمّ البتول البريئة من الدّنس لبنان وشعبَه تحت كنف حمايتك، وتلطَّفي بحنانك الوالدي أن تحفظي إيمانه من كلّ شائبة”.

الطّوباويّ البطريرك إسطفان الدّويهي (1630- 1704)

قائد مسيرة إنشاء الوطن الرّوحيّ للموارنة: التّراث اللّيتورجيّ

سعى البطريرك الدّويهي إلى إبراز الهويّة المارونيّة في كتاباته وعظاته وتعليمه، مبيّنًا كيف أنّها هويّة مسيحيّة مميّزة تقوم على إيمان أنطاكيّ كاثوليكيّ سريانيّ أصيل، وأنّ جوهر هذه الهويّة المارونيّة هو الترّاث اللّيتورجيّ. ويمكننا اعتبار كتابه “منارة الأقداس” خلاصة جامعة للّيتورجيا وللّاهوت نظرًا لما يتضمّنه من معلومات وتفسيرات تجعلنا نقر بمعرفته الموسوعيّة.

فكتابه “منارة الأقداس” أو “المنائر العشر”، والّذي كتبه البطريرك الدّويهي بعد عودته من روما إلى لبنان، يعتبر من أهمّ مؤلّفاته وأشهرها، ويعرض فيه حقائق الإيمان المسيحيّ انطلاقًا من شرح ليتورجيا الذّبيحة الإلهيّة وفق الطّقس المارونيّ بشكل رئيسيّ، وحسب معظم الطّقوس الأخرى كاللّاتينيّة والأرثوذكسيّة. وبشرحه موضوعًا ليتورجيًّا أو فعلًا أو حركة أو إشارة أو رمزًا، لا يتوانى عن الاستفاضة في شروح لاهوتيّة دفاعيّة أو رعويّة، ساعيًا ليدحض الآراء الخاطئة والهرطقات عن كنيسته المارونيّة. يقسم الكتاب إلى عشرة أقسام أو منائر، يتضمّن الجزء الأوّل ستّ منائر ويركّز على التّعليم العامّ عن الذّبيحة الإلهيّة، ويعالج القسم الثّاني بأربع منائر مسألة النّوافير.

ليست “منارة الأقداس” المؤلّف اللّاهوتيّ واللّيتورجيّ الوحيد، بل ترك لنا البطريرك الدّويهيّ كتبًا عديدة في هذا الشّأن تعكس مدى تعلّقه بأصالة تراث الموارنة الشّرقيّ، وعن إيمانه الثّابت بحضور الله الإفخارستيّ، حيث يصبح القدّاس الإلهيّ وكأنّه الوطن اليوميّ الحقيقيّ لكلّ المؤمنين. وبالفعل، لقد قاد البطريرك الدّويهي مسيرة تجديد وتحديد الوطن الرّوحيّ للموارنة، إذ قام بإصلاح ليتورجيّ مارونيّ حقيقيّ ورسم بذلك هويّة مارونيّة سريانيّة أنطاكيا، أمينة لإيمانها الكاثوليكيّ، وفتح المجال أمام الموارنة اليوم للانتماء إليها وعيشها في لبنان وبلدان الانتشار.

الطّوباويّ البطريرك الدّويهي: “ذاكرة الموارنة”

لقد كتب البطريرك الدّويهي بشغف عن تاريخ الموارنة، ودافع عن أصلهم وبـيَّنَ صحّة إيمانهم، ودوّن تسلسل بطاركتهم، ونظّم ليتورجيّتهم وقدّاسهم، وحمى الطّقس المارونيّ من التّحوُّل إلى اللّاتينيّة، ودبّرَ شؤون البطريركيّة.

أنتج حوالى 40 عملًا في معظم الحقول الفكريّة والدّينيّة واللّيتورجيّة والتّاريخيّة، لتعريف الموارنة على هويّتهم الحقيقيّة من خلال وطن ليتورجيّ يمكن أن يعيشوا فيه بغضِّ النّظر عن المكان الجغرافيّ الّذي يجدون أنفسهم فيه. ومن أبرز هذه الأعمال: كتاب النّوافير السّريانيّة، نسبة الموارنة، ردّ التّهم ودفع الشّبه، تاريخ الأزمنة، ومنارة الأقداس.

في “منارة الأقداس”، يكشف البطريرك الدّويهي عن لاهوت مارونيّ يقوم على مقاربة فريدة من نوعها للثّالوث الأقدس، تمكِّن كلّ إنسان، بغضِّ النّظر عن درجة علمه أو مستوى ذكائه، من التّفاعل مع الثّالوث الأقدس وفهم محبّة الله الثّالوث له من خلال اللّيتورجيا.

فلا يمكننا أن نتحدّث عن الذّاكرة المارونيّة من دون العودة إلى البطريرك الدّويهي، الّذي كان له الدّور الأساس في إبراز وجه الكنيسة المارونيّة في أصالتها المثلّثة: الأنطاكيّة السّريانيّة، والخلقيدونيّة المتّحدة بكرسي روما، واللّبنانيّة المنفتحة على العالم العربيّ. إنّ اكتشاف الترّاث المارونيّ الشّرقيّ الّذي اجتهد الدّويهي أن يضعه على المنارة بمؤلّفاته وإنجازاته يستحقّ أن يكون مرجعًا أساسيًّا للذّاكرة المارونيّة الّتي تدفعنا اليوم للتّوقّف عندها ونقلها بأمانة إلى الأجيال المارونيّة الجديدة.

الطّوباويّ البطريرك الدّويهي وتأسيس “جمعيّة رهبان مار أنطونيوس”

أسَّس البطريرك الدّويهي الرّهبانيّة اللّبنانيّة المارونيَّة في أواخر القرن السّابع عشر، حين أمَّ لبنان ثلاثة شبّان موارنة من حلب وهم: جبرايل حوّا، عبد الله قراعلي، ويوسف البتن، طلّابًا للحياة الرّهبانيّة. بعد لقائهم مع البطريرك الدّويهي في مقرِّه في قنّوبين واطِّلاعه على فكرتهم في البحث عن حياة رهبانيّة مارونيَّة منظَّمة، ألبسهم الإسكيم الرّهبانيّ في 10 تشرين الثّاني 1695، وأنزلهم في دير مارت مورا في إهدن، فرمَّموه وأطلقوا على رهبنتهم اسم “جمعيّة رهبان مار أنطونيوس”، ثمّ التحق بهم جبرائيل فرحات سنة 1696. وفي 18 حزيران 1700، ثبَّت البطريرك الدّويهي قانونهم. فيما بعد، انقسمت الجمعيّة إلى رهبانيّتيْن كبيرتيْن هما: الرّهبانيّة المارونيَّة اللّبنانيّة، والرّهبانيّة المارونيَّة الحلبيّة (ثمّ المريميّة).

العذراء مريم في حياة الطّوباويّ البطريرك الدّويهي

كانت للبطريرك الدّويهي علاقة خاصّة بالعذراء؛ ففي العام 1648، عندما كان تلميذًا في المدرسة الإكليريكيّة المارونيّة في روما، فقدَ نظره لشدّة انشغاله بالدّرس والبحث على ضوء القنديل. اضطر الطّالب الدّويهي إلى الاستعانة برفاقه لكي يتلوا عليه ما فاته من الدّروس. وحين علم بأنَّ رئيس المدرسة صمَّم على إيقافه عن متابعة دروسه وإرجاعه إلى جبل لبنان، لجأ إلى الكنيسة طالبًا شفاعة أمِّه العذراء مريم لكي تشفيه، ونذر لها نذرًا التزم به طوال حياته. وبشفاعتها استعاد بصره وتابع دروسه بتفوّق.

لديه كتابات عن اللّاهوت المريميّ في نواحٍ كثيرة من “منارة الأقداس”، لكنّه أيضًا كتب العظة التّالية عن العذراء والّتي جاءت بمثابة صلاة تتضمّن سلسلة من التّطويبات:

“طوباكِ يا مريم؛

طوباكِ يا ستَّ النِّسا؛

طوباكِ يا سلوى المغمومين، يا مَعونة المَلهوفين، يا مَلجأ الخطأة؛

يا مُنقذَةَ الضَّالين، يا نَجدَة الهالِكين، يا ميناءَ الخلاص؛

أيَّتُها المتوسِّطة بين الله وجِنسِ البَشر.

طوبى لِروحِكِ المُقدَّسة؛ طوبى لجسَدِكِ الطَّاهر؛ طوبى لأحشائكِ التي أَوَتْ ربَّ القُدرة؛ طوبى ليدَيْكِ اللَّتيْن لَفّتا ربَّ العزّ؛ طوبى لحُضنِكِ الّذي احتضَنَ النّار الإلهيّة؛ طوبى لرُكبتَيْكِ اللَّتيْن حمَلَتا حامِلَ السَّماء والأرض؛ طوبى لِثَدييْكِ اللّذين أرضَعَا مُغيثَ كلِّ حيّ؛ طوبى لِفَمِكِ الّذي قبَّل ابنَ الله؛ طوبى لِمِسْمَعيْكِ اللّذين سَمِعا أَقوالَه؛ طوبى لأنفِكِ الّذي اشتَمَّ الرّائحةَ الإلهيّة؛ طوبى لِعينَيْكِ اللَّتيْنِ نَظرَتا مَن يُغطّي الكَروبون وجُوهَهَم من رؤيتِه.

طوباكِ. نَعَمْ إنَّ الرُّسلَ يَستَحقّونَ الطّوبى؛ الشُّهداء يَستَحِقّونَ الطّوبى… لكنَّ تَطويبَكِ أفضل من كلِّ طوبى”. آمين.

خاتمة

في الختام، نجد أنفسنا أمام بطريركين عظيمين تركا للكنيسة ولنا جميعًا إرث قداسة وروحانيّة راسخة وعلمًا ووطنيّة، ويأتي تطويبهما في أقلّ من سنتين ليقول لنا الكثير، وما علينا إلّا أن نصغي لما يقوله الرّوح القدس لكنيسة لبنان من خلالهما.

فبعد مرور أكثر من 300 سنة على الطّوباويّ البطريرك الدّويهي، الّذي كان همّه الفكر المارونيّ والهويّة المارونيّة، أين أصبح الموارنة في القرن الواحد والعشرين؟ ألا يزال المارونيّ مارونيًّا كما رسمه الدّويهي؟ ألم يتغيّر مع التّطوّرات؟ ألا يجب إعادة النّظر في واقعنا على ضوء المستجدّات والمتغيّرات الكثيرة والخطيرة؟

فبعد وفاة البطريرك الدّويهي بسنوات قليلة عُقد المجمع اللّبنانيّ في اللّويزة سنة 1736، الّذي تأثّر كثيرًا بفكر الدّويهي وبرؤيته الكنسيّة والتّاريخيّة. ومنذ عشرين سنة، عُقد المجمع البطريركيّ المارونيّ وأصدر توصيات ومقرّرات، فأين نحن منها؟

لهذا، لا بدّ من التّطلّع إلى الأمام من خلال سينودس بطريركيّ خاصّ لدراسة الوضع المارونيذ في لبنان وبلدان الانتشار أمام تسارع الأحداث والتّطوّرات، ولوضع رؤية جديدة ومتجدّدة لمستقبل الكنيسة المارونيّة.

أمّا بالنّسبة للبطريرك الحويّك، فبعد مرور 106 سنوات على إعلان دولة لبنان الكبير ودوره الرّائد في هذا الحدث التّاريخيّ، ألا يجدر بنا اليوم القيام بمراجعة وطنيّة من خلال طرح الأسئلة التّالية:

– هل كانت تجربة لبنان الكبير ناجحة وحقّقت مبتغاها؟

– هل أصاب البطريرك الحويّك بإصراره على مساحة 10452 كلم2، وعلى ضمّ مناطق ذات أكثريّة غير مسيحيّة إلى جبل لبنان (المتصرّفيّة)؟

وهنا أيضاً تأتي الدّعوة إلى “مراجعة وطنيّة بعيدة عن التّطييف والتّحزّب والتّسييس”، للعمل على إنقاذ لبنان ووضع رؤية جديدة لدولة لبنان الكبير.

البطريرك الحويّك “بنى” لبنان، وها هو يتهدّم، ألا يجب أن نعمل اليوم مع بعضنا البعض على إعادة البناء؟ لن يغفر لنا أحد غيابنا أو تقاعسنا جميعًا.”

المراجع

– الدّكتور ساسين عسّاف: محاضرة بعنوان “المبادئ الّتي وضعها البطريرك الحويك لبناء دولة لبنان الكبير”، 12/6/2026.

– جورج عرب: المكرّم إلياس الحويّك: لبنان الكبير وإحسانات الحرب العالميّة الأولى، 2020.

– طانيوس نجيم: البطريرك إسطفان الدّويهي والتّراث الشّرقيّ: من الأنطاكيا إلى اللّبنانيّة، 2024.

– الخوري غسّان نخّول: الطّوباويّ البطريرك الدّويهي لاهوت الثّالوث في القدّاس المارونيّ، 2026.