نبيّ، صنع المعجزات بالصّلاة، هو أوّل من كرّس نفسه للعذريّة في العهد القديم، إنّه النّاسك الأوّل، النّبيّ الغيور… هو مار إيلياس الحيّ الّذي نتعرّف إليه بعمق لاهوتيّ مع خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض، في السّطور التّالية.
“عاش إيلياس النّبيّ حوالي عام 816 قبل الميلاد، وظلّ يتنبّأ خمسة وعشرين عامًا. كان من سبط هارون ومن مدينة تشبي التي وهبها الله للكهنة. وصنع بالصّلاة معجزات كثيرة، وكان غيورًا. وأوّل من كرّس نفسه للعذريّة في العهد القديم. وُلد في تشبة جلعاد في سبط لاوي قبل تجسّد كلمة الله بتسعمائة عام.
يروي القدّيس إبيفانيوس القبرصيّ قصّة ميلاد النّبيّ إيلياس: “لما وُلد إيلياس، رأى والده سوباك في رؤيا ملائكة الله حوله، لفّوه بالنّار وأطعموه اللّهيب”. كان اسم إيلياس (قوّة الرّبّ) الذي أُطلق على الطّفل رمزًا لحياته كلّها. منذ شبابه، كرّس نفسه لله الواحد، واستقرّ في البرّيّة، وقضى حياته كلّها في صوم وتأمّل وصلاة. دُعي إلى الخدمة النّبويّة، ممّا وضعه في صراع مع ملك بني إسرائيل آخاب، فأصبح النّبيّ غيورًا متحمّسًا للإيمان والتّقوى.
حياته الرّوحيّة:
كان النّبيّ إيلياس غيورًا ومتّقدًا. كانت لديه غيرة لله “بمعرفة”، لأنّ هناك غيرة بدون معرفة، ممّا يُسبّب مشاكل كبيرة في جسد الكنيسة والمجتمع عمومًا. الغيرة الحقيقيّة هي تلك المرتبطة بالحياة الرّوحيّة والجهاد الدّاخليّ الذي يخوضه الإنسان للتّطهر من الأهواء، ولملاقاة الله والشّركة معه. يتجلّى هذا التّعليم بوضوح في نصوص آباء الكنيسة وفي التّرانيم الأرثوذكسيّة. في القطعة الجلوسيّة الأولى من الليتين في صلاة الغروب للنّبيّ إيلياس، نُنشد: “إيليّا الغيور والملك على أهوائك… كنت ملاكًا في الجسد وإنسانًا بلا جسد، أرانا إنجازات في الفضيلة”. الغيور الحقيقيّ هو من يتحكّم في أهوائه، لا من تتحكّم فيه أو تحمله. من بإنجازاته الرّوحيّة أصبح مساويًا للملائكة القدّيسين، وإن كان يعيش على الأرض، فإن مواطنته في السّماء.
هو ملاكٌ بجسد، وإنسانٌ بلا جسد، أيّ بلا فكرٍ جسديّ. في رسالته إلى أهل كورنثوس، يشرح لنا الرّسول بولس ماهية الفكر الجسديّ: “لأنّكم بعدُ جسديّون. ما دام بينكم حسدٌ وخصامٌ وانقسام، أفلستم جسديّين وتسلكون كبشر؟” (1 كورنثوس 3: 3). لا يمكن للغيرة والشّقاق والغضب والشّجار أن تكون لها علاقةٌ بالله، لأنّ الله محبّة، وهو إله السّلام.
ويصفه القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم بأنّه “حامل مفتاح السّماء”، لأنّه، كما يقول، “هو الذي أغلق السّماء”. كانت صفته المميّزة هي غيرته على الله. «لقد خدمتُ الرّبَّ الإلهَ القديرَ بغيرةٍ، ولكنَّ بني إسرائيلَ نكثوا عهدَهم معك…» كان جوابُه للرّبِّ بعد أن سأله: «ماذا تفعلُ هنا؟» (١ ملوك ١٩: ٩-١٠).
ولكن ما هي الغيرة لله؟ إنّها القوّة الدّافعة وراء كلّ عمل صالح، وهي هبة من الرّوح القدس.الحماسة تعني الحماس والحماسة والابتهاج. ولذلك تُشبَّه بالماء المغلي، وتُؤدِّي عملاً عظيمًا. إنّها تعني قلبًا دافئًا مفعمًا بالإيمان العميق. إنَّ المُتحمِّس لله مليءٌ بالحالات الرّوحيّة، وهو الذي يُطيع صوت الله طوعًا، ويُنفِّذ إرادته بإيثارٍ وتفانٍ. هذه الغيرة لله تنبع من محبّة الله، وهي بعيدةٌ عن الدّوافع الأنانيّة، وهي صريحةٌ وواضحة، بحسب القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم.
بدون هذه الغيرة لا يستطيع أحد أن يعمل من أجل ملكوت الله، ولا أن يدخل إليه، لأنّه بحسب يوحنّا الإنجيليّ في الإصحاح الثّالث من سفر الرّؤيا: “الله سيبصق الفاتر من فمه”.
ما فائدة هذه الحماسة؟ إنّها تُعين الإنسان على أن يتذكّر دائمًا مجد الله ونيل ملكوته. ومن مظاهر هذه الحماسة عدم حصر معتقداته في ذاته، أو إبقاء النّور “تحت المكيال” (متى ٥: ١٥)، بل تقديمه لكلّ إنسان.
ولهذا السّبب فإنّ النّبيّ، الممتلئ بالغيرة الإلهيّة، لا يحمل لنفسه سوى أوامر الله، ويقدّمها حتّى يتمكّن أهل عصره من الانفصال عن الوثنيّة واتّباع الإله الحقيقيّ.
النّبيّ، مدفوعًا بحماسة الله، لا يخشى حتّى توبيخ آخاب القدير. “فلمّا رأى آخاب إيليّا، قال له آخاب: أأنت مُكدِّر إسرائيل؟ فأجاب: لم أُكدِّر إسرائيل، بل أنت وبيت أبيك، لأنّكم تركتم وصايا الرّبّ وتبعتم البعل” (ملوك الأول ١٨: ١٧-١٨). ومن سمات حماسته ثباته.
ليس كمن يُحدث انطباعًا ثم ينطفئ بعد فترة! ليس لديه أجندة ولا أنانيّة!
وجوده في الكتاب المقدّس:
نجد في العهد القديم خمس روايات عن النّبيّ إيلياس، رواها النّاس. لا تتضمّن هذه الرّوايات الخمس تعاليم نظريّة، بل حوادث ومعجزات مرتبطة بالنّبيّ. لكن أعظم مديح للنّبيّ إيلياس التشبي جاء من الشّعب بعد سنوات طويلة. يا أحبّائي، عندما سمع أهل فلسطين ربّنا يسوع المسيح يعظ ويصنع المعجزات، دهشوا ممّا سمعوا ورأوا، فقالوا: “من هذا؟ هل هو إيلياس؟” (لوقا ٩: ١٩).
كلّ صراعات النّبيّ إيلياس، وكل تعاليمه، دارت حول مسألة واحدة: يهوه أم بعل. كلاهما لا يناسب! قال النّبيّ لبني إسرائيل: “كأنكم تعرجون بقدميكم” (ملوك الثالث ١٨: ٢١). ولأنّ الشّرّ جاء من الحاكم، لم يتردد النّبيّ الشّجاع في المثول أمامه ووصفه بأنّه “مفسد إسرائيل” (ملوك الثالث ١٨: ١٧-١٨).
وفي العهد الجديد، يُذكر اسم النّبيّ إيلياس كثيرًا على لسان المسيح نفسه. فقد قال زكريّا، أبو السّابق، إنّ يوحنّا سيأتي “بروح إيليّا وقوّته”، أيّ أنّه سيحمل سمات النّبيّ إيلياس وحماسته، وأنّه سيكون النّبيّ إيلياس نفسه، الذي كان الشّعب ينتظر عودته. وعندما شهد يسوع ليوحنّا المعمدان وأثنى عليه كثيرًا، قال إنّه إيلياس: “إن شئتم، فاقبلوا أنّه إيلياس الآتي”.
الأهم من ذلك كلّه، أنّه في التّجلّي، رأى التّلاميذ على الجبل النّبيّين موسى وإيلياس يتحدّثان مع المسيح. كلّ هذا يُظهر مكانة إيلياس الخاصّة بين الأنبياء وفي وجدان النّاس. لقد رأوا إيلياس يعود في شخص المسيح، عندما سمعوا تعاليمه وشهدوا معجزاته. سأل المسيح: “من يقول النّاس إنّي أنا؟” فأجاب تلاميذه: “بعضهم يقول يوحنّا المعمدان، وبعضهم يقول إيلياس “.
وبحسب تقاليد الكنيسة المقدّسة، سيكون النّبيّ إيلياس مُبشّرًا بالمجيء الثّاني المُرعب للمسيح. سيُعلن حقيقة المسيح، ويحثّ الجميع على التّوبة، وسيُقتل على يد المسيح الدّجّال. ستكون هذه علامة نهاية العالم. سُجِّلت حياة النّبيّ إيلياس في أسفار العهد القديم (الملوك الثّالث، الملوك الرّابع، سيراخ/جامعة ٤٨: ١-١٥، المكابيّين الأوّل ٢: ٥٨). وفي زمن التّجلّي، تحدَّث النّبيّ إيلياس مع المخلّص على جبل طابور (متى ١٧: ٣؛ مرقس ٩: ٤؛ لوقا ٩: ٣٠).
لماذا لم يمت إيليّا؟:
يُعجبني تفسير القدّيس يوحنّا الذّهبيّ الفم، حيث أعجب الله بإيلياس لنضاله. وكأنّه قال له: “يا إلهي! ما أنت! أحتاجك. أحتاجك لسنوات المسيح الدّجّال!” يا مسيحيي، لقد أخذ الله هذا السّهم النّبويّ الحادّ وأخفاه في جعبته! وفي سنوات المسيح الدّجّال، عندما يكون نشاطه رهيبًا، سيُخرج الله من جعبته (!) النّبيّ إيلياس، ليحارب المسيح الدّجّال ويبشر النّاس بالتّوبة، فينالوا الخلاص. وهكذا نجد النّبوءة في النّبيّ ملاخي، آخر الأنبياء ترتيبًا زمنيًّا. يقول الله: “ها أنا أرسلكم إيلياس التّشبي قبل مجيء يوم الرّبّ العظيم المجيد، الذي سيرد قلب الأب إلى ابنه وقلب الإنسان إلى قريبه، لئلا آتي وأهدم الأرض” (ملاخي 4: 4-5).
توضيح حول صعود أخنوخ وإيليّا بقلم القدّيس غريغوريوس بالاماس:
اليوم لم يقف الرّبّ مع تلاميذه بعد قيامته فحسب، بل انفصل عنهم أيضًا ورُفع إلى السّماء وهم يشاهدونه، وصعد ودخل إلى قدس الأقداس الحقيقيّ وجلس عن يمين الآب، فوق كلّ رياسة وسلطان وكلّ اسم وكرامة معروفة ومسمّاة، سواء في هذا العالم أو في العالم الآتي. كانت هناك قيامات كثيرة قبل قيامة المسيح، وبالمثل، كانت هناك صعودات كثيرة قبل صعوده.
“رفع الروح إرميا النّبيّ، ورفع ملاك حبقوق. وكُتب على وجه الخصوص أنّ إيلياس صعد بمركبة من نار. ولكن حتّى هو لم يتجاوز حدود الأرض، وكان صعود كلّ من المذكورين مجرّد نوع من الحركة التي ترفعهم عن الأرض دون أن تخرجهم من المنطقة المحيطة بالأرض. وبالمثل، مات جميع الذين قاموا من بين الأموات وعادوا إلى الأرض. على النّقيض من ذلك، قام المسيح ولم يعد للموت سلطان عليه، والآن صعد وجلس في الأعالي، كلّ علو تحته ويشهد أنّه هو الله على الكلّ.” (عظة ١ في صعود المسيح).
” أخذ الله أخنوخ أيضًا، ولكن هل أخذه إلى السّماء؟ بالتّأكيد لا! لأنّه “لم يصعد أحد إلى السّماء إلّا الذي نزل من السّماء”… ومع ذلك، إذا كُتب أن أخنوخ نُقل إلى مكان ما على الأرض بأمر الله، فمن الواضح أنّه نُقل إلى مكان أدنى من المكان المخصّص الآن للعذراء، فما من مكان على الأرض أقدس من قدس الأقداس.” (عظة ٢ في دخول والدة الإله إلى الهيكل).
بصلوات النّبيّ إيلياس، نسأل الله أن يجعلنا جميعًا، نحن المسيحيّين مؤمنين بإله آبائنا، ثابتين على إيماننا وحياتنا المسيحيّة، مخلّصين لله حتّى الممات.”



