تخصّص الكنيسة الأرثوذكسيّة اليوم الثّاني من كلّ أسبوع لتكريم يوحنا المعمدان. وفي هذا المقال نتعرّف أكثر إلى “السّابق الجليل”، وإلى مكانته في الكنيسة الأرثوذكسيّة بشكل خاصّ، مع خادم وكاهن عائلة كنيسة الصّليب للرّوم الأرثوذكس في النّبعة الأب باسيليوس محفوض، الّذي يشرح:
“خصّصت كنيستنا الأرثوذكسيّة اليوم الثّاني من كلّ أسبوع للقدّيس يوحنّا المعمدان، السّابق الجليل، الذي يُعدّ شخصيّةً بارزةً في كنيستنا لارتباطه بالمسيح، فهو قريبه. يُوصف القدّيس يوحنّا بالسّابق لأنّه سبق المسيح ومهّد الطّريق لمجيئه بالتّبشير بالتّوبة، كما يُوصف بالمعمدانيّ لأنّه وُجد جديرًا بتعميد المسيح.
ورد في سفر أمثال سليمان : «يُبارك ذكر الصّديق، ويُمحى اسم الشّرير» (أمثال ١٠: ٧)، أيّ أنّ ذكر الصّديق يتم بثناء النّاس، بينما يُمحى اسم الفاجر.هذه المقولة من العهد القديم تنطبق على القدّيس يوحنّا المعمدان، بمعنى أنّه لا يحتاج إلى ثناء النّاس، فشهادة الرّبّ كافية. وقد أثنى المسيح نفسه على القدّيس يوحنّا لتلاميذه بكلمات كثيرة، ولاسيّما قوله: «الحقّ أقول لكم: لن يقوم بين المولودين من النّساء أعظم من يوحنّا المعمدان» (متى ١٠: ١١). إذًا، عندما ينال المرء بركة المسيح نفسه، فما حاجته إلى مزيد من المديح والبركات من النّاس.
إذ أُرسل يوحنّا المعمدان من الله “بقوّة إيليا” (متى 17: 9-13) ليُهيّئ النّاس لمجيء المسيح الموعود (ملاخي 3: 1). وبصفته رسول الله، كان يُتوقع منه أن يُشير إلى النّاس بفاديهم، “حمل الله الذي يرفع خطيئة العالم” (يوحنا 1: 29).
وكان عليه أيضًا أن يعمّد المسيح المنتظر والمتنبّأ به في نهر الأردن، ليبدأ بذلك مهمة ربّنا المسيانيّة (متى 3: 13-15).
هو أوّل من عرف سرّ الإله الواحد المثلّث الأقانيم: الآب والابن والرّوح القدس. وهو في الواقع آخر أنبياء العهد القديم وأوّل أنبياء العهد الجديد. عاش في مرحلة انتقاليّة بين أنبياء العهدين القديم والجديد. المهم هو أنّ أنبياء العهد القديم رأوا ربّ المجد بلا جسد (قبل التّجسّد)، بينما رأى القدّيس يوحنّا المعمدان ربّ المجد بجسد (متجسّدًا)، فقد عرفه فور حبله في رحم العذراء مريم، و”ارتعد فرحًا” في رحم أمه أليصابات.
يكتب القدّيس غريغوريوس بالاماس بأسلوب رائع عن يوحنّا المعمدان. فبما أنّ القدّيس يوحنا “حُبل به بوعود عظيمة وكثيرة، حتّى أنّه مُسح نبيًا قبل ولادته”، لأنّه عرف المسيح فور حبله به و”تجاوز كمال” النّبيّين إشعياء وإيليّا، وهو لا يزال جنينًا. وعندما وُلد، أفرح النّاس وأدهش الجميع بالمعجزات التي أحاطت به”.
ويتابع القدّيس غريغوريوس بالاماس: “أنّ القدّيس يوحنا المعمدان بشّر برسالة تليق بمكانته، لأنّه أعلن ملكوت السّماوات”. كذلك، لم يكشف المسيح للجميع بالأقوال فحسب، بل بالأفعال أيضًا. ” عمّده، وأشار إليه بإصبعه، وأوصى به تلاميذه، وبكلّ شيء شهد أنه ابن الآب، وحمل الله، وعريس نفوس الذين يأتون إليه، وهو الذي يزيل النّجاسة، وهو الذي يقدّم ويمنح التّقديس”.
ويتابع القدّيس غريغوريوس أنّ القدّيس يوحنا السّابق هو “عمود كلّ فضيلة وتقوى…، وذروة حاملي الله في كلّ العصور، وكنز مواهب الرّوح القدس المتألّق، الذي حمل اسم النّعمة الإلهيّة مع الاسم الذي أُطلق عليه، ومسكن كلّ تقوى وفضيلة”.
ويضيف القدّيس ثيودور ستوديت (+ 826) إلى كلمات التّمجيد هذه: “هل هناك حاجة لنا لتمجيد يوحنا المعمدان عندما تمجده المسيح نفسه، الذي هو الحق وكلمة الله الأبديّة؟.”
السّبب الآخر لتكريم القدّيس يوحنا المبكر هو حياته البريئة والزّاهدة في الصّحراء، والتي أشاد بها الآباء باعتباره “ملاكًا أرضيًّا في جسد بشريّ”. القدّيس صوفرونيوس: “امتلأ القدّيس يوحنا المعمدان بالرّوح القدس من رحم أمّه” (لوقا 1:15)، وقضى كلّ سنوات شبابه في الصّحراء، مُهيّئًا نفسه بالصّيام والصّلاة لمهمّته الفريدة.
وبهذا، كان القدّيس يوحنا المعمدان مصدر إلهام لآباء الصّحراء اللّاحقين، الذين اعتبروه مؤسّسهم وقدوتهم الحقيقيّة في الحياة النّسكيّة. وكما قال القدّيس صفرونيوس الأورشليميّ: «ذهب القدّيس يوحنا المعمدان إلى الصّحراء ليقتدي لا بالبشر بل بالملائكة».
لذلك، في الكنيسة الأرثوذكسيّة يُكرّم القدّيس يوحنا المعمدان فوق جميع القدّيسين الآخرين ويأتي مباشرة بعد والدة الإله، التي هي “أكثر شرفًا من الشّروبيم وأكثر مجدًا من السّرافيم”… وأيضًا تستند عظمة وتكريم القدّيس يوحنا المعمدان، الذي تنبّأ له رئيس الملائكة جبرائيل عند ولادته بأنّه سيكون “عظيمًا في عيني الرّبّ” (لوقا 1: 14).
لم يقتصر شهود شعبيّة يوحنا المعمدان على جميع الإنجيليّين فحسب، بل شهد عليها أيضًا مؤرّخ يهوديّ معاصر هو يوسف فلافيوس، الذي دوّن حوالي عام 90 م. أنّ الملك هيرودس أنتيباس خشي من انتفاضة شعبيّة بسبب شعبيّة يوحنا المعمدان.
يُعدّ تكريم القدّيس يوحنا المعمدان تقليدًا عريقًا، وقد انتشر على نطاق واسع في الشّرق والغرب منذ القرون الأولى. وفي الكنيسة الأرثوذكسيّة، يُخصص يوم ثلاثاء (كما أشرنا سابقا) من كلّ أسبوع لإحياء ذكراه، بالإضافة إلى بعض الأيّام التّذكاريّة الخاصّة.
إذ اكتسب التّكريم اللّيتورجيّ للقدّيس يوحنّا المعمدان في الكنيسة الأرثوذكسيّة شكله النّهائيّ بحلول القرن التّاسع. توجد بعض التّرانيم القديمة التي تُشيد به، ربما تعود إلى أواخر القرن الرّابع.
لكن أبرز من مجّدوا القدّيس يوحنا كانوا مؤلّفي التّرانيم البيزنطيّين المشهورين في القرن الثّامن: القدّيس جرمانوس القسطنطينيّ (توفي عام 733)، والقدّيس أندراوس الكريتي (توفي عام 740)، والقدّيس يوحنا الدّمشقيّ (توفي عام 749). كما ساهم اثنان من مؤلّفي التّرانيم في القرن التّاسع، الرّاهبة كاسياني ورهبان ستوديون، في التّكريم اللّيتورجيّ ليوتيرجي للقدّيس يوحنا المعمدان.
أشهر قصيدة مديح للقدّيس يوحنا المعمدان تعود للقدّيس صوفرونيوس الأورشليميّ (+ 638)، والتي زوّدت مؤلّفي التّرانيم ببعض التّعبيرات السّامية.
وهنا ينبغي ذكر مديح القدّيس أندراوس الكريتي، الذي ألقي في عيد (قطع الرّأس) وما بعدها، بالإضافة إلى مديحين للقدّيس ثيودوروس ستوديت (+ 826) – أحدهما لميلاد يوحنا، والآخر (لقطع رأسه وما بعدها).
توجد بعض المراثي المبكرة للقدّيس يوحنا المعمدان، بدءًا من مرثية القدّيس يوحنا فم الذّهب (توفي عام 407)، مرورًا بمراثي بعض الخطباء المشهورين مثل أنتيباتر البستراوي (توفي حوالي عام 458) وباسيليوس السلوقي (توفي عام 459). وكان جميع الآباء مقتنعين بأن “مدح المعمدان هو مدح ليسوع، لأنّه قدّم شهادة مؤثرة لمخلصنا!”.
لذلك، فلنرفع إليه صلواتنا من أجل صحّتنا وخلاصنا، ولنصلِّ إليه أيضًا أن يعلّمنا التّوبة. ولنقتدِ بمثال حياته المقدّسة، حتّى ننال نعمة الله ورحمته من خلال صلوات هذا الرجل الصّالح العظيم. آمين.”



