في زيارة رسميّة إلى المقرّ الرّئيسيّ للمنظّمة الأمميّة في روما، لبّى البابا لاون الرّابع عشر دعوة المدير التّنفيذيّ لبرنامج الأغذية العالميّ التّابع للأمم المتّحدة (WFP) صباحًا، حيث أكّد في خطاب دبلوماسيّ وإنسانيّ شامل أنّ “السّلام الدّائم للتّنمية البشريّة المتكاملة والمستدامة لا يمكن تحقيقهما إلّا من خلال مشاركة الجميع، برعاية حوار دوليّ حقيقيّ وتعاون موجّه نحو الخير العامّ.”
وفي خطابه، وضع البابا الإصبع على الجراح العميقة للأزمات العالميّة، مقدّمًا رؤية الكنيسة الكاثوليكيّة لمكافحة الجوع والهيكليّات الدّوليّة المسبّبة ل، وقال بحسب “فاتيكان نيوز”:
“أودّ أن أشكر سعادة السّيّدة سيندي ماكين على دعوتها الكريمة لي لإلقاء هذه الكلمة أمام الاجتماع السّنويّ للمجلس التّنفيذيّ لبرنامج الأغذية العالميّ التّابع للأمم المتّحدة. وأخصّ بالتّحيّة السيد كارل سكاو، المدير التّنفيذيّ بالنّيابة، وسعادة السّيّدة كارلا باروسو كارنيرو، رئيسة هذه الجمعيّة الهامّة. كما أمدّ تحيّاتي إلى ممثّلي الدّول الأعضاء، والضّيوف المتميّزين في هذا الاجتماع، وموظّفي هذه المؤسّسة الحكوميّة الدّوليّة المكرّسة لإنقاذ الأرواح في حالات الطّوارئ وتقديم المساعدات الغذائيّة في خضمّ النّزاعات والكوارث الطّبيعيّة. إنّ التزام مؤسّستكم يتجاوب بشكل عميق مع رسالة الكنيسة الكاثوليكيّة في دعم الكرامة الإنسانيّة وتعزيز الأخوَّة، والمتجذّرة في دعوة الإنجيل لمحبّة قريبنا. نحن نتشارك معًا في المهمّة الملحّة لمواجهة الجوع وسوء التّغذية، مع معالجة الأسباب الهيكليّة الكامنة الّتي تغذّيهما في الوقت عينه. وللقيام بهذه المهمّة بفعاليّة، يجب علينا فحص التّحدّيات الماثلة أمامنا، وأسبابها الكامنة، والمسارات المؤدّية إلى حلول دائمة.
لقد تطوّرت الأزمات اليوم من أحداث معزولة إلى واقع مستمرّ، مطبوع بالنّزاعات المطوّلة، وانعدام الأمن الغذائيّ المزمن، والتّقلّبات الاقتصاديّة، والهشاشة المناخيّة المتزايدة. وهذا الأمر يطرح سؤالًا جوهريًّا: أيّ شكل من أشكال النّظام العالميّ قادر على إنتاج مثل هذه الظّروف، وإعادة إنتاجها، بل وتطبيعها في بعض الأحيان؟ لم تعد المسألة تقتصر على كيفيّة التّدخّل؛ بل تمتدّ إلى فهم السّبب في أنّ النّظام ينتج باستمرار المشاكل عينها الّتي يُضطرّ لاحقًا إلى تصحيحها.
لقد أصبح النّظام الدّوليّ مجزءًا بشكل كبير، ويرجع ذلك جزئيًّا إلى أزمة النّظام المتعدّد الأطراف. وكما أشرت مؤخّرًا في الرّسالة العامّة “الإنسانيّّة الرّائعة” إنّ المؤسّسات الّتي أُنشئت لحماية مفهوم المستقبل المشترك لجميع الشّعوب والخير العامّ العالميّ تبدو وكأنّها قد ضعفت”. وفي غياب أفق أخلاقيّ مشترك قادر على دعم التّعاون الحقيقيّ، تحوّل النّظام الدّوليّ من تعدّديّة الأطراف إلى “تعدّديّة قطبيّة فوضويّة ومليئة بالنّزاعات مع شعور سائد بعدم الثّقة”. ونتيجة لذلك، راحت الدّول تخصّص مواردها بشكل كبير للأمن القوميّ، والنّموّ الاقتصاديّ، والاستقرار الدّاخليّ، متجاهلة الرّابط الوثيق بين هذه القضايا والتّعاون المتعدّد الأطراف.
يكشف هذا الاتّجاه عن مفارقة صارخة: إذ هناك قدرة إنتاجيّة عالميّة غير مسبوقة بالإضافة إلى اتّساع رقعة مناطق الهشاشة الشّديدة. فالقوى نفسها الّتي تحرّك النّموّ الاقتصاديّ غالبًا ما تفاقم الإقصاء والتّهميش. ورغم أنّه يتمُّ الاعتراف بتخفيف المعاناة الإنسانيذة على نطاق واسع باعتباره أمرًا ضروريًّا من حيث المبدأ، إلّا أنَّ الاهتمامات الإنسانيّة تواجه بشكل كبير خطر التّراجع إلى مرتبة ثانويّة بين الأولويّات الدّوليّة. وفي هذه الفجوة بالذّات، بين الاعتراف بالمبدأ وتطبيقه في الممارسة العمليّة، نشهد بيروقراطيّة متدرّجة للتّضامن إلى جانب تسليع صامت للحياة البشريّة. فمن ناحية، يتمُّ تثقيل العمل الإنسانيّ بشكل كبير بالإجراءات البيروقراطيّة الّتي قد تؤخّر تقديم المساعدات للمحتاجين. ومن ناحية أخرى، غالبًا ما يتأثّر الوصول إلى السّلع الأساسيّة، بما في ذلك الغذاء، بالاعتبارات الاقتصاديّة أو الاستراتيجيّة. ونتيجة لذلك، فإنّ الّذين لا يولِّدون قيمة قابلة للقياس الكمّيّ يواجهون خطر أن يصبحوا غير مرئيّين.
تخلق هذه الدّيناميكيّة المزدوجة تحدّيًا أخلاقيًّا خطيرًا: فالشّخص البشريّ لم يعد يوضع باستمرار في مركز العمل الدّوليّ. وفي هذا السّياق، من المهمّ الاعتراف بأنّه “بينما تتمُّ إعاقة أشكال المساعدات ومشاريع التّنمية بقرارات سياسيّة معقّدة وغير مفهومة، ورؤى أيديولوجيّة منحرفة، وحواجز جمركيّة منيعة، فإنّ الأسلحة لا تواجه ذلك”. وفي الواقع، فإنّ النّزاعات تُغذّى بسهولة أكبر من تغذية البشر. ولا يعكس هذا الواقع قصورًا تشغيليًّا فحسب، بل يعكس أيضًا خللًا جوهريًّا في الأولويّات السّياسيّة والأخلاقيّة.
إنّ العواقب تمتدّ إلى ما هو أبعد بكثير من المتضرّرين المباشرين. فالجوع، وأكثر من كونه مجرّد مسألة إنسانيّة، يقوِّض التّماسك الاجتماعيّ، ويزيد من خطر النّزاعات، ويغذّي الهجرة القسريّة. كذلك، هو يضعف قدرة الدّول والمجتمعات على بناء مؤسّسات مرنة، وتقديم تعليم فعّال، وتعزيز تنمية اقتصاديّة مستدامة. وبذلك، فإنّه يرسّخ دوّامات الهشاشة الّتي تؤثّر في نهاية المطاف على المجتمع الدّوليّ بأسره.
من هذا المنظور، يتّضح أنّ العمل الإنسانيّ ليس غريبًا عن النّظام الدّوليّ؛ بل هو يعكس مسؤوليّة المجتمع العالميّ في تعزيز التّضامن، ومقاومة الإقصاء، والاعتراف بالكرامة المتأصّلة والممنوحة من الله لكلّ شخص. ولذلك، وأبعد من إدارة الأزمات، تجسّد المؤسّسات الدّوليّة مبدأ المسؤوليّة المشتركة وتؤكّد أنّ المجتمع الدّوليّ يربطه الاهتمام بالّذين هم في الفئات الأكثر هشاشة. وبهذا المعنى، فإنّ برنامج الأغذية العالميّ هو أكثر من مجرّد فاعل سياسيّ أو اقتصاديّ أو تقنيّ؛ إنّه تعبير ملموس عن التّضامن الدّوليّ. وحيثما تتراجع المؤسّسات الوطنيّة وتتفكّك الشّبكات الجماعيّة، يساعد حضوره في منع الأزمات الإنسانيّة من التّدهور إلى انهيار لا يمكن الرّجوع عنه.
ولهذا السّبب، فإنّ التزامًا متجدّدًا بتعاون متعدّد الأطراف يُعدُّ أمرًا ضروريًّا. ففي عالم يتزايد تجزّؤه وتعدّديّته القطبيّة، لا يمكن لدولة واحدة بمفردها مواجهة التّحدّيات العالميّة. إنّ السّلام الدّائم والتّنمية البشريّة المتكاملة والمستدامة لا يمكن تحقيقهما إلّا من خلال مشاركة الجميع، برعاية حوار دوليّ حقيقيّ وتعاون موجّه نحو الخير العامّ. وهذا النّهج يتطلّب إرادة سياسيّة حازمة قادرة على تجاوز الرّؤى القصيرة المدى والاستثمار في المنافع العامّة العالميّة. “لا يمكن تحقيق هذا الهدف إلّا من خلال تقارب السّياسات الفعّالة والتّنفيذ المنسّق والمتكامل للتّدخّلات. وعلى الدّعوة إلى السّير معًا، في وئام أخويّ، أن تصبح المبدأ التّوجيهيّ”. وبهذه الرّوح، أودّ أن أوجّه نداءً إلى حكومات وشعوب العالم لتجديد وتعزيز التزامهم، وزيادة الموارد المخصّصة لمكافحة الجوع وأسبابه الجذريّة، وإزالة العقبات الّتي تمنع وصول المساعدات إلى المحتاجين. وفي الوقت عينه، ينبغي لهذا الدّعم أن يعزّز أيضًا التّعاون مع الكنيسة والمجتمع المدنيّ. إنّ تقوية قدرات كلّ هؤلاء الفاعلين معًا ستضاعف من فعاليّتنا الجماعيّة في مكافحة الجوع.
ويتطلّب تنفيذ هذا النّداء بفعاليّة تقليص البيروقراطيّة غير الضّروريّة لتكون الشّفافيّة والمساءلة في خدمة البشر بدلًا من أن تعيقا تقديم المساعدات. وفي الحالات الّتي تفتقر فيها الحكومات إلى السّيطرة الفعليّة على الأراضي أو يُقيَّد فيها الوصول الإنسانيّ، يصبح الشّركاء المحلّيّون الموثوقون أمرًا لا غنى عنه. إنّ الكنيسة الكاثوليكيّة- من خلال الرّعايا، والأبرشيّات، وهيئات الكاريتاس، وغيرها من المبادرات القائمة على الإيمان- تصل غالبًا إلى الفئات الهشّة في مناطق لا يمكن للفاعلين الدّوليّين الوصول إليها. ولذلك أشجّع برنامج الأغذية العالميّ وشركاءه على الاستمرار في دعم هذه الجهود. ومن الأهمّيّة بمكان أيضًا مقاومة تسليع الاحتياجات البشريّة الأساسيّة. فالغذاء والماء والرّعاية الصّحّيّة لا يمكن إخضاعها لاعتبارات السّوق أو المصالح الجيوسياسيّة. إنّ الحصول على الغذاء الكافي هو حقّ أساسيّ من حقوق الإنسان يقوم على كرامة كلّ شخص. وتلبية هذه الحاجة لا تخفّف المعاناة فحسب، بل تعالج أيضًا الأسباب الكامنة وراء عدم الاستقرار الجيوسياسيّ. إنّ الأمن الغذائيّ في الواقع هو عنصر أساسيّ من عناصر الأمن العالميّ والمتكامل.
وفي هذا الصّدد، فإنّه من دواعي الثّناء أن يقوم برنامج الأغذية العالميّ، إلى جانب عمليّات الاستجابة للطّوارئ، بتوسيع نطاق عمله ليتجاوز الإغاثة الفوريّة إلى مبادرات طويلة الأجل، مثل البرامج الّتي تقدّم الوجبات الغذائيّة لطلّاب المدارس. إنّ هذه الاستثمارات تقوِّي التّعليم، والتّنمية البشريّة، والمرونة الاجتماعيّة، وتعكس رؤية متكاملة للتّنمية البشريّة تعزّز الكرامة، والفرص، ورفاه الإنسان بكلّيّته.
أصحاب السّعادة، أيّها الأصدقاء الأعزّاء، إنّ ما هو على المحكّ ليس فقط فعاليّة وكالة ما، بل أيضًا مصداقيّة التّعاون الدّوليّ نفسه. إنّ منظّمتكم تثبت أنّ هناك مسارًا متجدّدًا ممكن؛ ولكنّه يتطلّب العزم على تبسيط ما قد أصبح معقّدًا، وإعطاء الأولويّة لما هو جوهريّ، وضمان ألّا يُنسى أيّ شخص. لأنّ هذا الالتزام يقوم على الاعتراف بأنّ كلّ شخص بشريّ يتمتّع بكرامة متأصّلة وغير قابلة للتّصرّف، تبقى سليمة بغضّ النّظر عن الظّروف أو الأحوال أو المكانة الاجتماعيّة. وإذ تتجذّر هذه الكرامة في محبّة الله غير المشروطة والّتي لا حدود لها، يمكن وصفها بأنّها غير متناهية، إذ لا يمكن لأيّ شيء أن يقلّل من قيمتها أو يمحوها أو ينكرها. وفي أمانتنا لهذه الحقيقة بالذّات تُقاس إنسانيّة سياساتنا- ومعها مستقبل المجتمع الدّوليّ. ومع هذه المشاعر، أسأل الله أن يبارك جهودكم بوفرة، لكي ينال الجميع خبزهم كفاف يومهم ويعيشوا بكرامة. وتأكّدوا من صلاتي من أجلكم، ومن أجل أحبّائكم والّذين تخدمونهم.”



