14 يونيو 2026
لبنان

بورجيا أكّد لأبناء صور قرب البابا منهم: أنتم لستم وحدكم

نقل السّفير البابويّ في لبنان المطران باولو بورجيا إلى أبناء مدينة صور، تحيّات البابا لاون الرّابع عشر، مؤكّدًا قربه منهم قائلًا:

“أحمل إليكم محبّة قداسة البابا وفرحه بكم، وقد أوصاني أن أنقل لكم رسالةً واضحة: أنتم لستم وحدكم. إنّه يفكّر فيكم باستمرار، ويصلّي من أجلكم، ويتابع أوضاعكم باهتمامٍ أبويّ من خلال ما تقوم به الكنيسة ودبلوماسيّة الكرسيّ الرّسوليّ في سبيل دعم السّلام والاستقرار وحماية الإنسان. لذلك أقول لكم: لا تخافوا. أنتم لستم وحدكم، فالكنيسة الجامعة تقف إلى جانبكم، وترافقكم بالصّلاة والتّضامن، وتقدّر ثباتكم وصمودكم مع راعي الأبرشيّة سيادة المتروبوليت جورج اسكندر في هذه المدينة العريقة. إنّ حضوركم هنا ليس مجرّد بقاء، بل هو رسالة، لأنّكم شهود للرّجاء، ودعاة سلام، وبناة عيشٍ مشترك وأخوّة بين جميع أبناء هذه الأرض.

لا تخافوا، لأنّ الله معكم. إنّه حاضر في حياتكم، ويسير معكم في مسيرتكم اليوميّة، ويمنحكم قوّته وعزاءه، ولاسيّما من خلال حضوره الحقيقيّ في سرّ القربان المقدّس”.

وأنهى: “لقد سررت كثيرًا بما رأيته اليوم من إيمانٍ حيّ ومشاركةٍ واسعة في هذه الكنيسة. وسأنقل إلى قداسة البابا أنّ أبناء صور بخير، وأنّهم ثابتون في إيمانهم، متمسّكون برجائهم، ومؤتمنون على رسالة الحضور المسيحيّ في هذه الأرض”.

وكان إسكندر قد ترأّس الذّبيحة الإلهيّة بحضور فعاليّات دينيّة ومدنيّة وعسكريّة، وألقى عظة قال فيها: “في هذا الأحد الثّاني بعد العنصرة، يقودنا الإنجيل إلى شاطئ بحر الجليل، حيث كان يسوع يمشي ويدعو تلاميذه الأوائل. لكنّنا اليوم لا نستمع إلى هذا الإنجيل من مكانٍ بعيد، بل من شاطئٍ آخر من شواطئ الإنجيل، من مدينة صور، هذه المدينة الّتي عرفها الرّبّ يسوع، وزار أرضها، وبارك أبناءها.

وكأنّ المسيح يمرّ اليوم من جديد على هذا السّاحل، لا ليزيد قلق القلوب، بل ليهدّئها؛ لا ليذكّرنا بالخوف، بل ليفتح أمامنا طريق الرّجاء؛ لا ليقول لنا إنّ الطّريق سهل، بل ليقول لنا إنّه حاضرٌ معنا في الطّريق، وإنّ نوره لا ينطفئ حين تشتدّ العتمة.

لقد دعا يسوع بطرس وأندراوس، ويعقوب ويوحنّا، وهم في حياتهم اليوميّة البسيطة. لم يدعهم إلى الهروب من العالم، بل إلى الشّهادة فيه. لم يعدهم بأن تكون حياتهم بلا أمواج، بل دعاهم إلى أن يثبتوا حين تعلو الأمواج، وأن يصيروا شهودًا للرّجاء حيث يكثر القلق، وصانعي سلامٍ حيث يحتاج النّاس إلى كلمةٍ مطمئنة وقلبٍ رحيم.

وهذا ما نحتاجه اليوم في مدينتنا.

نحن نعيش زمنًا دقيقًا، يعرف فيه كثيرون معنى الخوف على البيت، وعلى الأولاد، وعلى الشّيخوخة، وعلى الذّاكرة، وعلى الغد. ولكنّ الإنجيل لا يعلّمنا أن نردّ على الخوف بخوفٍ أكبر، ولا على القلق بكلامٍ يزيد القلق، بل يعلّمنا أن نثبت في الإيمان، وأن نحفظ الهدوء، وأن نصون كرامة الإنسان، وأن نبقى قريبين بعضنا من بعض.

فالخوف، حين يدخل إلى مدينة، لا يميّز بين حيّ وحيّ، ولا بين بيتٍ وبيت، ولا بين عائلةٍ وعائلة. لذلك نقول اليوم، بروح الإنجيل وبكلمةٍ أبويّة هادئة: إنّ حرصنا على أيّ حيّ من أحياء صور لا ينفصل أبدًا عن حرصنا على صور كلّها، بكلّ أبنائها، مسيحيّين ومسلمين. فسلامة أيّ حيّ هي سلامة المدينة بأسرها، وطمأنينة أيّ عائلةٍ هي طمأنينةٌ لنا جميعًا.

لا نريد أن نخاف بعضنا من بعض، بل أن نخاف بعضنا على بعض.

لا نريد أن ننغلق على ذواتنا، بل أن نحفظ ما ورثناه من عيشٍ واحد.

لا نريد أن تتحوّل المحنة إلى سببٍ للتّفرقة، بل إلى دعوةٍ أعمق للتّضامن والوعي والرّحمة.

صور ليست مجرّد حجارةٍ وأزقّةٍ وأحياء. صور ذاكرةٌ حيّة، ورسالةٌ روحيّة وإنسانيّة. هي المدينة التي وطئت أرضها أقدام الرّبّ يسوع، والمدينة الّتي عرفها الرّسل الأوائل، وهي أيضًا مدينة الجيرة الطّيّبة، والعيش الواحد، والاحترام المتبادل، والكرامة الإنسانيّة. فيها الكنيسة قريبةٌ من الجامع، والباب قريبٌ من الباب، والوجع إذا دخل بيتًا عرف طريقه إلى قلوب الجميع.

من هنا، حين نصلّي اليوم من أجل طمأنينة النّاس، لا نصلّي من أجل جماعةٍ دون أخرى. وحين نطلب السّلام، لا نطلبه لفئةٍ دون سواها. وحين نتمسّك ببقاء النّاس في بيوتهم، فإنّنا نتمسّك بحقّ كلّ إنسانٍ في أن يعيش آمنًا، مكرّمًا، محفوظ الكرامة، بعيدًا عن الخوف واليأس.

وبحضور صاحب السّيادة السّفير البابويّ، الّذي نشكره على قربه ومحبّته ومشاركته لنا في الصّلاة، نرفع اليوم صلاةً هادئةً من قلب هذه الكاتدرائيّة، لتكون صلاة رجاء. فالكنيسة، في رسالتها، لا تشعل الانقسام، بل تزرع السّلام. لا تفرّق بين النّاس في وجعهم، بل تحملهم جميعًا في قلبها. لا تتكلّم بلغة العداوة، بل بلغة الرّحمة والحقّ والكرامة.

نحن نؤمن أنّ كلّ إنسانٍ هو صورة الله. وكلّ طفلٍ خائفٍ هو أمانةٌ في ضميرنا. وكلّ أمٍّ قلقةٍ هي نداءٌ إلى قلبنا. وكلّ شيخٍ متمسّكٍ ببيته وذكرياته هو شهادةٌ على حقّ الإنسان في أرضه وكرامته. ولهذا، تبقى حماية المدنيّين وصون كرامتهم واجبًا أخلاقيًّا وإنسانيًّا وروحيًّا، قبل أن يكون أيّ شيءٍ آخر.

أيّها الأحبّاء، يقول لنا الإنجيل إنّ يسوع كان يطوف في الجليل كلّه، يعلّم، ويبشّر، ويشفي كلّ مرضٍ وكلّ ضعفٍ في الشّعب. وكم نحن بحاجةٍ اليوم إلى هذا المرور الإلهيّ في حياتنا.

نحتاج إلى المسيح ليشفي خوف القلوب. نحتاج إليه ليعلّمنا حكمة الكلمة في زمن التّوتّر. نحتاج إليه ليحفظنا من الانفعال، ومن التّسرّع، ومن الأحكام القاسية. نحتاج إليه ليجعلنا شهود سلامٍ لا شهود قلق، وحملة رجاءٍ لا ناقلي خوف. نحتاج إليه ليذكّرنا بأنّ الإنسان أغلى من كلّ حساب، وأنّ الحياة أقدس من كلّ خلاف، وأنّ الرّحمة أقوى من كلّ قساوة.

ولأهل الإعلام ومستخدمي مجموعات التّواصل الاجتماعيّ، أقول بكثيرٍ من المحبّة والتّقدير: في الأزمنة الدّقيقة، تصبح الكلمة مسؤوليّة. فالكلمة قد تهدّئ قلبًا، وقد تزيده اضطرابًا. قد تجمع النّاس، وقد تباعد بينهم. قد تنقل الحقيقة بروحٍ بنّاءة، وقد تثقل الخائفين بخوفٍ جديد. لذلك نحتاج جميعًا إلى كلمةٍ صادقةٍ وهادئة، تنير ولا تستفزّ، تبني ولا تجرح، وتخدم الإنسان قبل أيّ عنوانٍ آخر.

أيّها الإخوة والأخوات، دعوتنا اليوم ليست إلى الخوف، بل إلى الوعي. وليست إلى الانفعال، بل إلى الهدوء. وليست إلى العزلة، بل إلى التّضامن. وليست إلى الكلام الكثير، بل إلى المحبّة العمليّة. أن نسأل عن بعضنا. أن نطمئنّ إلى الجيران. أن نخفّف من خوف الأطفال. أن نحفظ كرامة الشّيوخ. أن نبقى متنبّهين من دون تهويل. أن نصلّي من دون يأس. أن نثق بأنّ الله لا يترك شعبه، وأنّ المدينة الّتي باركها الرّبّ قادرةٌ، بنعمة الله وحكمة أبنائها، أن تعبر هذه المرحلة بكرامةٍ وثبات.

قبل أيّام دخل القلق إلى قلوب كثيرين، أمّا اليوم فنريد أن نفتح بابًا للرّجاء. لا رجاءً ينسى الواقع، بل رجاءً مؤمنًا يراه بعين الإيمان. لا رجاءً ساذجًا، بل رجاءً مسؤولًا. لا رجاءً يتهرّب من الألم، بل رجاءً يقول إنّ الألم لا يملك الكلمة الأخيرة.

نحن أبناء القيامة. نحن أبناء الرّجاء. نحن أبناء هذه الأرض الّتي عرفت الدّموع، لكنّها لم تتخلّ عن الحياة. ونحن مدعوّون، اليوم أكثر من أيّ وقتٍ مضى، إلى أن نكون شهودًا لإنجيل السّلام، وأن نحفظ في قلوبنا وصايا الرّبّ: طوبى لصانعي السّلام، لأنّهم أبناء الله يُدعون.

ومن هذه الكاتدرائيّة المباركة، كاتدرائيّة القدّيس توما الرّسول، ومن هذه المدينة الّتي مرّ بها الرّبّ وباركها، نرفع صلاتنا من أجل صور كلّها، ومن أجل الجنوب كلّه، ومن أجل لبنان كلّه. نصلّي لكي تبقى صور مدينة العيش الواحد، والحياة المشتركة، والكرامة الإنسانيّة. نصلّي لكي يحفظ الله أبناءها جميعًا، مسيحيّين ومسلمين. نصلّي لكي يمنح الجميع حكمةً وهدوءًا وبصيرة. نصلّي لكي لا يتحوّل الخوف إلى تفرقة، ولا القلق إلى قسوة، ولا التّجربة إلى يأس. نصلّي لكي تبقى بيوتنا عامرةً بالسّلام، وقلوبنا عامرةً بالرّحمة، وكلماتنا جسورًا لا جدرانًا.

حفظ الله صور وأهلها جميعًا. حفظ الله جنوبنا الجريح. حفظ الله لبنان من كلّ سوء. وبشفاعة أمّنا مريم العذراء، سيّدة الرّجاء والسّلام، نسأل الرّبّ أن يجعلنا شهودًا للطّمأنينة، وحرّاسًا للمحبّة، وخدّامًا للعيش الواحد. آمين.”

وبعد انتهاء الاحتفال، انتقل الجميع إلى صالون المطرانيّة حيث صافح المتروبوليت إسكندر والسّفير البابويّ الحاضرين، وتبادلا معهم الأحاديث الودّيّة.